وعد ماسك بالوفرة المذهلة بين الحلم والواقع
إيلون ماسك يعد بـوفرة مذهلة تشمل شقق فاخرة وروبوتات تبني مدناً لكن التفاصيل غائبة والوعود تبدو شعاراً تسويقياً أكثر منها خطة تنفيذية. تعرف على حقيقة رؤية Tesla المستقبلية في وورلد برس عربي.

هل تصدّق فعلاً أنّ الروبوتات ستمنحك شقةً فاخرة مجّاناً خلال سنوات قليلة؟ هذا بالضبط ما يُلمّح إليه Elon Musk منذ أشهر، لكن حين تبحث عن التفاصيل العملية وراء هذا الوعد، لا تجد شيئاً يُذكر فقط شعاراً براقاً، وحزمة أجور ضخمة، وطلب تسجيل علامة تجارية لبيع الأكواب وفاتحات الزجاجات.
في 1 سبتمبر 2025، كشف Musk عن النسخة الرابعة من "الخطة الرئيسية" (Master Plan) الخاصة بـTesla. ما إن نُشرت الخطة حتى انتقدها بعض أشدّ المعجبين بـMusk حماساً، واصفين إيّاها بأنها عامّة وفضفاضة لا تحمل أي تفصيل تنفيذي. اللافت أنّ Musk نفسه وافق على هذا النقد، ووعد بتقديم تفاصيل أكثر دقّة لاحقاً. هذا الوعد، حتى كتابة هذه السطور، لم يتحقق.
ماذا تعني "الوفرة المذهلة" فعلياً؟
خلال العام الماضي، ربط Musk وقيادات Tesla التنفيذية مستقبل الشركة بسيارات الأجرة ذاتية القيادة (robotaxis) والروبوتات والذكاء الاصطناعي، تحت مظلّة عبارة واحدة: "وفرة مذهلة" (amazing abundance). حتى هذا الشعار نفسه تغيّر مع الوقت؛ فقد كان يُعرف سابقاً باسم "الوفرة المستدامة" (sustainable abundance)، قبل أن يستبدله Musk لأنه، بحسب تعبيره، وجده "أكثر بهجة" (more joyful).
وخلال الأشهر الماضية، وزّع Musk وعوداً متفرّقة عن هذا المستقبل: قال إنّ الروبوتات والذكاء الاصطناعي قد يؤديان عمليات جراحية ويوسّعان نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية، وأضاف أنّ "الجميع يمكن أن يحصل على شقة فاخرة إن أراد" (everyone can have a penthouse if they want). كما أيّد تصريحاً لمؤسس Midjourney، David Holz، زعم فيه أنّ 5 ملايين روبوت إنساني قادرة على "بناء مانهاتن خلال نحو 6 أشهر" وعلّق Musk على ذلك بحماس: "وفرة مذهلة للجميع!" (Amazing abundance for all!).
وفي مقابلة مع Zanny Minton Beddoes، رئيسة تحرير مجلة The Economist، في يوليو الماضي، ذهب Musk أبعد من ذلك قائلاً إنّ "أي شخص يمكن أن يحصل على أي شيء يفكر فيه".
من شعار إلى علامة تجارية
في أغسطس الماضي، تقدّمت Tesla بطلب رسمي لدى مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي لتسجيل عبارة "وفرة مذهلة" كعلامة تجارية، لتُستخدم على السيارات والروبوتات ومجموعة من المنتجات التجارية تشمل الملصقات والحقائب والأكواب وحتى فاتحات الزجاجات. حين يتحوّل خطاب "مستقبل الإنسانية" إلى بضاعة قابلة للبيع في متجر الشركة، يصبح من حقّ أي قارئ متمعّن أن يتساءل: هل هذه رؤية حقاً، أم استراتيجية تسويقية بحتة؟
الوفرة أم حزمة الـ1 تريليون دولار؟
هنا يكمن جوهر القصة الذي لا يظهر في التغريدات. جعلت Tesla "الخطة الرئيسية الرابعة" مبرراً مركزياً لحزمة أجور Musk البالغة 1 تريليون دولار لعام 2025. وبحسب ملفات رسمية مُقدَّمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، حدّدت الشركة أهدافاً تشغيلية مرتبطة بهذه الرؤية: تسليم 20 مليون سيارة، وتفعيل 10 ملايين اشتراك في خدمة القيادة الذاتية الكاملة (Full Self-Driving)، إضافةً إلى نشر مليون سيارة أجرة ذاتية القيادة ومليون روبوت. وصفت الملفات هذه الأهداف بأنها "أهداف منتج" (product goals) تلعب "دوراً رئيسياً" (key role) في دعم "الرؤية" (vision) التي يقوم عليها عقد Musk.
في نوفمبر الماضي، وافق المساهمون على حزمة الأجور، فكتبت رئيسة مجلس إدارة Tesla، Robyn Denholm، رسالةً للمساهمين جاء فيها: "لقد دعمتم الرؤية التي تجسّدها الخطة الرئيسية الرابعة، وأردتم منّا أن نواصل توجيه Tesla نحو المستقبل الاستثنائي الذي نراه جميعاً أمامنا". وأضافت أنّ المساهمين اختاروا "عالماً ليس صفرياً، بل عالماً يمكننا فيه، وسنفعل، تسريع الرخاء العالمي للجميع من خلال بناء عالم أكثر أماناً ونظافة ومتعة. في سنة حاول فيها كثيرون زرع الشكّ والسلبية، اخترتم مستقبلاً أفضل". ووصفت الدعم بأنه "إعادة تأكيد" (reaffirmed) لثقة المساهمين في Musk، الذي "حوّل Tesla إلى واحدة من أكثر الشركات قيمةً في التاريخ، ويواصل دفع البشرية نحو مستقبل من الوفرة المستدامة للجميع". وأكّدت أنّ الشعار "ليس مجرد عبارة" (not just a slogan,)، بل "يتعلق بتحقيق أفضل مستقبل يمكن تخيّله ".
لاحظوا التناقض اللغوي هنا: بينما يستخدم Musk علناً عبارة "وفرة مذهلة"، لا تزال رئيسة المجلس تتحدث عن "وفرة مستدامة" وكأنّ الشركة نفسها لم تحسم بعد أي شعار تتبنّاه.
فجوة بين الخطاب والحساب
المشكلة الأعمق ليست في الشعارات، بل في غياب أي حساب عملي يفسّر كيف يتحقق هذا الوعد. في أواخر العام الماضي، قال Musk في بودكاست Joe Rogan إنّ "الوفرة المستدامة" تعني أننا "لم ندمّر الطبيعة" (we haven't destroyed nature)، ولم "نُعبّد الغابات المطيرة" (paved the rainforest)، وأننا "لدينا المتنزهات الوطنية" (have the national parks). لكن هذا التصريح يبدو أنه ورد مرّة واحدة فقط، في حين أنّ Musk نفسه دعم سياسياً كلاً من Donald Trump وJair Bolsonaro، وهما بحسب ما توثّقه التقارير عملا في اتجاه معاكس تماماً لأهداف حماية الغابات والطبيعة التي تحدّث عنها.
ثم هناك مسألة المكان. في نوفمبر 2025، قال Musk في أحد المؤتمرات إنّ روبوتات Tesla ستتمكن من "بناء منزل لأي شخص" ، أو حتى قصر لكنه أضاف شرطاً: "طالما أنك لا تصرّ على أن يكون في موقع معيّن" . هذا الشرط، الذي قد يبدو تفصيلاً عابراً، هو في الحقيقة صلب المشكلة: المواقع المرغوبة على كوكب يضمّ 8 مليارات إنسان مورد محدود أصلاً، والاحتباس الحراري يجعل مناطق متزايدة غير صالحة للسكن البشري أصلاً وهي مشكلة حاولت Tesla نفسها معالجتها لسنوات تحت مهمّتها السابقة، قبل أن يغيّرها Musk العام الماضي.
يبقى سؤال لم يُجب عنه أحد حتى الآن: إذا كان "الجميع يمكن أن يحصل على شقة فاخرة"، فهل يتخيّل Musk فعلاً 3 مليارات مبنى سكني شبه فارغ، بمعدل 2 إلى 3 مستأجرين فقط مقابل كل شقة فاخرة وحيدة في كل مبنى؟ لم تجب Tesla ولا Musk على طلبات التعليق بهذا الخصوص.
ما تبقّى، إذن، هو رؤية تسويقية فضفاضة مرتبطة بمبلغ مالي محدد جداً 1 تريليون دولار وأهداف إنتاج رقمية واضحة، لكن دون أي خريطة طريق تشرح كيف يتحول كل هذا إلى "وفرة" فعلية بدل أن يبقى حبراً على ورق تسويقي، أو عبارة مطبوعة على كوب قهوة. القارئ الذي يبحث عن تفاصيل تقنية أو اقتصادية ملموسة وراء هذا الخطاب لن يجدها بعد وحتى يظهر ذلك، يبقى التعامل مع "الوفرة المذهلة" بوصفها عبارة تسويقية تستحق التدقيق، لا وعداً قابلاً للتحقق.
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
