جدل فيلم القتلة في كوريا بين النقد والهجوم الشخصي
فيلم The Assassin(s) يثير جدلاً حاداً في كوريا الجنوبية بين حرية الإبداع والهجوم الشخصي على صناع العمل. رغم الانتقادات والاتهامات السياسية، يواصل الفيلم جذب الجمهور محققاً نجاحاً كبيراً وسط نقاشات حامية حول حدود النقد. وورلد برس عربي

في الأسابيع الأخيرة، لم تكن الهجمات تصل إلى الفيلم فقط، بل إلى صناديق الرسائل الخاصة لمن شاركوا في صنعه. حسابات الممثلتين Kim Go-eun وLee Young-ae على مواقع التواصل الاجتماعي امتلأت بتعليقات مسيئة بعد أن شاركت كلّ منهما توصية مكتوبة بخطّ يدها لمشاهدة الفيلم. الناقد Lee Dong-jin وجد نفسه هدفاً مماثلاً بعد أن نشر مراجعة مصوّرة له، وأحد مراجعي السينما على YouTube، الذي يتابعه 4.17 مليون مشترك، أزال مقطعاً كاملاً تحدّث فيه عن العمل. هذا هو المشهد الذي يفتح عليه الجدل الدائر حالياً في كوريا الجنوبية حول فيلم "The Assassin(s)" جدلٌ لم يعد يدور حول مضمون شريط سينمائي، بل حول حدود ما يمكن أن يُقال، ومن يتحمّل ثمن قوله.
نقابة المخرجين تتدخّل: أين الحدّ بين النقد والهدم؟
أمام هذا المشهد، خرجت نقابة المخرجين في كوريا (Directors Guild of Korea) ببيانٍ واضح للدفاع عن فريق العمل. قالت النقابة: "ما نواجهه الآن ليس نقداً أو إدانة لفيلم، بل هجمات على أفراد تجاوزت الخطّ". وأضافت أنّ الهجوم "يستهدف حياة وأرزاق من شاركوا في العمل، ووصل إلى حدّ المطالبة بألّا يُصنع فيلمٌ من هذا النوع مرّة أخرى".
النقابة لم تنفِ حقّ الجمهور في النقد، بل أرادت تحديد مكانه: "يمكن انتقاد صنّاع الأعمال على عملهم، لكن هذا النقد يجب ألّا يؤدي إلى انهيار حياة الصانع الشخصية ومصدر رزقه". وذهبت أبعد من ذلك في الدفاع عن مستقبل هؤلاء المخرجين والكتّاب: "فرصة أن يبدأ ذلك الشخص قصّته التالية لا ينبغي أن تختفي لمجرّد أنّ فيلماً مرّ بجدلٍ ونقد".
ما الذي يرويه الفيلم فعلاً؟
"The Assassin(s)" هو فيلم إثارة من إخراج Hur Jin-ho، افتُتح في 23 سبتمبر. يلعب Yoo Hae-jin دور مفتّش شرطة يشهد حادثة إطلاق النار التي وقعت عام 1974 ويتولّى قيادة التحقيق فيها، بينما يؤدي Park Hae-il دور رئيس قسم الشؤون الاجتماعية في صحيفة، ويظهر Lee Min-ho في دور صحفي مبتدئ. والمفارقة التي أشعلت كلّ هذا الجدل بسيطة في ظاهرها: الفيلم لا يسمّي الفاعل.
هذا الغياب المتعمّد للإجابة هو ما يعيد فتح جرحاً قديماً في الذاكرة الكورية. في 15 أغسطس 1974، أُطلقت النار على Yuk Young-soo، زوجة الرئيس الأسبق Park Chung-hee، في المسرح الوطني خلال احتفالات يوم التحرير. التحقيق الرسمي حمّل Mun Se-gwang المسؤولية منفرداً، وقال إنّه تصرّف بتعليماتٍ من بيونغ يانغ ومن Chongryon، رابطة المقيمين الكوريين الشماليين في اليابان. أمّا منتقدو الفيلم، فيرون أنّ نهايته المفتوحة تُلمّح إلى تورّط Park Chung-hee نفسه أو حكومته تلميحٌ لم يصدر صراحةً عن أحد في الفيلم، لكنّه قرأه كثيرون بين السطور.
منتجو الفيلم حاولوا قطع الطريق على هذه القراءة في بيانٍ صدر في 28 سبتمبر، جاء فيه: "لا يُحدَّد في أي مكانٍ من الفيلم فردٌ معيّن بصفته المسؤول عن الحادثة، وفرضيّات الفيلم وإطاره الدرامي لا تُقدَّم كحقيقة تاريخية".
من الشاشة إلى قاعة البرلمان
لم تبقَ المعركة في فضاء النقد الفني. Lee Jong-bae، عضو مجلس بلدي سابق في سيول، طلب من شرطة سيول التحقيق مع المخرج Hur Jin-ho، ومع Kim Won-kuk، الرئيس التنفيذي لشركة Hive Media Corp، وكذلك الكاتبين Kwon Ki-jun وLee Ji-min، بتهمة التشهير. حجّته في الشكوى أنّ عنوان الفيلم بصيغة الجمع يُلمّح إلى وجود فاعلٍ ثانٍ إلى جانب Mun Se-gwang.
الجدل انتقل أيضاً إلى الجمعية الوطنية الكورية، حين حاول نوّاب من حزب قوة الشعب (People Power Party) استدعاء Hur Jin-ho للحضور أمام جلسة التدقيق البرلماني السنوي. الحزب الديمقراطي عارض هذا الاستدعاء ومنعه، متمسّكاً بحجّة حرية الإبداع.
مقاعد السينما لا تخلو، حتى مع امتلاء صفحات التقييم بالنجمة الواحدة
وسط كلّ هذه الضغوط، ظلّ الجمهور الكوري يملأ صالات العرض. الفيلم تجاوز المليون تذكرة في أربعة أيام فقط من عرضه. وفي عطلة نهاية الأسبوع بين 2 و4 أكتوبر، تصدّر قائمة شباك التذاكر الكوري ببيع 412,012 تذكرة عبر 1,129 شاشة، محقّقاً إيراداتٍ بلغت 4.07 مليار وون كوري (3 ملايين دولار). وبذلك ارتفع إجمالي عدد التذاكر المُباعة إلى 2.23 مليون تذكرة، وإجمالي الإيرادات إلى 21.9 مليار وون (16.3 مليون دولار).
في المقابل، امتلأت مواقع التقييم بعلامات النجمة الواحدة فجوة واضحة بين الحضور الفعلي في الصالات وصوت الغضب على الإنترنت. ولم يكن كلّ الأصوات الفنية في صفّ الهجوم؛ المخرج Park Chan-wook أثنى على الفيلم علناً في جلسة أسئلة وأجوبة مع الجمهور في 26 سبتمبر، في إشارة إلى أنّ المشهد السينمائي نفسه منقسمٌ حول قيمة العمل، لا فقط حول تفسيره السياسي.
الفيلم يتّجه إلى سنغافورة، والسؤال يبقى مفتوحاً
بعد أسابيع من هذا الجدل، يتجّه "The Assassin(s)" إلى منصّةٍ دولية؛ فهو مُقرَّرٌ أن يفتتح الدورة 37 لمهرجان سنغافورة السينمائي الدولي في 21 أكتوبر، على أن يحضر الافتتاح المخرج Hur Jin-ho إلى جانب Shim Eun-kyung وPark Sung-hoon، ويستمرّ المهرجان حتى 1 نوفمبر.
وبينما يستعدّ الفيلم لمواجهة جمهورٍ جديد خارج كوريا، تترك نقابة المخرجين كلمتها الأخيرة عالقة في الهواء كتذكيرٍ لا كخاتمة: "يجب أن تستمرّ السينما مكاناً تتقاطع فيه الأفكار والأصوات المختلفة، حتى لو أثارت جدلاً. فإذا اختفت تلك الحرية، يصبح من الصعب أن تُولد أفلامٌ وحكاياتٌ جديدة". وبين صالةٍ ممتلئة في سيول وشاشة تقييمٍ مليئة بالغضب، يبقى السؤال معلّقاً: من يملك حقّ الحكاية حين تتشابك الذاكرة الوطنية بالفن؟
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
