رحلة الأمومة في الفضاء وتحديات الجاذبية الصغرى
رحلة بحثية تكشف أسرار الأمومة في الفضاء مع الباحثة Kellie Gerardi التي تضخ حليبها في الجاذبية الصغرى وتسلط الضوء على فجوات الطب الفضائي النسائي لتأمين مستقبل إنساني مستدام خارج الأرض على وورلد برس عربي.

تحت وطأة الجاذبية الأرضية نفسها، لا يزال العلم عاجزاً عن الإجابة عن أسئلة أساسية حول جسد المرأة: ماذا يحدث لحليب الأم حين يُستخرج خارج الغلاف الجوي؟ وكيف تتعامل الدورة الشهرية مع انعدام الوزن؟ وهل يمكن للأمومة أن تتعايش مع مهمة فضائية طويلة الأمد؟ هذه الأسئلة، التي ظلّت هامشية في أدبيات الطب الفضائي لعقود، باتت اليوم في صلب تجربة الباحثة الأمريكية Kellie Gerardi، التي تستعد حالياً لرحلتها الثانية على متن مركبة Virgin Galactic، بعد أن سجّلت قبل أشهر سابقة علمية لافتة حين ضخّت حليب الأم في بيئة الجاذبية الصغرى.
فجوة علمية ظلّت غائبة عن أدبيات الطب الفضائي
قبل نحو ثلاث سنوات، كانت Gerardi قد حلّقت على متن رحلة سياحية شبه مدارية لشركة Virgin Galactic، لتصبح بذلك رائدة فضاء خاصة وواحدة من أول 100 امرأة تصل إلى الفضاء في تاريخ البشرية. لكنّ مسارها المهني لا يقتصر على السياحة الفضائية: فهي باحثة متخصصة في علم الفضاء الحيوي (Bioastronautics)، وأخصائية حمولات علمية لدى المعهد الدولي لعلوم الفضاء (IIAS)، وأشرفت سابقاً على عمليات المهام في شركة Palantir Technologies، إضافة إلى نشاطها كصانعة محتوى علمي ومؤلفة.
في يونيو من هذا العام، وبعد 8 أسابيع فقط من ولادتها، شاركت Gerardi في حملة بحثية للجاذبية الصغرى لتصبح أول شخص يضخّ حليب الأم في هذه البيئة. وما يجعل هذه التجربة ذات دلالة علمية حقيقية، لا مجرد حدث استعراضي، هو أن الباحثين انطلقوا فعلياً من فراغ معرفي كامل. تقول Gerardi موضحة دوافع الدراسة: "لم تكن هناك قاعدة أدلة حول ما إذا كانت المضخات المتوفرة تجارياً ستعمل بشكل طبيعي، أو ما إذا كان بالإمكان احتواء الحليب بأمان، أو ما إذا كانت الجاذبية المتغيّرة ستؤثر على الراحة أو عملية إدرار الحليب، أو حتى ما إذا كانت قد تؤثر على تركيب حليب الأم نفسه."
بهذا المعنى، لم تكن التجربة محاولة فردية بقدر ما كانت دراسة ميدانية أولية (pilot study) على عيّنة محدودة الباحثة نفسها تتناول فسيولوجيا ما بعد الولادة والرضاعة واستخراج الحليب في الجاذبية الصغرى. وأوضحت Gerardi أن نتائج هذه الأبحاث ستُقدَّم للنشر العلمي، وهو ما يعني أن الحكم النهائي على صلاحية هذه البيانات لا يزال رهناً بمراجعة الأقران، لا بإعلان صحفي. وفي حديثها لموقع Space.com، وصفت التجربة بأنها كانت "فرصة علمية مثيرة للاهتمام"، مضيفة: "علمياً، كانت مادة لدراسات مثيرة سنقدمها للنشر، وشخصياً، كانت واحدة من تلك اللحظات التي جعلتني أدرك أن أجساد النساء مذهلة، وما زال أمامنا الكثير لنتعلمه عنها في سياق الجاذبية المتغيّرة والسفر إلى الفضاء." ولم تخفِ البعد الإنساني للتجربة حين أشارت إلى أنها "أحضرت 'حليب الجاذبية الصغرى' إلى طفلتها، ما جعل الأمر أكثر خصوصية."
من الحيض إلى الحمل: خريطة أسئلة لم تُطرح بعد
تُدرَج تجربة Gerardi ضمن سياق أوسع من الفجوات البحثية في الطب الفضائي النسائي. فرائدات الفضاء يُدِرن بالفعل دوراتهن الشهرية أثناء المهام الحالية، لكن لا توجد حتى الآن دراسة مخصصة واحدة تبحث في فسيولوجيا الحيض ضمن بيئة الفضاء وهو ما يعتزم فريق بحثي جديد تداركه عبر أول دراسة من نوعها في هذا المجال. أما الأسئلة الأكبر، فتتعلق بما يحدث حين تطول مدة البقاء في الفضاء: الصحة الإنجابية، الحمل، فسيولوجيا ما بعد الولادة، رعاية الأطفال، والحياة الأسرية — قضايا قد تصبح، وفق Gerardi، "ليست هامشية بعد الآن" إن جدّ الحديث عن استقرار بشري طويل الأمد خارج الأرض. وتقول بوضوح: "إذا كنا نتحدث عن أشخاص يعيشون ويعملون في الفضاء لفترات أطول، فإن الصحة الإنجابية والحمل وفسيولوجيا ما بعد الولادة ورعاية الأطفال والحياة الأسرية لم تعد قضايا هامشية بعد الآن."
وتاريخياً، لم تحظَ هذه الأسئلة باهتمام يوازي حجمها: فقد مرّت أكثر من أربعة عقود منذ أن أصبحت Anna Lee Fisher، عام 1984، أول أمّ تطير إلى الفضاء، دون أن يتبلور في هذه الفترة برنامج بحثي منهجي حول الأمومة والصحة الإنجابية في بيئة الفضاء. وترى Gerardi أن هذا الفراغ لا يمكن أن يستمر مع التفكير الجدّي في مهام إلى القمر، أو مهام أطول أمداً نحو المريخ: "أعتقد أن الأمومة يجب أن تصبح في النهاية جزءاً أكبر من النقاش، إذا كنا جادّين حين نتحدث عن وجود بشري مستدام خارج الأرض." وتضيف في موضع آخر: "إذا كنا جادّين في بناء مستقبل يستطيع فيه مزيد من الناس العيش والعمل في الفضاء، فسنحتاج إلى بيانات تعكس نطاقاً أوسع بكثير من الأجساد والتجارب البشرية."
الأمومة كتمرين على التكيّف
إلى جانب بعدها العلمي، تحمل مسيرة Gerardi طابعاً شخصياً صريحاً نادراً ما يُعرض في سياق الطب الفضائي. فهي أمّ لطفلتين، وقد تحدثت علناً عن تجارب الفقد والعقم وعلاجات أطفال الأنابيب (IVF)، وهي جزء من حملة "Mom, and More" التي تنظمها شركة Momcozy، وتضم أيضاً البطلة الأولمبية Allyson Felix ومؤسسة منظمة Girls Who Code، Reshma Saujani. وتصف دافعها للحديث عن هذه التجربة بقولها: "كنت أفكر في كيف أن الكثيرات منا يخضن رحلة الخصوبة هذه بأكملها بصمت، بينما يُدِرن مسيرتهن المهنية وعائلاتهن وكل شيء آخر، وأردت فقط أن أجعل ذلك مرئياً أكثر قليلاً، وربما أساهم في نزع الوصمة عن هذا الموضوع."
وتستعير Gerardi من تدريبها العلمي أدوات للتعامل مع خيبات الأمل الشخصية، في مقاربة تعكس ذهنية الباحث أكثر من أي شيء آخر: "العلم يُعلّمك أن النتيجة المخيّبة للآمال هي معلومة، لا هوية. تنظر إلى البيانات، وتغيّر المتغيرات، وتعدّل البروتوكول، وتحاول مجدداً. هذا لا يعني أنني استطعت التفكير بعقلانية للخروج من الحزن، لكنني أشعر أنني استعرت جزءاً من العقلية نفسها حين حان وقت وضع قدم أمام الأخرى مجدداً، ومحاولة النظر بموضوعية أكبر إلى الاحتمالات والخيارات المتاحة." وتصف الحملة التي تشارك فيها بأنها تحتفي بفكرة أن "الأمومة يمكن أن توسّع ما هو ممكن بالنسبة لنا، مع ترك مساحة لكل الشغف والطموحات الأخرى التي تصنع هويتنا."
وحين سُئلت عن أوجه التشابه بين الأمومة وبيئات العمل التشغيلية المعقّدة كالبعثات البحثية، أجابت: "أعتقد أن هناك على الأرجح أوجه تشابه أكثر مما يدركه الناس بين الأمومة والبيئات التشغيلية. بصراحة، القدرة على التكيّف على رأس قائمتي. الأمومة تمرين مستمر على وضع الخطط ومواجهة الواقع ثم إعادة ترتيب الأولويات بسرعة دون أن تفقدي صوابك." وتضيف: "الأمومة جعلتني أفضل بكثير في إعادة تقييم الأولويات باستمرار... حرّكت جبالاً من أجل التزامات عمل أدركت لاحقاً أنها لم تكن بتلك الهشاشة. الأمومة تمنحني الكثير من التمرين على إجراء هذه التقييمات في الوقت الفعلي. وهذا ينتقل بشكل جيد إلى عمليات البحث العلمي. تستعدّين قدر استطاعتك، وترتبين الأولويات وتتكيّفين في الزمن الحقيقي، وتعتادين على العمل دون سيطرة كاملة على كل المتغيرات."
أسئلة لم تُطرح بعد على الفتيات الصغيرات
تنتقد Gerardi بشكل غير مباشر ازدواجية المعايير الاجتماعية التي تحيط بطموحات الأمهات: "كمجتمع، أشعر أننا نقول للفتيات الصغيرات إنهن يستطعن أن يصبحن أي شيء حين يكبرن. نعطيهن دمى رائدات فضاء ودمى أمريكان غيرل ونقول لهن احلمن بعيداً، لكن حين تكبر هؤلاء الفتيات أنفسهن ويصبحن أمهات، غالباً ما يظهر فجأة توقّع مختلف بشأن المساحة التي ينبغي أن تشغلها طموحاتهن الخاصة." وتختم بموقف شخصي واضح: "لا أشعر بالذنب لسعيي وراء أحلامي. أصبح طفلتاي جعلتا أحلامي أكثر جرأة وشعوري بالهدف أعمق. أشعر بالامتنان لأنني أستطيع أن أكون قدوة لابنتيّ لاستكشاف أبعد حدود إمكاناتهما في هذه الحياة الوحيدة والثمينة التي يحظيان بها."
من منظور الصحة العامة، تبقى قيمة تجربة Gerardi في كونها تُسمّي فجوة بحثية بدل أن تتجاهلها: فالأدلة العلمية حول الصحة الإنجابية والأمومة في الفضاء لا تزال في طور التكوّن، والانتقال من ملاحظات فردية إلى توصيات موثوقة يتطلب دراسات أوسع نطاقاً وعيّنات أكثر تنوعاً. وكما تلخّص Gerardi نفسها: "تجربتي الشخصية في الأمومة جعلتني أكثر اهتماماً بأسئلة صحة المرأة والصحة الإنجابية تحديداً. لا يزال هناك الكثير مما لا نعرفه، وأمامنا بحث مهم كثير، وأجد ذلك مثيراً حقاً." السؤال المفتوح أمام وكالات الفضاء والمؤسسات البحثية هو: متى تتحول هذه الملاحظات الفردية إلى برنامج بحثي منهجي يواكب طموح البشرية في الاستقرار خارج الأرض؟
أخبار ذات صلة

اكتشاف كهوف القمر السرية: مشروع NASA الجديد

درب التبانة مجرّة واحدة الآن... لكنها كانت آلاف المجرّات

تلسكوب جيمس ويب يرصد أبعد "انفجار راديوي سريع" في الكون، يتجاوز الرقم القياسي السابق
