رحلة تاريخية لرواد فضاء يتحدون الصعاب في الفضاء
انطلقت مهمة Crew-13 بأسرع رحلة أمريكية إلى محطة الفضاء الدولية يقودها جيسيكا واتكنز أول امرأة سوداء تقود مركبة فضائية. إصلاح تقني فريد تم دون تفريغ الوقود، وطاقم يترك خلفه حياة كاملة في سبيل استكشاف الفضاء مع وورلد برس عربي.

انطلقت، يوم الخميس، مهمة Crew-13 من قاعدة كيب كانافيرال للقوة الفضائية في فلوريدا، حاملةً على متنها أربعة رواد إلى محطة الفضاء الدولية في رحلة تمتد ستة أشهر. لكنّ ما يمنح هذه المهمة بُعداً يتجاوز الروتين الاعتيادي لتناوب الأطقم هو اسمٌ واحد: جيسيكا واتكنز، الجيولوجية التي تحوّلت إلى رائدة فضاء، والتي أصبحت أول امرأة سوداء تتولّى قيادة مركبة فضائية.
واتكنز، البالغة من العمر 38 عاماً، هي الرائدة الوحيدة في الطاقم التي سبق لها الطيران؛ فقد أمضت 170 يوماً في المدار خلال رحلة فضائية طويلة الأمد عام 2022. أما بقية أعضاء الطاقم فهم: لوك ديلاني، قائد الطائرة وقدامى المحاربين في سلاح مشاة البحرية الأمريكية، الذي وصف الرحلة بقوله: " يا لها من رحلة أسطورية بالفعل"، مضيفاً: "اليوم، نواصل بفخر سلسلة وجود البشر وعملهم في المدار، بناءً على إرث الأمس لتمهيد الطريق لمستقبل استكشاف الفضاء". ويرافقهما الكندي جوشوا كوتريك، الطيار السابق في سلاح الجو الملكي الكندي، والروسي سيرغي تيتيرياتنيكوف، المهندس البحري السابق الذي انضمّ إلى فيلق رواد الفضاء التابع لروسكوزموس عام 2021.
رحلة قياسية رغم عطل في اللحظات الأخيرة
غادرت المركبة مجمّع الإطلاق رقم 40 في الساعة 11:10 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (15:10 بتوقيت غرينتش)، ووصل الطاقم إلى المدار بعد تسع دقائق فقط من الإطلاق، قبل أن يكون في طريقه للوصول إلى محطة الفضاء الدولية بعد نحو ثماني ساعات، مع التحام كان مقرراً مساء الخميس. ووُصفت هذه الرحلة بأنها الأسرع على الإطلاق لمركبة فضائية أمريكية من الإطلاق حتى الالتحام بالمحطة.
غير أنّ هذا النجاح جاء بعد تأجيل دام من منتصف سبتمبر، حين أعلنت ناسا في أواخر أغسطس تأجيل الإطلاق بعد رصد تسرّب في مادة مؤكسدة خلال التحضيرات في كيب كانافيرال. تتبّعت سبيس إكس مصدر التسرّب إلى صمام في نظام الدفع الخاص بمركبة Dragon، التي كانت محمّلة برابع أكسيد النيتروجين (NTO)، وهو مادة مؤكسدة متطايرة وسامّة تُستخدم مع وقود الهيدرازين في محركات الدفع الصغيرة الخاصة بالتحكم في المركبة.
كيف تمّ إصلاح الصمام دون تفريغ الوقود؟
ما يستحق التوقف عنده تقنياً هو طبيعة الإصلاح نفسه. فبدلاً من تفريغ الوقود وتفكيك المركبة بالكامل — وهو إجراء كان سيتسبب في تأخير أطول بكثير — لجأت فرق الإصلاح إلى قطع جزء من خط الدفع واستبدال الصمام المعطوب مباشرة. وأوضح بيل غيرستنماير، نائب رئيس سبيس إكس لشؤون البناء وموثوقية الرحلات، في مؤتمر صحفي يوم الأربعاء، قبل الإطلاق: "بقطعه، دخلنا فعلياً وقطعنا الصمام من الخط"، مضيفاً: "تم لحامه في مكانه، ثم أعدنا لحام صمام جديد في مكانه".
وقد جرى هذا العمل داخل منشأة Area 59 التابعة لسبيس إكس في كيب كانافيرال، وهي منشأة مخصصة للتزويد بالوقود ومعالجة المواد الخطرة، وتقع على بعد أميال من حظيرة الصيانة المعتادة للشركة. وقال غيرستنماير إنه ذهب بنفسه لمعاينة المركبة: "ذهبت فعلياً ونظرت إلى المركبة نفسها، ودخلت الغرفة النظيفة، وألقيت نظرة لأرى أين اضطروا فعلياً لقطع الصمام"، مضيفاً أنّ "المساحة لم تكن كبيرة، لكن كان هناك وصول جيد عبر المنصة. أعتقد أنّ الجانب الفريد في هذا كان موقع تنفيذ العملية".
والأهم أنّ العمل جرى والمادة المؤكسدة لا تزال داخل المركبة، وخزان المؤكسد ممتلئ بالكامل. وقال غيرستنماير: "قمنا بذلك أيضاً مع وجود المؤكسد على متن المركبة، وكان خزان المؤكسد ممتلئاً، لذا تأكّدنا من أنّ كل شيء كان واضحاً"، موضحاً أنّ الشركة اضطرت للحصول على إذن استثنائي: "كان علينا الحصول على إذن خاص من نطاق القوة الفضائية الشرقي للقيام بهذه الأنشطة، للقيام بـ'العمل الساخن' باستخدام NTO، أي رابع أكسيد النيتروجين، على المركبة". وكان هذا أول إصلاح من نوعه تجريه سبيس إكس على مركبة Dragon مجمّعة بالكامل ومحمّلة بالوقود.
ولم تُرصد أي تسرّبات خلال التحضيرات النهائية للإطلاق يوم الخميس، وبدا أنّ نظام الدفع يعمل بشكل جيد بعد وصول المركبة إلى المدار. ومن جانبها، أكدت دانا فايغل، مديرة برنامج محطة الفضاء الدولية في ناسا: "نظرنا إلى الخطط، وكل البيانات الصادرة عن ذلك، واللحامات، والتسرّب، كل شيء يبدو رائعاً"، مضيفة أنها "سعيدة جداً بطريقة تنفيذ هذا الإصلاح".
طاقم يترك خلفه حياة كاملة على الأرض
وراء الإنجاز التقني، تحمل هذه المهمة بُعداً إنسانياً لافتاً. فجوشوا كوتريك وزوجته هيذر ينتظران مولودهما الثالث في وقت لاحق من هذا العام، ما يعني أنّ كوتريك سيكون بعيداً عن الأرض حين يأتي طفله إلى الحياة. وكتب على منصة X قُبيل مغادرته: "ترك هؤلاء الثلاثة (بالإضافة إلى واحد في الطريق) هو أصعب شيء فعلته في حياتي. لكن هذه كانت دائماً طبيعة الاستكشاف".
وليست حالة كوتريك الأولى من نوعها؛ فقد سبق لرائد الفضاء راندي برسنيك أن كان على متن المكوك الفضائي أتلانتس عام 2009 حين وضعت زوجته مولودتهما أبيغيل ماي في هيوستن. وبرسنيك، المقرر أن يقود مهمة أرتميس 3 العام المقبل، يُعدّ النظير الأقرب تاريخياً لما يعيشه كوتريك اليوم.
وكانت مهمة Crew-13 مقرراً لها أن تبقي الجدول الزمني لتناوب الأطقم متماسكاً، إذ ستحلّ محل طاقم Crew-12 الذي كان من المقرر عودته إلى الأرض في منتصف أكتوبر بعد ثمانية أشهر في المدار.
مستقبل غامض لشراكة طويلة بين ناسا وسبيس إكس
تأتي هذه الرحلة في سياق أوسع يستحق المتابعة من زاوية سياسات الفضاء، لا التقنية وحدها. فمحطة الفضاء الدولية، المأهولة بشكل متواصل منذ عام 2000، استُخدمت لنقل أطقمها عبر مكوكات ناسا الفضائية، ومركبات سويوز الروسية، ثم مركبات Crew Dragon التابعة لسبيس إكس. وتخطط ناسا وشركاؤها الدوليون لتشغيل المحطة حتى عام 2030 على الأقل، في الوقت الذي تعتزم فيه سبيس إكس التقاعد التدريجي لمركبة Crew Dragon وصاروخ Falcon 9 في الفترة ذاتها تقريباً.
وتشكّل رحلة الخميس المهمة رقم 13 لتناوب الأطقم التي تنفذها سبيس إكس بموجب عقد ضخم مع ناسا بقيمة متعددة المليارات، والرحلة البشرية الحادية والعشرين للشركة إجمالاً، بما في ذلك رحلات الاختبار والرحلات التجارية الكاملة. وقد أعادت سبيس إكس للولايات المتحدة القدرة على إطلاق روادها بنفسها، بعد فجوة دامت تسع سنوات أعقبت تقاعد المكوك الفضائي عام 2011، منهيةً بذلك اعتماد ناسا الحصري على روسيا لنقل الأطقم. في المقابل، واجه برنامج Starliner التابع لشركة Boeing، الشريك التجاري الآخر لناسا، تعثّرات متكررة في رحلات الاختبار، ما دفع ناسا للعمل بشكل أوثق مع الشركة لإدخال المركبة إلى الخدمة.
ومع امتلاك سبيس إكس تسع رحلات إضافية لمركبة Crew Dragon في سجل أعمالها، أمّنت ناسا مؤخراً ثلاث مهام إضافية لطواقم محطة الفضاء الدولية ضمن تمديد للعقد بقيمة 946 مليون دولار، ليصل إجمالي عقد ناسا مع سبيس إكس إلى 17 مهمة طاقم بقيمة إجمالية تبلغ 5.92 مليار دولار.
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: إلى متى ستبقى محطة الفضاء الدولية ضمن أولويات سبيس إكس؟ فالشركة، المُدرجة في البورصة، تُرجّح خطوط أعمالها الأكثر ربحية، وتشمل مصادر إيراداتها المتوقعة خدمة Starlink للإنترنت العريض، ومنظومة Starship/Super Heavy، ومراكز البيانات المدارية وهي كلها مجالات لا تندرج ضمنها رحلات محطة الفضاء الدولية من حيث العائد المالي. وحين سُئل غيرستنماير يوم الأربعاء عمّا إذا كان هناك "موعد نهائي حاسم" لرحلات Crew Dragon لصالح ناسا، تجنّب الإجابة المباشرة، مكتفياً بالقول: "حصلنا للتو على رحلات الطاقم 15 و16 و17، لذا أعتقد أنّ تركيزنا الحقيقي هو ضمان تحقيق أقصى استفادة من تلك الرحلات"، مضيفاً: "نعمل بجدّ فائقة لضمان جاهزية مركباتنا وجاهزية كل شيء للطيران، وسنواصل المضي قدماً".
هذا الغموض يجعل من تمديد العقد الأخير، بحسب ما يُرجَّح، آخر عقد لمركبة Crew Dragon مع ناسا وهو احتمال يضع برنامج الأطقم التجارية الأمريكي أمام مرحلة انتقالية جديدة، في وقتٍ لا يزال فيه بديل Boeing يحبو نحو النضج التشغيلي الكامل.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
