رحلة ستارشيب إلى المدار تحديات نقل البشر للقمر
نجاح وصول Starship إلى المدار إنجاز تقني مهم لكنه بعيد عن تأهيل المركبة لنقل رواد الفضاء إلى القمر بسبب تحديات تقنية معقدة أهمها تزويد الوقود في الفضاء. ناسا تدرس بدائل لضمان مهام أرتميس المستقبلية وورلد برس عربي.

هل يعني وصول Starship إلى المدار أنّ الصاروخ بات جاهزاً لنقل رواد الفضاء إلى القمر؟ الجواب، وبكل بساطة، هو لا. صحيح أنّ ما حدث يوم الاثنين 28 سبتمبر يُعدّ إنجازاً تقنياً لا يُستهان به، لكنّ المسافة بين «الوصول إلى المدار» و«الجاهزية التشغيلية الكاملة» لا تزال طويلة، وتحديداً حين يتعلّق الأمر بحمل بشر إلى القمر ضمن برنامج «أرتميس» (Artemis) التابع لناسا.
في رحلتها الرابعة عشرة، بلغت Starship التي تُوصف بأنها أضخم وأقوى مركبة إطلاق بُنيت على الإطلاق المدار للمرة الأولى، ونجحت في نشر 26 قمراً صناعياً من طراز Starlink V3. هذا الإنجاز ليس تفصيلاً عابراً: فشركة SpaceX تخطّط لمنظومة Starlink V3 أن تضمّ، إذا نجحت الخطط، ما يصل إلى 100,000 مركبة فضائية. لكن قبل أن نحتفل كثيراً، من المفيد أن نسأل: ما الذي لم يحدث بعد؟
الالتقاط الذي لم يُختبر بعد
يتكوّن Starship من مرحلتين: المُعزّز Super Heavy، والمركبة العلوية Ship. كلتاهما صُمّمتا لإعادة استخدام كاملة وسريعة، وفق خطة SpaceX التي تقضي بعودة المرحلتين إلى منصّة الإطلاق لتلتقطهما أذرع البرج المعدنية بدلاً من الهبوط التقليدي. حتى الآن، نجحت الشركة في التقاط Super Heavy بهذه الطريقة في ثلاث رحلات تجريبية وهو رقم يستحق الإشادة. لكن Ship، التي يبلغ ارتفاعها 171 قدماً (52 متراً)، لم تخضع بعد لأي محاولة التقاط من هذا النوع؛ فحتى الآن اقتصرت عمليات هبوطها على السقوط المستهدف في المحيط.
خلال مشاركته في قمّة All-In Summit يوم 14 سبتمبر، أشار Elon Musk إلى أنّ SpaceX قد تجرّب التقاط Ship في الرحلة رقم 15، شرط أن تسير الرحلة 14 بشكل جيد وهو ما حصل بالفعل. لكن الشركة لم تُعلن رسمياً بعد عن ملامح مهمة الرحلة 15 ولا عن موعد إطلاقها الرسمي. وثائق تخطيط أوّلية تشير إلى أنّ 15 أكتوبر (Oct. 19) قد يكون أقرب موعد ممكن لهذه الرحلة، لكن هذا لا يزال تاريخاً مبدئياً لا أكثر. أي حديث عن محاولة نقل وقود بين مركبتين خلال هذه الرحلة يبقى، في الوقت الراهن، تكهّناً لا يستند إلى وصف مهمة رسمي.
مسألة الوقود: العقبة الأصعب فنياً
هنا تكمن، العقبة الأكثر إلحاحاً وتعقيداً. المهمات المدارية شيء، والمهمات إلى الفضاء العميق القمر والمريخ شيء آخر تماماً من ناحية استهلاك الوقود. المشكلة أنّ Ship لا يمكنها الإقلاع بكمية كبيرة من الوقود على متنها، لأنّ الوزن الإضافي سيجعلها أثقل من أن تُقلع أصلاً. الحلّ الذي تعتمده SpaceX هو منظومة «مستودع» (depot) وهو بحدّ ذاته نسخة معدّلة من Ship تحتاج إلى مركبات «ناقلة» (tanker) خاصة لتزويدها بالوقود في الفضاء.
كم عدد الرحلات الناقلة اللازمة لحملة هبوط قمرية واحدة؟ التقديرات تتراوح بين ثماني رحلات و15 أو 20 رحلة وهو فارق كبير يعكس حجم عدم اليقين التقني الذي لا يزال قائماً. الأمر الوحيد الذي أُنجز فعلياً حتى الآن هو نقل الوقود بين خزّانات داخلية في المركبة نفسها، وذلك خلال الرحلة الثالثة في مارس 2024. أما نقل الوقود بين مركبتين منفصلتين في الفضاء وهو ما تتطلّبه منظومة المستودع والناقلات فلم تُجرّبه SpaceX بعد ولو مرة واحدة. هذه ليست تفصيلاً تقنياً هامشياً؛ إنّها الحلقة التي يتوقّف عليها نجاح أي مهمة قمرية أو مريخية بأكملها.
أرتميس ينتظر، وناسا لديها بديل جاهز
اختارت ناسا المرحلة العلوية من Starship لتكون أوّل مركبة هبوط مأهولة ضمن برنامج أرتميس، الذي يهدف إلى بناء قاعدة قرب القطب الجنوبي للقمر خلال العقد المقبل أو نحوه. الجدول الزمني المعلن يضع إطلاق أرتميس 3 المأهولة في منتصف 2027، حين من المفترض أن تلتحم كبسولة Orion مع Ship في مدار أرضي دون أن يكون واضحاً بعد ما إذا كان على رواد أرتميس 3 دخول Ship فعلياً أم لا. لكن الموعد الحاسم هو أرتميس 4 في 2028، حين يجب أن تكون Ship «صديقة للبشر» بالكامل، إذ تخطّط المهمة لإنزال رواد قرب القطب الجنوبي للقمر أول هبوط مأهول هناك منذ رحلة أبولو 17 عام 1972.
وقبل أن تحمل Ship أي إنسان، على SpaceX أن تُدمج تقنيات دعم الحياة وتختبرها اختباراً مكثفاً وهي عملية تختلف جذرياً عن اختبارات الإطلاق والالتقاط. الجانب المطمئن نسبياً هو أنّ الشركة تملك خبرة سابقة عبر كبسولة Crew Dragon، التي نفّذت حتى الآن 20 مهمة مأهولة إلى المدار الأرضي المنخفض، وهي منظومة يمكن التوسّع فيها. لكن حتى ناسا نفسها لا تراهن بالكامل على جهوزية Ship في الموعد؛ فقد صرّحت بأنها قد تلجأ إلى مركبة Blue Moon التابعة لشركة Blue Origin للهبوط في أرتميس 3 و/أو أرتميس 4 إذا لم تكن Ship جاهزة.
طموح موسك الأكبر من مجرد الإطلاقات
يجدر التذكير بأنّ Elon Musk قدّم هذا الصاروخ للمرة الأولى في سبتمبر 2016 تحت اسم «نظام النقل بين الكواكب» (Interplanetary Transport System)، ووصفه حينها بأنه اختراق قد يجعل استيطان المريخ أمراً ممكناً فعلياً. اليوم، يتحدّث موسك عن هدف طموح لا يقلّ جرأة: 10,000 عملية إقلاع سنوياً لـ Starship بحلول عام 2030 رقم يفترض أنّ إعادة الاستخدام السريعة والالتقاطات بأذرع البرج ستصبح روتينية تماماً، وهو أمر لم يتحقّق بعد حتى لمرحلة Ship وحدها.
ولتحقيق هذا المعدّل من الإطلاقات، تستعد SpaceX ببنية تحتية ضخمة: الصاروخ يُطلق حالياً من منصّتين في موقع Starbase بجنوب تكساس، بينما تبني الشركة ثلاث منصّات إضافية على الساحل الفضائي لولاية فلوريدا، وتخطّط لبدء أعمال البناء في مجمّع Starship Louisiana بتكلفة تُقدَّر بـ 100 مليار دولار وسعة 12 منصّة إطلاق في عام 2027. معظم مهمات Starship، بحسب الخطط الحالية، ستبقى في المدار الأرضي لنشر أقمار Starlink V3 ومنظومة Starmind، وهي شبكة مراكز بيانات فضائية مخطَّط لها لتضمّ نحو مليون قمر صناعي إذا تحقّقت الخطط بالكامل بينما سيقتصر عدد محدود من المهمات على الرحلات نحو القمر والمريخ.
الصورة إذاً أوضح مما توحي به عناوين «إنجاز تاريخي»: الوصول إلى المدار خطوة ضرورية، لكنها ليست سوى واحدة من سلسلة اختبارات لا تزال معلّقة التقاط Ship، ونقل الوقود بين مركبتين فعليتين، وتجهيز المركبة لتصبح صالحة لحياة البشر. الرحلة 15، إن أُطلقت فعلاً في 15 أكتوبر أو بعده، قد تجيب عن بعض هذه الأسئلة. لكنها لن تجيب عنها كلّها دفعة واحدة، وناسا نفسها تتصرّف وكأنها تعرف ذلك جيداً حين تُبقي خيار Blue Moon مفتوحاً.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
