وورلد برس عربي logo

حماية آثار القمر تواجه تحديات التصادم والغبار

يواجه التراث البشري على القمر تهديدات متزايدة من ارتطام مركبات فضائية وغبار قمري يؤكل المواقع التاريخية. كيف نحمي آثار أبولو والمواقع المستقبلية في ظل تزايد النشاط الفضائي؟ اكتشف تفاصيل النقاش الدولي في وورلد برس عربي.

صور أقمار صناعية تظهر مواقع ارتطام مركبات فضائية وأثر آثار أقدام وروبوتات على سطح القمر ضمن تراث الفضاء التاريخي.
نماذج من القطع الأثرية والمعالم الأثرية على سطح القمر. (حقوق الصورة: جاستن هولكومب وآخرون)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يحمل القمر في تربته آثار أقدامٍ بشرية لم تمحها الريح ولا المطر، لأنّ لا ريح هناك ولا مطر. لكنّ هذا الثبات الذي بدا أزليّاً لعقود بات اليوم مهدَّداً بفعل حركة فضائية متسارعة: مركبات تتحطّم، ومراحل صواريخ تُلقى عمداً على السطح، وبعثات مقبلة تتزاحم قرب مواقع تاريخية لم يُحسَم بعد كيف تُصان. هذا هو جوهر النقاش الذي أثارته لجنةٌ دولية معنيّة بالتراث الفضائي، في اجتماعٍ عُقد مؤخراً بمدينة بيزا الإيطالية، حول كيفية الحدّ من الأضرار الناجمة عن سقوط المركبات وإنزالها نهاية مهمّتها على سطح القمر.

منذ أن حقّق القمر الصناعي السوفيتي "لونا 9" (Luna 9) أول هبوطٍ ناجح في فبراير عام 1966، تحوّل القمر من هدفٍ علمي بعيد إلى موقعٍ يحمل طبقاتٍ متراكمة من التاريخ البشري؛ إذ ترك اثنا عشر رائداً بصمات أقدامهم هناك بين عامي 1969 و1972 في إطار برنامج "أبولو"، وتلت ذلك عقود من البعثات الآلية. لكنّ هذا الإرث بدأ يتقاطع -بشكلٍ متزايد- مع تحدياتٍ أكثر واقعية وعملية: ماذا يحدث لمخلّفات هذه البعثات بعد انتهائها؟

خمسون ارتطاماً وأكثر.. وفجوة في الفهم العلمي

وفق الباحثة أليس غورمان، أستاذة مشاركة وعالمة آثار ومستشارة تراثية في جامعة فليندرز الأسترالية، رصد العلماء حتى الآن 51 ارتطاماً صلباً لمركباتٍ فضائية على سطح القمر، من بينها 9 أجسام صاروخية و19 مداراً قمرياً (orbiters). آخر هذه الحوادث كان في أغسطس الماضي، حين اصطدمت المرحلة العلوية من صاروخ Falcon 9 التابع لشركة SpaceX بسطح القمر، في مثالٍ على نمطٍ بات يُنظر إليه بشكلٍ متزايد كخيارٍ "طبيعي" للتخلّص من المركبات عند نهاية مهمّتها أي توجيهها نحو ارتطامٍ محسوب بدل تركها حطاماً عشوائياً في المدار.

المشكلة، كما وصفها لوكا فوراسييبي، أحد المتحدثين في اجتماع بيزا، أنّ معرفتنا بما يحدث فعلياً عند هذه الارتطامات لا تزال محدودة للغاية. يقول فوراسييبي: "هذه التأثيرات لم تُرصد إلا جزئياً، وفي عددٍ محدود من الحالات التاريخية. ونتيجةً لذلك، يعتمد فهمنا الحالي إلى حدٍّ كبير على المحاكاة، التي تتضمّن بالضرورة عدداً من التبسيطات مقارنةً بالواقع." بعبارةٍ أخرى: القرارات التي تُتَّخذ اليوم بشأن حماية التراث القمري تستند جزئياً إلى نماذج رياضية مبسَّطة، لا إلى رصدٍ ميداني مباشر وهي فجوةٌ معرفية يجدر بأي قارئٍ متابعٍ للملف أن يضعها في الحسبان قبل الحكم على أي "ضمانات" مطروحة.

مركبة فضائية قديمة تهبط على سطح القمر الرملي مع تضاريس قمرية وعرة في الخلفية، تعكس تاريخ الاستكشاف الفضائي وحماية التراث القمري.
Loading image...
نجحت المركبة الروبوتية السوفيتية لونا 9 في تحقيق أول هبوط ناعم على سطح القمر في فبراير 1966. (حقوق الصورة: روسكوسموس/سجل فور أول مونكايند)

الغبار القمري.. عدوٌّ صامت لآثار الإنسان الأولى

غياب الغلاف الجوي عن القمر ليس تفصيلاً تقنياً فحسب، بل أحد أخطر مصادر التهديد للمواقع التراثية هناك. تشرح غورمان: "لأنّ القمر عالمٌ بلا هواء، فإنّ أي حركةٍ على سطحه ستُثير غباراً لزجاً وكاشطاً يُؤكل المواد البشرية الصنع." هذا الغبار، الناتج عن أي اضطرابٍ ميكانيكي سواء من ارتطام مركبة أو حتى من حركة مركبات هبوطٍ جديدة قريبة من موقعٍ قديم يحمل خطراً تآكلياً تراكمياً لا رجعة فيه.

تقول غورمان: "هذه مشكلة بالنسبة لمواقع التراث الثقافي"، مستحضرةً مثالاً مباشراً: "تخيّلوا وحدة الهبوط الشهيرة لبعثة أبولو 11، إيغل، وهي تتآكل تدريجياً حتى تتحوّل هي نفسها إلى غبار." والمخاطر لا تقتصر على المواقع الرمزية التاريخية وحدها؛ إذ تضيف: "ستكون مشكلةً أيضاً لمنشآت السكن والتعدين" التي تخطط الولايات المتحدة والصين لإقامتها قرب القطب الجنوبي للقمر في السنوات المقبلة، مع توقّعاتٍ بزيادة كبيرة في حركة النقل القمري خلال الفترة القادمة.

من هذا المنطلق، ترى غورمان أنّ هناك حافزاً اقتصادياً وعلمياً واضحاً لصناعة الفضاء كي تُقلّل من آثار ارتطام الصواريخ والأقمار الصناعية، "بما يحمي المواقع التراثية والبعثات السطحية الجديدة في آنٍ معاً." وتصف المرحلة الحالية بأنها "نقطة تحوّل، حيث لم تعد حفر ارتطام المركبات مجرّد مواقع أثرية جديدة، بل أصبحت خطراً بيئياً قد يُسبّب ضرراً لا رجعة فيه."

من يتحمّل المسؤولية حين يُتلف ارتطامٌ موقعاً تراثياً؟

هنا يدخل الإطار القانوني الدولي على الخط. فمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تُلزم الدول بالمسؤولية عن الأضرار التي تُسبّبها معدّاتها الفضائية لممتلكات دولٍ أخرى. وتطرح غورمان سيناريو واقعياً: "قد نصل إلى وضعٍ تطالب فيه دولةٌ ما بتعويضٍ عن ارتطام جسمٍ صاروخي ألحق ضرراً بتراثها الثقافي. التخطيط لنهاية عمر المركبات سيصبح أمراً بالغ الأهمية."

رائد فضاء يرتدي بدلة فضائية يقف على سطح القمر بالقرب من معدات هبوط بعثة أبولو، مع آثار أقدام واضحة على الغبار القمري.
Loading image...
أول آثار أقدام بشرية على عالم آخر، في موقع هبوط أبولو 11 على سطح القمر. (حقوق الصورة: ناسا)

هذا البعد القانوني يتقاطع مع رؤية بيث أوليري، المتخصّصة في الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم الآثار، والأستاذة الفخرية بجامعة ولاية نيو مكسيكو، التي تختصر الفكرة بجملةٍ واحدة: "القمر جزءٌ من المشهد الثقافي لكوكب الأرض." وترى أوليري أنّ بيئة القمر وتراثه يستحقّان اهتماماً دولياً جاداً، لا مجرّد نقاشاتٍ تقنية مغلقة.

لجنة من ثلاث سنوات.. وموعدٌ مع الأمم المتحدة في 2027

اللجنة العلمية الدولية للتراث الفضائي (ISCAH)، التابعة للمجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS)، هي الجهة التي تقود هذا النقاش منذ تأسيسها قبل ثلاث سنوات. تضمّ اللجنة خبراء في علم الآثار الجيولوجي الكوكبي، وعمليات تشكّل المواقع، وإدارة التراث. تقول أوليري موضّحة مهمّة اللجنة: "نسعى لمعالجة تحدّيات حركة النقل القمري الناتجة عن الارتطامات، والمركبات التي تُنزَل من المدار، والهبوطات المتعمَّدة، ولفهم تلك المخاطر على تراثنا الفضائي. تحاول لجنتنا تقدير النتائج الفعلية للارتطامات."

وتضيف أوليري أنّ توصيات اللجنة "يجب أن تُسهم في قراراتٍ قائمة على توافقٍ عام، وأن تدعم أفضل الممارسات والسياسات الدولية." وتسرد حصيلة السنوات الثلاث الماضية بإيجاز: "في سنواتنا القصيرة الثلاث، عقدنا ثلاثة مؤتمرات، ووضعنا بياناً لرسالتنا، وحصلنا على إدراجٍ ضمن قائمة صندوق النصب التذكارية العالمية (World Monuments Fund)، وسنواصل عملنا كوفدٍ لدى لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية."

لكنّ أوليري لا تُخفي تعقيد المسألة، علمياً وقانونياً في آنٍ واحد، وتُصرّ على أنّ: "من المهم جداً الاعتماد على بحثٍ رصين ومبادئ مُثبَتة في إدارة التراث لاتّخاذ قراراتٍ جيدة بشأن الحفاظ، ولها تبعات بعيدة المدى." هذا التنبيه له وزنٌ خاص في مجالٍ لا تزال فيه الأدلّة الميدانية، كما رأينا، محدودة وقائمة إلى حدٍّ كبير على المحاكاة.

أثر قدم بشري وحطام صغير على سطح القمر مع لوحة تذكارية، يعكس التحديات في حماية التراث الفضائي من الأضرار الناتجة عن ارتطام المركبات.
Loading image...
اللمسة الإنسانية: لوحة تذكارية وُضعت في موقع هبوط أبولو 15 على سطح القمر تكريماً لرواد الفضاء الراحلين من ناسا والاتحاد السوفيتي، مع تمثال صغير لرائد فضاء ساقط. (حقوق الصورة: ناسا)

من جانبه، يوضّح جاستن هولكومب، الباحث المساعد في مسح كانساس الجيولوجي، الدور الذي يمكن أن يلعبه علم الآثار الجيولوجي الكوكبي في تحديد "العمليات الطبيعية والبشرية التي قد تُهدّد التراث القمري، مع تحديد البيئات الأكثر ملاءمةً لحفظه على المدى الطويل" في الوقت ذاته. هذا التوازن بين الرصد والحماية يقع في صميم ما تسمّيه اللجنة "فجوة ما بعد المهمّة" أي مصير التراث القمري بعد نجاح البعثات، وفي العقود التالية، حين تُترك المركبات والمعدّات الروبوتية دون أي إطارٍ واضح لصيانتها أو حمايتها.

ويؤكّد فوراسييبي أنّ "هناك عملاً مستمراً ومتواصلاً تقوم به اللجنة العلمية الدولية للتراث الفضائي التابعة لـICOMOS في هذا الجانب"، مشيراً إلى أنّ الفريق يتعاون بنشاط مع صندوق النصب التذكارية العالمية: "بالتعاون الفعّال مع صندوق النصب التذكارية العالمية، سنعمل على تطوير بحثنا بشأن المخاطر المحتملة المرتبطة بإنزال المركبات من مدارها والهبوطات الارتطامية."

أما المرحلة المقبلة، خلال الأشهر القادمة، فستكون مرحلة إصغاءٍ وحوار مع أصحاب المصلحة المعنيين — وكالات الفضاء، والعلماء، والجهات الخاصة، وخبراء التراث، والمجتمعات التي ترتبط بالقمر بقيمٍ اجتماعية أو دينية. يقول فوراسييبي: "الهدف هو إطلاق حوارٍ وتبادلٍ مفتوح بين كل هذه الأطراف المختلفة، بغاية وضع مبادئ توجيهية قائمة على توافقٍ واسع بصورةٍ جماعية." وتُفترض هذه المبادئ أن تُعرَض على لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية خلال عام 2027، على أن تتطوّر، بحسب فوراسييبي، إلى "معايير سلوكٍ معترفٍ بها دولياً" تتبنّاها الجهات الفاعلة في الفضاء.

يختصر فوراسييبي الغاية النهائية من هذا المسار بقوله: "الهدف النهائي هو بناء مستقبلٍ قمري مستدام، ليس فقط من الناحية التشغيلية، بل أيضاً من حيث البحث العلمي وحماية أقدم آثار الوجود البشري في تاريخ الفضاء." ويضيف محذّراً: "هذان شكلان من أشكال التراث لا يمكن تعويضهما، وسيمثّل الإضرار بهما خسارةً فادحة للأجيال القادمة."

يمكن النظر إلى هذا المسعى بوصفه محاولةً مبكرة لتفادي سيناريو مألوف في تاريخ الإدارة البشرية للموارد: أن تُترك القواعد لِما بعد وقوع الضرر. فبينما لا تزال النماذج العلمية التي تفسّر تأثيرات الارتطام على السطح القمري قائمة على تبسيطاتٍ وليست على رصدٍ مباشر كافٍ، يبدو أنّ النافذة الزمنية لوضع معايير دولية متفقٍ عليها قبل أن تتكاثف حركة النقل القمري مع وصول قواعد دائمة قرب القطب الجنوبي — لا تزال مفتوحة، لكنها، وفق المعطيات المتاحة، لن تبقى كذلك طويلاً.

أخبار ذات صلة

Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
Loading...
نموذج نصف الحجم الحقيقي للمركبة الهابطة الإماراتية في غرفة تفريغ هوائي ضمن مهمة استكشاف حزام الكويكبات 269 Justitia.

الإمارات تكشف عن مسبار لمهمة طموحة لاستكشاف 7 كويكبات في 2028

تستعد الإمارات لإطلاق مهمة تاريخية إلى حزام الكويكبات في 2028 لدراسة سبعة كويكبات وهبوط جريء على 269 Justitia، اكتشف المزيد عن رحلة الفضاء المستقبلية الآن.
علوم
Loading...
جانب من كبسولة أوريون الفضائية تقترب من القمر المضاء جزئياً، ضمن مهمة Artemis II لاستكشاف سطح القمر وتوثيق ألوانه وتضاريسه.

ألوان غريبة على القمر: تقرير NASA يكشف مشاهد غير متوقّعة من مهمة Artemis II

اكتشف روّاد Artemis II ألواناً مذهلة على سطح القمر قد تغير مستقبل استكشافه. تعرّف على تفاصيل التقرير العلمي الأولي واكتشف كيف تساهم الملاحظات البشرية في اختيار مواقع الهبوط القادمة. اقرأ المزيد الآن!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية