وورلد برس عربي logo

تواصل قُبيتات الكمومي عبر اهتزازات صوتية مبتكرة

اكتشف كيف تمكن فريق بحثي من جامعة وورك البريطانية من تجاوز عقبة الربط بين قُبيتات كمومية بعيدة عبر استخدام اهتزازات الفونونات داخل طبقة الجرمانيوم على السيليكون مما يفتح آفاقاً جديدة للحوسبة الكمومية العملاقة القابلة للتطبيق.

تصميم تجريبي لمعالج كمومي يستخدم روابط فونونية لنقل المعلومات بين قُبيتات سبين الثغرة في طبقة جرمانيوم على السيليكون.
طور الخبراء إطارًا جديدًا لأنظمة الحوسبة الكمومية (حقوق الصورة: دراجون كلووز/غيتي إيمجز)
التصنيف:تكنولوجيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

هل تقرّب هذه التجربة المخبرية الحاسوب الكمومي خطوةً من واقعٍ قابلٍ للاستخدام، أم أنّها مجرّد عنوانٍ آخر في سباقٍ طويل من الوعود التقنية؟ السؤال مشروع، لأنّ كل بضعة أشهر تظهر "طفرة" في عالم الحوسبة الكمومية، ومعظمها يبقى حبيس المختبرات. لكنّ ما نُشر في 15 يونيو في مجلة APL Quantum يستحقّ وقفةً أطول من المعتاد، لأنّه يعالج عقبةً عمليةً حقيقية لا نظرية بحتة: كيف تجعل قُبيتين (qubits) كموميتين بعيدتين عن بعضهما تتحدّثان؟

المشكلة التي تعطّل التوسّع

أكثر معالجات الحوسبة الكمومية تطوّراً اليوم تواجه عقبةً بسيطة الوصف وصعبة الحلّ: القُبيتات تتواصل جيداً مع جاراتها المباشرة، لكنّها تتعثّر حين تحتاج لتبادل المعلومات مع قُبيتات أبعد في الشريحة نفسها. وهذه ليست مسألة تفصيلية، فالتصحيح الكمومي للأخطاء — وهو الشرط الأساسي لأي حاسوب كمومي موثوق على نطاق واسع — يتطلّب بالضبط هذا النوع من الربط بين قُبيتات غير متجاورة.

الباحثون، بقيادة ماكسيم ميرونوف (Maksym Myronov)، أستاذ مشارك في علوم وأجهزة أشباه الموصلات بجامعة Warwick البريطانية، اختصروا المشكلة بوضوح: "من أهم التحديات في الحوسبة الكمومية هو الربط بعيد المدى بين القُبيتات". الحلول الموجودة سلفاً — مثل تحويل الشحنة (charge shunting) أو الموجات الصوتية السطحية — تعمل، لكنّها تصطدم بحدود في الحجم وزمن التماسك الكمومي (coherence) حين يكبر النظام. الموجات الصوتية السطحية تحديداً تتطلّب اهتزازات صوتية عالية التردد وتصاميم معقّدة وأجهزة إضافية، وهو ما يجعلها غير عملية لمعالجات ضخمة.

الحل: اهتزازات تحمل المعلومة بدل الكهرباء

هنا يأتي ما أسماه الفريق Quantum Phononic Links، أو "الروابط الفونونية الكمومية". الفكرة تعتمد على الفونونات (phonons) — وهي شبه جسيمات تحمل طاقة الاهتزاز داخل المادة، أي أنّها أشبه بموجات صوتية مجهرية تسري في البنية البلورية. بدل الاعتماد على نبضات كهربائية أو موجات صوتية سطحية، صمّم الباحثون موجّهات وتجاويف فونونية هندسية (phononic waveguides and cavities) تحصر هذه الاهتزازات وتوجّهها داخل طبقة شبه موصلة فائقة الرقة تُسمّى "البئر الكمومي" (quantum well).

كما يوضّح ميرونوف: "عملنا يقدّم مفهوماً جديداً تلعب فيه الفونونات دور الناقل الكمومي، فتتيح لقُبيتات بعيدة تبادل المعلومات الكمومية مع بقائها متوافقةً تماماً مع تقنية أشباه الموصلات". بعبارة أبسط: الاهتزاز نفسه يصبح وسيلة نقل البيانات، لا مجرّد أثر جانبي مزعج.

لماذا الجرمانيوم تحديداً؟

لبناء نموذجٍ أوّلي يختبر الفكرة، استخدم الفريق السيليكون مع طبقة رقيقة من بلورة الجرمانيوم المضغوطة إجهادياً فوقه — وهي مادة أطلقوا عليها اختصار cs-GoS (compressively strained germanium on silicon). الاختيار لم يكن عشوائياً: خصائص الجرمانيوم الطبيعية، بحسب الباحثين، تقلّل من "تفكّك التماسك" (decoherence)، أي فقدان المعلومة الكمومية بسبب التشويش الخارجي — وهي أكبر عدوّ لأي حاسوب كمومي يحاول الاحتفاظ بمعلوماته لفترة كافية لإجراء حساب مفيد.

داخل هذه الطبقة، ركّز الفريق على ما يُعرف بـ"الثغرات" أو "الفجوات" (holes) في عصابة التكافؤ (valence band) — وهي ببساطة غياب إلكترون في المادة عند درجة الصفر المطلق، لكنّها تتصرّف وكأنّها جسيم فعلي له "سبين" (spin) أو دوران مغزلي خاص بها. اتجاه هذا السبين يمكن أن يُرمّز كـ 1 أو 0، أي أنّه يصبح وحدة المعلومة نفسها. وهذه الفئة من القُبيتات، المعروفة بـ"قُبيتات سبين الثغرة" (hole spin qubits)، تملك ميزتين مهمتين: قدرة على الاحتفاظ بالمعلومة الكمومية لفترات طويلة نسبياً، وقدرة على التواصل عبر نبضات إلكترونية في أنظمة التحكم. لكنّها، مثل غيرها، كانت تتعثّر حين تحتاج للتواصل مع قُبيتات غير مجاورة — وهذا بالضبط ما تحاول الروابط الفونونية حلّه، عبر حساسية هذه القُبيتات لتشوّه الشبكة البلورية (lattice deformation)، التي تتيح التحكم في حالات السبين وربطها مباشرةً بالطاقة الاهتزازية.

أرقام المسافة: من أقل من ميكرومتر إلى 300 ملم

في الاختبارات، نجحت الروابط الفونونية في ربط قُبيتات متباعدة بأقل من ميكرومتر واحد — أي جزء من ألف من الملليمتر — وهي مسافات تقارب حجم القُبيتات نفسها. لكن الأهمّ أنّها نجحت أيضاً في الربط بين قُبيتات تفصل بينها مسافة تصل إلى 300 ملم (11.8 إنش)، وهي قفزة هائلة مقارنةً بالربط التقليدي بين الجيران المباشرين فقط. حقّق الفريق ذلك عبر استخدام سرعة موجة بطيئة وطول موجة قصير للإثارة الصوتية، وهو تفصيل تقني لكنه حاسم في جعل الإشارة قابلة للتوجيه بدقة عبر مسافات طويلة نسبياً داخل الشريحة.

ماذا يعني هذا عملياً؟

الوعد الأكبر الذي يطرحه الباحثون هو إمكانية بناء معالجات كمومية تتجاوز المليون قُبيت — وهو رقم بعيد جداً عن أفضل ما تحقّقه المعالجات الحالية. كما يقترحون أنّ هذه الروابط قد تتيح ربط قُبيتات السبين في أشباه الموصلات بمنصّات كمومية أخرى، بما في ذلك الحوسبة الكمومية السحابية، وهو ما يفتح الباب أمام أنظمة كمومية هجينة تجمع بين الحوسبة التقليدية ووظائف الحوسبة الكمومية في بنية واحدة.

لكن ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بالحذر المعتاد الذي يستحقّه أي إعلانٍ بحثي مبكر: ما تمّ إنجازه هو نموذج أوّلي في مختبر، وليس معالجاً كمومياً جاهزاً للاستخدام. المسافة بين إثبات المفهوم على عينة صغيرة وبين شريحة فعلية بمليون قُبيت تعمل بتصحيح أخطاء موثوق — مسافة تُقاس بسنوات من التطوير الهندسي، لا بمقالٍ علمي واحد مهما كانت نتائجه واعدة.

الدراسة، بعنوان "Quantum phononic links for on-chip long-range coupling of hole spin qubits in compressively strained germanium on silicon"، نُشرت في مجلة APL Quantum، المجلد 3، العدد 2، برقم المقال 026115، وتحمل معرّف DOI الخاص بها: 10.1063/5.0332643. شارك في إعدادها إلى جانب ميرونوف كلٌّ من Yonjali, Y. K.، و Mnaymneh, K.، و Studenikin, S.، فيما يمكن الاطّلاع على صفحة ميرونوف البحثية في جامعة Warwick وعلى البيان الصحفي للجامعة لمزيد من التفاصيل حول خلفية الفريق.

ما يستحقّ المتابعة في الأشهر المقبلة ليس حجم الشريحة التالية، بل ما إذا كانت هذه الفكرة ستصمد حين تحاول فرق بحثية أخرى، مستقلّة عن جامعة Warwick، إعادة إنتاج النتيجة على مواد وأحجام مختلفة. فهذا هو الاختبار الحقيقي الذي يفصل بين فكرة واعدة وبين أساسٍ فعلي لحواسيب المستقبل الكمومية.

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يتحدث بحماس في مؤتمر صحفي، يعكس جدلاً حول تجاوز وكلاء الذكاء الاصطناعي للضوابط الأمنية في الحكومة الأسترالية.

من المسؤول حين يخرج وكيل ذكاء اصطناعي عن السيطرة؟

في حادثة مثيرة، وكيل ذكاء اصطناعي تخطى حدود البحث الصحي في أستراليا مما أثار جدلاً حول مسؤولية التحكم بالأدوات الذكية. اكتشف المزيد الآن!
تكنولوجيا
Loading...
جلسة نقاش في مهرجان بوسان الدولي للأفلام حول استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأفلام مع ممثلين يتحدثون على المسرح وشاشة تعرض عنوان الجلسة.

الذكاء الاصطناعي يخفّض ميزانيات الأفلام بنسبة 40%: مخرج «The Outlaws» يحذّر من فقدان اللمسة الإنسانية

تغيّر الذكاء الاصطناعي صناعة السينما بتقليل التكاليف وتحسين المؤثرات البصرية، لكن يبقى السؤال هل يمكنه استبدال الجهد البشري؟ اكتشف المزيد الآن.
تكنولوجيا
Loading...
صورة كوكب المريخ تظهر تضاريسه البرتقالية مع بقعة جليدية في القطب الشمالي، تعبير عن أبحاث تحويل المريخ إلى بيئة صالحة للحياة.

العلماء يطورون ميكروباً لمساعدة الإنسان على استيطان المريخ

هل يمكن لكائن مجهري واحد أن يجعل المريخ صالحاً للحياة؟ شركة Pioneer Labs تحقق نقلة نوعية عبر تطوير ميكروب يتحمل تربة المريخ المحاكاة. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الثورية نحو استيطان الكوكب الأحمر وكن جزءاً من المستقبل.
تكنولوجيا
Loading...
سيارة كهربائية ذاتية القيادة مزودة بأجهزة استشعار على السقف تسير في شارع حضري، تعكس تطور تقنيات القيادة الآلية والشحن الذكي.

السيارات ذاتية القيادة والمزودة بالطاقة الشمسية التي تتواصل مع بعضها: هكذا قد تبدو المركبات بعد عقد

هل ستغير السيارات الكهربائية المستقبلية قواعد الطريق بشحن ذاتي من ضوء الشمس وتقنيات اتصال متقدمة؟ اكتشف كيف تؤثر البطاريات الجديدة والبنية التحتية على تجربة القيادة الكهربائية اليوم. تابع التفاصيل لتعرف أكثر!
تكنولوجيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية