تزايد حطام الفضاء يهدد سلامة الرحلات الفضائية البشرية
ثقب في مركبة عودة رواد الفضاء الصينيين بسبب حطام فضائي يكشف أزمة تتصاعد في مدار الأرض المنخفض مع تزايد تفكك الأقمار الصناعية القديمة وزيادة الحطام المداري. هل نحن على مشارف تصادم فضائي خطير؟ تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.

تخيّل أن تكون على متن محطة فضائية، وتكتشف فجأة أنّ المركبة المخصّصة لإعادتك إلى الأرض أصيبت بثقبٍ من حطامٍ فضائي، ولم يعد مضمونًا أن تحملك سالمًا في رحلة العودة. هذا بالضبط ما عاشه ثلاثة من روّاد الفضاء الصينيين (التايكونوت) على متن محطة Tiangong في فبراير 2026، حين أصاب حطامٌ فضائي مركبة العودة المخصّصة لهم، فأُعلنت غير آمنة للرحلة، وبقي الثلاثة بلا "قارب نجاة" لمدة 10 أيام كاملة. تلك الحادثة، وإن بدت عابرة في نشرات الأخبار، تختصر أزمةً متصاعدة في مدار الأرض المنخفض، أعاد تفكّك قمرٍ سوفييتي قديم للأرصاد الجوية تسليط الضوء عليها هذا الأسبوع.
ماذا حدث لقمر Meteor 2-7؟
رصدت شركة LeoLabs المتخصّصة في الوعي الفضائي (Space Domain Awareness) حدثًا وصفته بـ"حدث توليد حطام" (debris generating event) في الموقع المداري المعروف للقمر الصناعي السوفييتي Meteor 2-7، وذلك عبر محطتها في غرب أستراليا. وقدّرت الشركة أنّ الانفجار خلّف "عشرات الشظايا" حول القمر. ووفق تقدير الخبير في شؤون الحطام المداري جيم شيل (Jim Shell)، وقع الحدث على ارتفاعٍ يبلغ نحو 530 ميلاً (855 كيلومترًا)، وهو ارتفاعٌ يصفه شيل بأنّ "كثافة الحطام المكانية فيه تبلغ ذروتها".
القمر Meteor 2-7 ليس غريبًا عن هذا النوع من الحوادث؛ فقد أُطلق عام 1981، وسبق أن تفكّك جزئيًا في مارس 2004. تفكّكه الأخير الذي لم يُحدَّد له تاريخٌ دقيق في بيانات LeoLabs ليس حدثًا معزولاً، بل يأتي في سياقٍ وصفته الشركة بعبارةٍ لافتة: "هذا هو الأحدث في سلسلة أحداث شهدناها خلال الأشهر الستة الماضية"، مضيفةً أنّ هذه الأحداث مجتمعةً "تشير إلى اتجاهٍ مقلق لسلامة الفضاء وأمنه، وتؤكّد الحاجة الملحّة إلى رصدٍ مستمر".
سلسلة تفكّكات لم تتوقف منذ أشهر
ما يجعل حادثة Meteor 2-7 جديرة بالمتابعة ليس خصوصيتها، بل انضمامها إلى قائمة متنامية من حوادث مشابهة خلال الأشهر الأخيرة. ففي سبتمبر 2026، تفكّك القمر الأمريكي USA 32، وهو قمرٌ تجسّسي يعود إلى حقبة الحرب الباردة. وفي أواخر أغسطس 2026، تفكّك جسم صاروخي صيني في مدار الأرض المنخفض. وقبل حادثة Meteor 2-7 بما يزيد قليلاً على أربعة أشهر، تفكّك أحد أقمار Starlink التابعة لشركة SpaceX. أمّا في يناير 2026، فقد تفكّك قمرٌ روسي من طراز "المفتّش" (inspector) في المدار الثابت بالنسبة للأرض (geostationary).
هذا التراكم من الحوادث المتباعدة جغرافيًا ووظيفيًا من أقمار تجسّس إلى أجسامٍ صاروخية وأقمار مدنية وعسكرية هو ما دفع LeoLabs إلى الحديث عن "اتجاهٍ مقلق"، لا عن حوادث منفصلة.
أرقام تتضاعف: من 16 ألف قطعة إلى أكثر من 44 ألفًا
البيانات الرسمية تدعم هذا القلق. ووفق وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، كانت الوكالة تتابع عام 2005 نحو 16,000 قطعة حطام مداري. أمّا في 2026، فقد تجاوز العدد 44,000 قطعة، أي بزيادةٍ تُقدَّر بنحو 180% خلال نحو عقدين من الزمن.
معظم هذه الشظايا صغيرة الحجم، لكنّ سرعاتها المدارية الهائلة تمنحها طاقةً كافية لإلحاق أضرارٍ جسيمة بأي مركبة فضائية تصطدم بها وهذا ما يفسّر خطورة حادثةٍ مثل تلك التي تعرّضت لها مركبة العودة الخاصة بروّاد Tiangong، رغم أنّ الحطام الذي أصابها قد لا يكون بحجمٍ يُذكر.
لماذا تتضاعف المخاطر مع ازدياد عدد الأقمار؟
السبب البنيوي وراء هذا التصاعد ليس سرًّا؛ فكلّما زاد عدد الأقمار في المدار، ازدادت احتمالات التصادم والتفكّك، وازداد معه عدد المركبات المعرّضة لخطر الحطام الناتج. ولمواجهة هذا الخطر، تضطر الأقمار الصناعية إلى إجراء مناورات تفادٍ متكررة، خصوصًا في مدار الأرض المنخفض الذي بات مزدحمًا بشكلٍ متزايد.
ووفق تقارير SpaceX الخاصة بأقمار Starlink، نفّذ كلّ قمرٍ من أقمار الشبكة أكثر من 40 مناورة تفادٍ سنويًا خلال الفترة الممتدة من 1 يونيو 2025 إلى 31 مايو 2026، سواء لتفادي حطامٍ أو أقمارٍ أخرى. وهذا الرقم وحده يكشف حجم الازدحام المداري الذي باتت تعمل فيه حتى الأقمار الحديثة والمُراقَبة جيدًا.
لكنّ هذه المناورات، مهما تكرّرت، ليست ضمانة مطلقة. يقول هيو لويس (Hugh Lewis)، الخبير في استدامة الفضاء وأستاذ الملاحة الفضائية: "أعتقد أننا نتّجه نحو وضعٍ سيشهد تصادمًا يشمل قمرًا تشغيليًا ضمن إحدى المنظومات الفضائية الكبرى". ويضيف لويس بوضوحٍ لافت: "ولن يكون ذلك بسبب التقصير في محاولة تفادي تلك الأجسام، بل رغم كل تلك المناورات".
خطط التوسّع تستمر رغم التحذيرات
المفارقة أنّ هذه التحذيرات لا تبدو كافية لإبطاء وتيرة الإطلاق. فالحكومات والشركات الخاصة تواصل التخطيط لإطلاق عشرات الآلاف من الأقمار الصناعية سنويًا ضمن ما يُعرف بالمنظومات الضخمة (megaconstellations). وقد كرّرت SpaceX على لسان مسؤوليها في مناسباتٍ متعددة رغبتها في وضع مليون قمر صناعي لمراكز بيانات في المدار، وهو رقمٌ يفوق بأضعافٍ كبيرة إجمالي ما هو موجود حاليًا في الفضاء.
هذا التوسّع المخطَّط له يضع صانعي السياسات أمام معادلةٍ صعبة: فمن جهة، تتزايد الحاجة إلى خدمات الاتصالات الفضائية ومراكز البيانات المدارية؛ ومن جهةٍ أخرى، تتكشّف يومًا بعد يوم هشاشة النظام المداري الحالي أمام تراكم الحطام. حادثة Meteor 2-7 ليست سوى حلقةٍ جديدة في سلسلةٍ طويلة، لكنّها تذكّر بعد عشرة أيامٍ قضاها ثلاثة روّاد فضاء صينيين دون وسيلة آمنة للعودة إلى الأرض بأنّ الثمن الحقيقي لهذا الازدحام المداري قد لا يكون إحصائيًا بحتًا، بل بشريًا مباشرًا في المرّة القادمة.
أخبار ذات صلة

ألوان غريبة على القمر: تقرير NASA يكشف مشاهد غير متوقّعة من مهمة Artemis II

اصطدام نجمين ميتين: تفسير جديد لومضة أشعة سينية غريبة من مجرة بعيدة

رائدة فضاء خاصة تكشف حقائق الأمومة قبل رحلتها الثانية إلى الفضاء
