الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي تحديات مراقبة الأرض
تتغير قواعد مراقبة الأرض مع تطور الأقمار الصناعية التي تجمع بين السيادة والكفاءة والذكاء الاصطناعي لكن تبقى تحديات الخصوصية والأمن القومي قائمة تعرف على نموذج Space42 ودور الذكاء الاصطناعي في إدارة البيانات عبر وورلد برس عربي

على بُعد مئات الكيلومترات فوق رؤوسنا، تدور أقمار اصطناعية لا تنام، تلتقط صور الأرض بدقّةٍ متزايدة وبتكلفةٍ آخذةٍ في الانخفاض. هذا التحوّل التقني الهادئ يطرح سؤالاً جوهرياً لم يعد مقتصراً على علماء الفضاء: من يملك الحقّ في مراقبة الأرض؟ ومن يُقرّر كيف تُستخدم هذه البيانات؟
في عام 2026، نشرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تقريراً يرصد هذا التحوّل بعينٍ ناقدة. يُشير التقرير إلى أنّ التطوّرات في علم البصريات والفوتونيات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي أسهمت في إضفاء الطابع الديمقراطي على جودة البيانات الفضائية وإمكانية الوصول إليها. غير أنّ مؤلّفَي التقرير، Marit Undseth وClaire Jolly، لا يكتفيان بالإشادة؛ إذ يُضيفان بوضوح: «هذا التقارب التكنولوجي ينطوي أيضاً على مخاطر، تشمل الأمن القومي والخصوصية.»
حين تتحوّل الأقمار الاصطناعية إلى سيفٍ ذي حدّين
الأرض تضمّ 8.3 مليار إنسان، وكلّهم شاؤوا أم أبوا يقعون ضمن مجال رؤية هذه الأقمار. ما يجعل بيانات الاستشعار عن بُعد مثيرةً للقلق هو طبيعتها المزدوجة الاستخدام بامتياز: الصورة الواحدة التي تكشف شبكات الصيد غير المشروع في المحيطات قادرةٌ في الوقت ذاته على رصد تحرّكات القوات العسكرية. يُعبّر عن ذلك تقرير OECD بصراحة: «الأقمار الاصطناعية ذاتها المستخدمة لتتبّع الصيد غير المشروع يمكنها في الغالب الكشف عن تحرّكات القوات العسكرية.»
هذه الازدواجية ليست مجرّد تفصيل تقني؛ إنّها تُعيد رسم خريطة المخاوف المتعلّقة بالحوكمة والخصوصية. فحين تصبح صور الأقمار الاصطناعية في متناول شركات تجارية وليس حكراً على الوكالات الحكومية، تتوسّع دائرة من يستطيع المراقبة، وتضيق معها مساحة الخصوصية الجغرافية. والأخطر من ذلك أنّ الصور المزيّفة أو المُسيء استخدامها باتت تهدّد الثقة في هذه البيانات برمّتها، وتفتح الباب أمام مخاطر تضليل معلوماتي من نوعٍ جديد.
السيادة والكفاءة: هل يمكن الجمع بينهما؟
في منطقتنا العربية، يبرز نموذجٌ يستحقّ التأمّل. شركة Space42 الإماراتية تشغّل كوكبة Foresight للأقمار الاصطناعية التي تعمل بتقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية (SAR)، وهي الكوكبة ذات الاستخدام المزدوج الأولى من نوعها ذات السيادة في منطقة الشرق الأوسط. تُصنَّع الأقمار بالتعاون مع الشركة الفنلندية ICEYE، فيما تجري عمليات التكامل والاختبار في أبوظبي.
يُلخّص Viktor Stoyanov، الرئيس التنفيذي للحلول الذكية في Space42، التحدّي الجوهري الذي واجهته الحكومات تاريخياً: «تتوقّع الحكومات بصورة متزايدة أن تُحقّق أنظمة الاستشعار عن بُعد هدفَي السيادة والكفاءة في آنٍ واحد، وهما هدفان طالما اعتُبرا متعارضَين، إذ كانت السيادة تعني تقليدياً استثماراً محلياً ضخماً في بحثٍ وتطوير متكرّر وبنية تحتية رأسمالية مرتفعة التكلفة.» ويرى أنّ المخرج يكمن في التعاون الدولي: «نعتقد أنّ ذلك لا يتحقّق إلّا من خلال التعاون الدولي. وكوكبة Foresight تعكس هذا النموذج بوصفها أوّل كوكبة رادار ذات فتحة اصطناعية ذات سيادة وذات استخدام مزدوج في المنطقة.»
أمّا المنشأة في أبوظبي، فقد صُمِّمت بعقليةٍ مختلفة عن نمط الإنفاق الحكومي التقليدي. يقول Stoyanov: «بُنيت منشأة أبوظبي بأسلوبٍ اقتصادي وقابل للتوسّع، بحيث تلبّي متطلّبات السيادة الحالية المتناسبة مع حجم الكوكبة، مع القدرة على توسيع المنشأة ومواكبة متطلّبات البرامج المستقبلية.»
الذكاء الاصطناعي: من يفرز بيانات الفضاء؟
التحوّل الأبرز في هذا القطاع لا يتعلّق فقط بعدد الأقمار الاصطناعية أو دقّتها، بل بالطريقة التي تُعالَج بها البيانات الهائلة المتدفّقة منها. يُشير Stoyanov إلى أنّ «أكبر تحوّل في السنوات الأخيرة كان الانتقال من عددٍ قليل من المنصّات الكبيرة متعدّدة الأغراض إلى كوكبات من الأقمار الصغيرة المتخصّصة وتقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية.» وهذه الأقمار، بخلاف الأقمار البصرية التقليدية، تلتقط صوراً خلال الغيوم والغبار والظلام على حدٍّ سواء وهو ما يصفه Stoyanov بأنّه «يهمّ كثيراً في منطقتنا ولأيّ عميل يحتاج إلى اتّساقٍ بصرف النظر عن التوقيت والطقس.»
لكنّ الكمّيات الهائلة من البيانات التي تولّدها هذه الكوكبات تستحيل إدارتها بشرياً وحده. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي لا بوصفه ترفاً تقنياً، بل ضرورةً تشغيلية. تعمل الخوارزميات على مقارنة كلّ مسحٍ جديد بخطّ الأساس التاريخي، فتكتشف التغيّرات التي يفوت المحلّلين البشريين رصدها. يصف Stoyanov ذلك بإيجاز: «الخوارزميات التي تقارن كلّ مسحٍ جديد بخطّ الأساس التاريخي تكتشفها باستمرار، دون إجهاد.»
شركة Metaspectral، ومقرّها فانكوفر، تبني أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل صور الطيف الفائق (Hyperspectral). يُوضّح مؤسّسها ورئيسها التنفيذي Francis Doumet أنّ الأقمار الاصطناعية باتت قادرةً على «تحليل الصور في الوقت الفعلي، والتعرّف على البصمات الطيفية ذات الصلة، وإرسال التنبيهات أو منتجات الاستخبارات المضغوطة، بدلاً من انتظار تنزيل مكعّب بيانات طيفية كامل.» وهذا يعني نقلة نوعية: من بيانات تُجمَع ثمّ تُحلَّل لاحقاً، إلى استخبارات تُنتَج على متن القمر الاصطناعي ذاته وتصل في دقائق.
من يُدرّب الجيل القادم على قراءة الفضاء بعيونٍ ناقدة؟
التوسّع في بيانات الاستشعار عن بُعد لا يعني فقط توفّر أدواتٍ أكثر، بل يعني أيضاً حاجةً ماسّة إلى كفاءاتٍ بشرية قادرة على التعامل معها بمسؤولية. Angie Crews، الباحثة الرئيسية في جامعة Colorado Boulder، ترى أنّ «الجيل القادم يحتاج إلى فهم كيفية عمل تقنيات الاستشعار المختلفة، وكيفية التعامل مع مجموعات البيانات الضخمة جداً واستخلاص معلومات ذات معنى باستخدام الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي.»
لكنّها تُضيف تحفّظاً جوهرياً لا ينبغي إغفاله: «نحتاج أيضاً إلى تدريب الطلاب على التفكير النقدي وضمان إدراكهم لحدود الذكاء الاصطناعي. يجب فهم الفيزياء الأساسية والتحقّق من النتائج حتى يستخدم الطلاب النتائج ويفسّروها بصورةٍ مناسبة.»
وهذا التحفّظ يتجاوز قاعات الدراسة. في عالمٍ تتكاثر فيه صور الأقمار الاصطناعية المزيّفة أو المنتزعة من سياقها، وتُستخدم في تأجيج نزاعات أو تضليل الرأي العام، يصبح التفكير النقدي في البيانات الفضائية مهارةً مدنية لا مجرّد اختصاصٍ أكاديمي. تُلخّص Crews المشهد بتوازن: «أعتقد أنّنا نشهد فوائد هائلة من أنظمة الاستشعار التجارية عن بُعد المتطوّرة بصورة متزايدة. لكنّها تطرح بالفعل بعض أسئلة الأمن والحوكمة.»
السؤال الحقيقي ليس إن كانت هذه التكنولوجيا ستتوسّع فهي تتوسّع بالفعل وبسرعة. السؤال هو: هل تملك المجتمعات، وخاصّةً في منطقتنا، الأطر القانونية والمؤسّسية والتعليمية اللازمة للتعامل مع عالمٍ لا يوجد فيه مكانٌ بعيدٌ عن عين الفضاء؟
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
