هل تستحق تقنية تسلا القيادة الذاتية سعرها العالي
هل من العدل أن تضع Tesla تقنية القيادة الذاتية التي تنقذ الأرواح خلف اشتراك شهري باهظ؟ مقال يكشف التناقض بين الادعاء الأخلاقي والربح التجاري ويطرح حلولاً لجعل النظام متاحاً للجميع مع تحفيزات تأمينية تعزز السلامة على الطرق وورلد برس عربي.

هل يحقّ لشركةٍ أن تزعم أنّ تقنيتها تُنقذ الأرواح، ثم تضع هذه التقنية خلف اشتراكٍ شهري بقيمة 99 دولاراً؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه أحد ملّاك Tesla في مقالٍ أثار نقاشاً واسعاً بعد أن صرّح إيلون ماسك في 8 أبريل 2026 بأنّ نظام القيادة الذاتية الكاملة (FSD) قادرٌ على إنقاذ 90% من نحو مليون حالة وفاة سنوية ناجمة عن حوادث السير حول العالم. وقد كانت الولايات المتحدة وحدها قد سجّلت نحو 36,640 حالة وفاة مرورية في 2025. الكاتب يختصر التناقض في جملةٍ واحدة موجّهة مباشرةً إلى الرئيس التنفيذي: "يا إيلون، لا يمكنك أن تجمع بين الادّعاءين معاً إذا كان ادّعاؤك بشأن السلامة صحيحاً!".
ماذا يقول من جرّب النظام فعلياً؟
الكاتب، وهو مالك سيارة Model Y 2026 بالمواصفات الأساسية، يستخدم الإصدار الرابع عشر من FSD منذ أربعة أشهر، ويصف أداءه بأنه يشبه قيادة سائقٍ محترف في معظم الحالات تقريباً. يروي واقعةً حدثت في بلدة Three Lakes بولاية Wisconsin، حين توقّفت السيارة من تلقاء نفسها على جانب الطريق لعبور سيارة إسعافٍ قادمة، ثم واصلت السير تلقائياً بعد مرورها — مشهدٌ يراه الكاتب دليلاً عملياً على أنّ توسيع استخدام هذا النظام بين سائقي Tesla قد يُنقذ آلاف الأرواح.
لكنّ المشكلة، كما يراها، ليست في جودة التقنية بل في وصولها: نسبة الاستخدام الفعلي لا تتجاوز 15%، أي أنّ 85% من سائقي Tesla لا يصلون إليها أصلاً — سواء بسبب الرسم الشهري أو بسبب تصميم الواجهة الذي يتطلّب ضغط زرّ "تشغيل القيادة الذاتية" أو عجلة التمرير اليمنى في كل مرة. لو اختفى الرسم الشهري البالغ 99 دولاراً، لوفّر الكاتب وحده 1,188 دولاراً سنوياً — رقمٌ صغيرٌ على مستوى الفرد، لكنه يتحوّل إلى 800 مليون دولار من الإيرادات السنوية حين يُضرب في قاعدة مستخدمي Tesla ككل.
سابقة حزام الأمان: حين اختار مخترعٌ التخلّي عن حقوقه
يستحضر الكاتب مقارنةً تاريخية ذات دلالة: في 1959 سجّل Nils Bohlin براءة اختراع حزام الأمان ذي النقاط الثلاث، وفي العام نفسه جعلته Volvo ميزةً قياسية في سياراتها. كان Bohlin يؤمن بأنّ عليه التزاماً أخلاقياً بتقديم اختراعه الآمن لصانعي السيارات مجاناً، دون أن ينتظر عائداً مالياً. الفارق أنّ Tesla أنفقت مليارات الدولارات على تطوير عتاد FSD وبرمجياته، وتواصل إنفاق ملايين أخرى على تطويره المستمر — وهو مبلغٌ أكبر بمراتب من تكلفة تطوير حزام Volvo. ومع ذلك، يرى الكاتب أنّ حجم الاستثمار لا يُبرّر التأخّر عن الخطوة نفسها، بل يُقوّي الحجّة الأخلاقية: "أعتقد أننا وصلنا إلى النقطة التي باتت فيها Tesla ملزمةً أخلاقياً بأن تجعل جميع سياراتها الجديدة تأتي مزوّدةً بـ FSD كتجهيزٍ قياسي".
من يدفع الثمن إن أصبح النظام مجانياً؟
لتعويض خسارة الـ 800 مليون دولار المتوقعة من إلغاء الرسم الشهري، يقترح الكاتب فرض رسم سلامةٍ إلزامي بقيمة 500 دولار على كل سيارةٍ جديدة، على أن يكون النظام مجانياً بالكامل لملّاك السيارات الحالية المزوّدة بعتاد Hardware 4 — وهو العتاد المتوفر في سيارات Tesla المُصنَّعة منذ منتصف 2023. كما يقترح أن يصبح FSD هو الوضع الافتراضي عند القيادة، مع إبقاء زرّ الشاشة أو عجلة التمرير كخيارٍ لإيقافه لمن يرغب، بدلاً من الوضع الحالي الذي يتطلّب تفعيله يدوياً في كل رحلة.
قصة ابنة الكاتب تكشف جانباً آخر من المشكلة: اشترت سيارة Model X في 2017، واشترى أصدقاؤها Model S في الفترة نفسها، ودفع كلٌّ منهم نحو 6,000 دولار مقابل اشتراكٍ دائم في FSD — لكنهم، كما يذكر الكاتب، لم يستخدموا النظام بانتظامٍ قط. المال وحده إذن لا يضمن الاستخدام؛ المشكلة بنيوية وتتعلّق بالتصميم والثقة معاً.
هل يمكن للتأمين أن يكون الحافز الحقيقي؟
تتتبّع Tesla فعلياً تكرار استخدام FSD، عبر أداة Ara، وهي بوت Grok المدمج في شاشة السيارة، والتي يمكن الوصول عبرها إلى قسم Controls/FSD لمعرفة نسبة الاستخدام. الكاتب وزوجته، المقيمان في Wisconsin و Utah، يستخدمان النظام بنسبة 95% من وقت القيادة في سيارتهما Model Y. من هنا يقترح الكاتب خصوماتٍ تأمينية معتبرة لمن يتجاوز استخدامه نسبة 90% مثلاً، لافتاً إلى أنّ الخصم الذي تقدّمه Tesla حالياً مرتبط باستخدام FSD لا يزال، في تقديره، ضئيلاً جداً.
شركة التأمين Lemonade سبق أن قدّمت نموذجاً عملياً لهذه الفكرة: خصمٌ بنسبة 50% على رسم الأميال المقطوعة باستخدام FSD، لكنّ هذه الخدمة تقتصر حالياً على ست ولايات فقط: Arizona و Oregon و Indiana و Colorado و Tennessee و Missouri — وهي قائمةٌ لا تشمل، للمفارقة، لا Wisconsin ولا Utah، مكانَي إقامة الكاتب وزوجته.
سابقة الشاحن الفائق: نموذجٌ جاهز للتطبيق
يستند الكاتب إلى سابقةٍ من تاريخ Tesla نفسها: الشركة التي احتكرت شبكة شواحنها الفائقة (Superchargers) لسنوات، فتحتها لاحقاً أمام صنّاع سياراتٍ آخرين لأول مرة، لتصبح معروفةً اليوم باسم معيار الشحن الأمريكي الشمالي (NACS). هذه الخطوة، كما يذكر، هي التي جعلت القيادة عبر الولايات المتحدة بسياراتٍ كهربائية أمراً عملياً فعلاً. فلماذا، يتساءل الكاتب، لا تتبع Tesla المنطق ذاته مع FSD، وتُتيحه مجاناً لصنّاع السيارات الآخرين الذين يُثبّتون العتاد المطلوب؟
نقطة ضعفٍ لا يُنكرها حتى الكاتب
في المقابل، يعترف الكاتب بوجود جدلٍ تقني حقيقي: بعض الشركات المصنّعة ترى أنّ نظام Tesla المعتمد كلياً على الكاميرات لا يمكن أن يضاهي الأنظمة التي تجمع بين الكاميرات وأجهزة الرادار والليدار (lidar). يُقرّ الكاتب بأنّ نظام الكاميرات وحده سيكون أضعف أداءً في الأحوال الجوية الشديدة السوء، لكنه أكثر اقتصاداً في التكلفة والانتشار — ويذكّر بأنّ السائقين البشر أنفسهم يتوقفون عن القيادة في مثل هذه الظروف القصوى، وهو ما يضع النظامين في موقفٍ متقارب عملياً حين يتعلّق الأمر بالطقس الأسوأ.
وبصفته معتاداً على التعامل مع العروض التجارية بحذر، يُشير الكاتب إلى أنّ Tesla تُقدّم حالياً، عبر برنامج إحالة شهرين إضافيين مجانيين من FSD بقيمة تُقدَّر بـ 200 دولار لمشتري Model 3 أو Model Y الجدد، لتُضاف إلى الشهر المجاني المُدرَج أصلاً مع كل سيارة Model Y حالياً، فيصبح المجموع ثلاثة أشهر مجانية قبل بدء احتساب رسم 99 دولاراً شهرياً. كما تشمل العروض خصم 1,000 دولار على سعر Cybertruck، وسنة كاملة من الشحن المجاني عبر الشاحن الفائق مع شراء Model 3 بفئة Premium أو Performance. ومع ذلك، يُذكّر الكاتب بأنّ برنامج الإحالة هذا يتغيّر باستمرار، فما يصحّ اليوم قد لا يصحّ غداً.
يبقى السؤال معلّقاً بلا إجابةٍ من Tesla نفسها: إذا كان ماسك يؤمن فعلاً بأنّ FSD قادرٌ على إنقاذ هذا العدد الهائل من الأرواح، فما الذي يمنع الشركة من معاملته كميزة سلامةٍ أساسية — على غرار حزام الأمان قبل 67 عاماً — بدلاً من ميزةٍ مدفوعة تبقى حكراً على أقلية من مستخدميها؟
أخبار ذات صلة

من المسؤول حين يخرج وكيل ذكاء اصطناعي عن السيطرة؟

الذكاء الاصطناعي يخفّض ميزانيات الأفلام بنسبة 40%: مخرج «The Outlaws» يحذّر من فقدان اللمسة الإنسانية

العلماء يطورون ميكروباً لمساعدة الإنسان على استيطان المريخ
