وورلد برس عربي logo

كوكب جديد يولد من رماد نجم ميت في الفضاء

اكتشف علماء كوكباً من الجيل الثاني يدور حول قزم أبيض، مولود من بقايا نجمه المحتضر. هذا الاكتشاف يغير فهمنا لمصير الكواكب ويطرح مستقبل نظامنا الشمسي بطريقة جديدة ومثيرة في عالم الفلك على وورلد برس عربي.

نجم قزم أبيض ساخن يدور حوله كوكب من الجيل الثاني نشأ من بقايا النجم المحتضر، مع خلفية فضائية مرصعة بالنجوم.
رصد علماء الفلك كوكبًا خارج المجموعة الشمسية من "الجيل الثاني" يدور حول "نجم زومبي" يبعد حوالي 270 سنة ضوئية عن الأرض، حيث تشكل هذا العالم الغريب من رماد نجم عملاق أحمر مات وانهار ليصبح قزماً أبيض. (حقوق الصورة: ناسا، وكالة الفضاء الأوروبية، ل. هوستاك (STScI))
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

هل يمكن لشمسنا أن تُنجب كوكباً جديداً بعد أن تنطفئ؟ هذا السؤال، الذي كان حتى وقتٍ قريب مجرّد تخمينٍ نظري في الفيزياء الفلكية، أصبح اليوم أقرب إلى النقاش العلمي الجاد بعد أن رصد فريقٌ بحثي أول مرشّحٍ لكوكبٍ "من الجيل الثاني" يدور حول نجمٍ قزمٍ أبيض، أي نجمٍ ميت. الاكتشاف، المنشور في مجلة Nature Astronomy، لا يغيّر فقط فهمنا لمصير الكواكب حين تموت نجومها، بل يفتح الباب أمام تصوّرٍ جديد لمستقبل نظامنا الشمسي نفسه بعد مليارات السنين.

ما الذي رصده الفريق حول HS 0209+0832؟

النجم القزم الأبيض HS 0209+0832 يقع على بُعد نحو 270 سنة ضوئية من الأرض، وقد التقطه تلسكوب هابل الفضائي للمرة الأولى في أواخر تسعينيات القرن الماضي. يُصنَّف هذا الجرم بين الأقزام البيضاء "الشابّة نسبياً"، إذ لم يمضِ على تحوّله إلى قزمٍ أبيض سوى بضعة ملايين من السنين، وهو ما يزال يحترق عند درجة حرارة تناهز 63,000 فهرنهايت (35,000 درجة مئوية).

الأرصاد الأولى بالطيف المرئي كانت قد كشفت عن وجود عناصر الألومنيوم والتيتانيوم والنيكل في غلاف النجم. لكن الدراسة الجديدة، التي استخدمت أدوات هابل المُحدَّثة إلى جانب بيانات من مراصد أخرى، أظهرت طيفاً مختلفاً تماماً: تركيزاتٍ عالية من الزنك والنحاس والنيوبيوم. هذا الأخير النيوبيوم لم يُرصَد من قبل إطلاقاً في أي قزمٍ أبيض، وهي التفصيلة التي دفعت الباحثين إلى البحث عن تفسيرٍ يتجاوز المعتاد.

كيف تشكّل هذا الكوكب من بقايا نجمه؟

يفسّر نيكولاس ستون، الفلكي في جامعة ويسكونسن-ماديسون، أن نمط العناصر هذا ليس عشوائياً: "هذا النمط من العناصر علامةٌ واضحة على ما يُعرف بـ'العملية-s'، وهي تفاعلٌ نووي يبني العناصر الثقيلة داخل النجوم المحتضرة أثناء مرحلة العملاق الأحمر المنتفخة". ويضيف أن هذه البصمة الكيميائية "لا ينبغي أن يحملها أي كوكبٍ عادي من 'الجيل الأول'، وهو ما أخبرنا بأن هذا الكوكب الجديد كان شيئاً مختلفاً".

مراحل تشكل كوكب من الجيل الثاني حول نجم قزم أبيض بعد تحوله من نجم شبيه بالشمس ومرحلة العملاق الأحمر.
Loading image...
كان النجم HS 0209+0832 في السابق نجماً في التسلسل الرئيسي مثل الشمس (أعلى اليسار)، ثم تمدد ليصبح عملاقاً أحمر بعد نفاد وقوده (أعلى اليمين). وفي النهاية، انهار ليصبح قزماً أبيض (أسفل اليسار)، قبل أن يظهر كوكب خارج المجموعة الشمسية من رماد العملاق الأحمر (أسفل اليمين).

الفرضية التي يطرحها الفريق هي أن هذه العناصر تكوّنت أثناء احتضار النجم حين كان عملاقاً أحمر، ثم تجمّعت لتشكّل كوكباً من الجيل الثاني. ويُرجّح الباحثون أن الرياح النجمية الصادرة عن القزم الأبيض تنزع غلاف الكوكب الجوي تدريجياً، فترسل هذه العناصر النادرة نحو سطح النجم وهذا بالضبط ما يفسّر ظهورها في طيفه.

دعمت أرصادٌ لاحقة هذه الفرضية: رُصدت انخفاضاتٌ متكرّرة في سطوع HS 0209+0832 تشير إلى عبور الكوكب المرشّح أمام قرص النجم بشكلٍ دوري، بمدارٍ لا يتجاوز 4.4 يوماً أرضياً. بيانات مدّة العبور والمدار ترجّح أن حجم الكوكب يقارب حجم المشتري، وقربه الشديد من النجم يدعم بدوره فرضية تجريد الغلاف الجوي. ولافتٌ أيضاً أن طيف النجم يُظهر عناصر ثقيلة لكن بكمياتٍ قليلة نسبياً من السيليكون والحديد، وهما عنصران شائعان في الكواكب من الجيل الأول وهو ما يعزّز فرضية الأصل الثانوي لهذا الكوكب.

يصف بوريس غانسيكه، عالِم الفيزياء الفلكية في جامعة ووريك، الأمر بدقة: "اللافت في الكوكب حول HS 0209+0832 أنه ليس كوكباً قادماً من مكانٍ آخر، ولا ناجياً من ميلاد النظام، بل يبدو أنه بُنِي من المادة ذاتها التي طرحها نجمه وهو يحتضر". ويضيف: "بمعنىً ما، هذا النظام أنجب عالماً جديداً مستخدماً أسس العالم القديم".

رسم بياني لطيف نجم قزم أبيض HS 0209+0832 يظهر اكتشاف عناصر نادرة مثل النيوبيوم والنيكل والكالسيوم، دليل على كوكب من الجيل الثاني.
Loading image...
تشير العناصر في الطيف المرئي للنجم HS 0209+0832 بقوة إلى أنه يمتص مادة من كوكب خارجي من الجيل الثاني، وقد أكدت بيانات العبور هذه النظرية لاحقًا.

ليس أول "كوكب عنقاء" يُرصَد، لكنه الأول حول قزمٍ أبيض

ظاهرة "كواكب العنقاء"، أي الكواكب التي تُولد من بقايا نجومٍ ميتة، ليست جديدة تماماً على علم الفلك؛ فقد سبق رصد كواكبٍ من هذا النوع إلى جانب بقايا نجمية مثل النجوم النابضة (pulsars)، التي تتشكّل حين تنفجر النجوم كمستعرات عظمى. لكن لم يسبق لأي كوكبٍ من هذا النوع أن رُصد حول قزمٍ أبيض من قبل.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض مؤلّفي الدراسة الحالية كانوا قد أبلغوا عام 2019 عن رصد كوكبٍ حول قزمٍ أبيض آخر هو WDJ0914+1914، إلا أن ذلك الكوكب اعتُبر من الجيل الأول، أي ناجياً من مرحلة موت نجمه وليس نتاجاً لها. هذا التمييز هو ما يمنح اكتشاف HS 0209+0832 قيمته الخاصة: فهو بحسب الأدلة المتوفّرة أول كوكبٍ من جيلٍ ثانٍ يُرصد فعلياً حول قزمٍ أبيض.

تقول جيمي ويليامز، طالبة الدكتوراه في علم الفلك والفيزياء الفلكية في جامعة ووريك بالمملكة المتحدة: "كواكب الجيل الثاني هي عوالم تتشكّل من المادة التي يطرحها النجم وهو يحتضر". وتضيف واصفةً ندرة الظاهرة: "إنها نادرة جداً، والعثور على واحدة حول قزمٍ أبيض كان أمراً غير متوقّع على الإطلاق. الأمر أشبه بالعثور على كوكبٍ نهض من رماد النجم نفسه الذي كان يدور حوله".

هل تحصل الشمس على كوكب جديد بعد "موتها"؟

هنا يكمن السؤال الذي يهمّ القارئ غير المتخصّص بالدرجة الأولى. فحسب التوقّعات الفلكية، من المرجّح أن تدمَّر الأرض حين تتحوّل الشمس إلى عملاقٍ أحمر بعد نحو 5 مليارات سنة من الآن، وأي كواكب كانت قد تشكّلت حول HS 0209+0832 أثناء كونه عملاقاً أحمر على الأرجح هلكت حين توسّع. وبعد مرحلة العملاق الأحمر، يُتوقَّع أن تتحوّل الشمس بدورها إلى قزمٍ أبيض وهو ما يفتح، نظرياً، احتمال أن يستضيف نظامنا الشمسي كوكباً من الجيل الثاني.

كوكب من الجيل الثاني يتشكل من بقايا نجم قزم أبيض HS 0209+0832 وسط سحب غازية، يظهر قرب نجم أبيض ساخن في الفضاء.
Loading image...
من المحتمل أن يكون للكوكب الخارجي HS 0209+0832 غلاف جوي ضئيل جداً أو معدوم نتيجة الرياح النجمية القوية التي جرفته بعيداً.

لكن غانسيكه نفسه يضع الأمر في سياقه الصحيح دون مبالغة: "العثور على هذا المثال الواحد يطرح سؤالاً عن عدد الأمثلة الأخرى الموجودة هناك، وعمّا إذا كان نظامنا الشمسي سيستضيف كوكباً من الجيل الثاني يتشكّل من رماد شمسنا". وهو سؤالٌ مفتوح، يقرّ الباحثون أنفسهم بأن إثبات مساره العلمي الكامل وتقدير احتمالاته يتطلّبان مزيداً من الدراسة.

أحد العوائق الأساسية أمام تكرار هذا السيناريو هو الحاجة إلى وجود نجمٍ مرافق، وهو ما تشرحه ويليامز: "لتكوين قرصٍ من المادة ضروري لولادة كوكب، كان على HS 0209+0832 على الأرجح أن يمتلك نجماً مرافقاً سحب المادة المقذوفة إلى المدار مجدداً، بدلاً من تركها تهرب". ويضيف الباحثون أن تشكيل هذا القرص الكوكبي الأوّلي ليس أمراً سهلاً، وهو ما يفسّر ندرة هذه الكواكب أصلاً؛ إذ تقول ويليامز: "تشكيل القرص الكوكبي الأوّلي في هذه الحالة ليس سهلاً، وهذا يساعد في تفسير سبب ندرة هذه الكواكب إلى هذا الحد".

الدراسة، المعنونة" اكتشاف كوكب مرشح من الجيل الثاني يتراكم على قزم أبيض "،نُشرت في 5 أكتوبر في مجلة Nature Astronomy، وحملت رقم التعريف الرقمي (DOI) 10.1038/s41550-026-02983-7، وضمّت إلى جانب ويليامز وغانسيكه وستون كلاً من كويستر وديفيز وتونغ وويلسون وساهو وسوان وبيتي وراميريز وكانينغهام ولونغ.

ما يبقى مفتوحاً، كما يُقرّ الفريق البحثي صراحةً، هو مدى تكرار هذه الظاهرة في الكون، وما إذا كانت شروط تشكّل كوكبٍ من الجيل الثاني وجود نجمٍ مرافق، وزمنٍ مناسب، وكميةٍ كافية من المادة المقذوفة قابلة للتحقّق حول شمسنا نفسها يوماً ما. الإجابة، إن وُجدت، لن تأتي قبل أن تُرصد أمثلةٌ أخرى تؤكّد أن ما حدث حول HS 0209+0832 ليس حالةً استثنائية، بل نمطاً فلكياً يستحق أن يُدرَج ضمن ما نعرفه عن دورة حياة النجوم والكواكب معاً.

أخبار ذات صلة

Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
Loading...
نموذج نصف الحجم الحقيقي للمركبة الهابطة الإماراتية في غرفة تفريغ هوائي ضمن مهمة استكشاف حزام الكويكبات 269 Justitia.

الإمارات تكشف عن مسبار لمهمة طموحة لاستكشاف 7 كويكبات في 2028

تستعد الإمارات لإطلاق مهمة تاريخية إلى حزام الكويكبات في 2028 لدراسة سبعة كويكبات وهبوط جريء على 269 Justitia، اكتشف المزيد عن رحلة الفضاء المستقبلية الآن.
علوم
Loading...
جانب من كبسولة أوريون الفضائية تقترب من القمر المضاء جزئياً، ضمن مهمة Artemis II لاستكشاف سطح القمر وتوثيق ألوانه وتضاريسه.

ألوان غريبة على القمر: تقرير NASA يكشف مشاهد غير متوقّعة من مهمة Artemis II

اكتشف روّاد Artemis II ألواناً مذهلة على سطح القمر قد تغير مستقبل استكشافه. تعرّف على تفاصيل التقرير العلمي الأولي واكتشف كيف تساهم الملاحظات البشرية في اختيار مواقع الهبوط القادمة. اقرأ المزيد الآن!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية