علاج واعد للزهايمر بحويصلات المشيمة الأنفية
تجارب جديدة تستخدم حويصلات من خلايا المشيمة تُحقن عبر الأنف لعلاج الزهايمر وتخفيف الالتهاب العصبي وتحسين الذاكرة في الفئران. اكتشف كيف يفتح هذا البحث آفاقاً واعدة لعلاج الأمراض التنكسية العصبية عبر وورلد برس عربي.

يُصارع ما يزيد على 55 مليون شخصٍ حول العالم مرضَ الزهايمر، ولا يزال العلم يبحث عن مداخل جديدة لوقف زحف هذا المرض على الخلايا العصبية. في هذا السياق، تأتي نتائج دراسةٍ نشرتها مجلة Translational Neurodegeneration لتُلقي الضوء على مسارٍ علاجي مختلف تماماً: استخدام حويصلات خارج خلوية (Extracellular Vesicles) مستخلصةٍ من خلايا المشيمة البشرية، وإيصالها إلى الدماغ عبر الأنف مباشرةً. النتائج رغم كونها أوّلية تفتح باباً واعداً في مجال طب الأمراض التنكّسية العصبية.
من المشيمة إلى الدماغ: فكرة تبدو جريئة
الفريق البحثي من Catholic University of the Sacred Heart في إيطاليا، بقيادة عالم الخلايا Andrea Papait بوصفه المؤلف الأول، والباحث في علم الأعصاب Claudio Grassi بوصفه الباحث الأول، اختار نقطة انطلاق غير تقليدية: المشيمة. هذا العضو الذي يحمي الجنين ويُنظّم استجابته المناعية طوال فترة الحمل يحتوي على خلايا مَشيمية سَدوية (Mesenchymal Stromal Cells) تُعرف بخصائصها المناعية والتجديدية القوية.
ما استخدمه الباحثون تحديداً هو الحويصلات الخارجية المشتقّة من الخلايا المشيمية السدوية للسلى البشري، أو ما يُختصر علمياً بـ hAMSC-EVs، المستخلصة من الغشاء الأمنيوسي (Amniotic Membrane). هذه الحويصلات الخارجية هي جسيماتٌ نانوية تُوسّط التواصل بين الخلايا، وكما يوضح Papait: "إنّ الحويصلات المشتقّة من الخلايا المشيمية السدوية هي جسيماتٌ نانوية تُوسّط التواصل بين الخلايا، وقد ثبت أنّها قادرةٌ على توصيل جزيئاتٍ نشطةٍ بيولوجياً ذات خصائص مضادّة للالتهاب وواقية للأعصاب."
ويُضيف في السياق ذاته: "يُمثّل توظيف الإمكانات العلاجية للحويصلات الخارجية، لا سيّما تلك المستخلصة من الخلايا المشيمية السدوية، مساراً بالغ الأهمية ضمن الطب التجديدي."
ما الذي جرى في الفئران تحديداً؟
أجرى الباحثون تجاربهم على فئرانٍ مُعدَّلة وراثياً (Transgenic Mice) مُصمَّمة لتطوير سمات مرض الزهايمر. بدأ العلاج في عمر 3 أشهر، أي قبل ظهور الأعراض، وامتدّ على مدى 6 أشهر بجرعتين أسبوعياً، حتى بلغت الفئران عمر 9 أشهر. في نهاية الفترة، خضعت الحيوانات لتقييماتٍ سلوكية وبيولوجية شاملة.
أثبتت الأصباغ الفلورية أنّ hAMSC-EVs وصلت فعلاً إلى جميع مناطق الحُصين (Hippocampus) مركز الذاكرة في الدماغ وارتبطت بالخلايا العصبية وخلايا الميكروغليا. على الصعيد الوظيفي، أظهرت الفئران المُعالَجة تحسّناً ملحوظاً في التعرّف على الأشياء وفي الذاكرة المكانية. وعلى الصعيد البيولوجي، انخفضت ترسّبات بروتين أميلويد-بيتا في الحُصين انخفاضاً ملحوظاً، وإن ظلّ فسفرة بروتين تاو دون تأثير يُذكر. كما انخفضت مؤشرات الالتهاب العصبي، بما فيها تنشيط الخلايا النجمية (Astrocytes) وخلايا الميكروغليا (Microglia)، وارتفعت مستويات بروتينات اللدونة العصبية (Neuroplasticity): ARC وGluA1 وBDNF.
ولم يقتصر الأمر على التجارب الحيوانية؛ إذ أثبتت التجارب المختبرية (In Vitro) أنّ معالجة الخلايا العصبية المشتقّة من خلايا جلد مرضى الزهايمر بهذه الحويصلات أسهمت في تقليل التدهور الخلوي، وأعادت التعبير الصحّي عن بروتينات اللدونة العصبية.
الالتهاب العصبي: المدخل الذي أهملته العلاجات الحالية
ثمّة نقطةٌ جوهرية تستحقّ التوقّف عندها من منظور الصحة العامة وسياسات الرعاية الصحية: معظم العلاجات الحالية لمرض الزهايمر تستهدف بروتيني أميلويد-بيتا وتاو مباشرةً، لكنّها لا تُعالج الالتهاب العصبي المزمن الذي تُحرّكه خلايا الميكروغليا والخلايا النجمية، وهو ما يُسهم بدوره في تدهور الخلايا العصبية وتراجع القدرات المعرفية.
ما تقترحه هذه الدراسة مختلف: لا تعمل hAMSC-EVs عبر كبت مباشر للجهاز المناعي، بل تُعيد تشكيل البيئة الالتهابية المحيطة. يقول الفريق البحثي في ورقته المنشورة في Translational Neurodegeneration: "تُشير نتائجنا مجتمعةً إلى أنّ hAMSC-EVs تُخفّف الالتهاب العصبي عبر إعادة تشكيل البيئة الالتهابية، لا عبر كبت مناعي مباشر." ويُضيفون: "تُشير التغيّرات الملاحَظة في النمط الظاهري للميكروغليا وملف السيتوكينات وعوامل اللدونة العصبية إلى أنّ hAMSC-EVs تُهيّئ بيئةً مواتيةً تدعم سلامة الخلايا العصبية ووظيفة المشابك العصبية وتوازن مجموعات خلايا الدماغ الأخرى."
هذا التمييز بين إعادة التشكيل وبين الكبت المناعي ليس تفصيلاً تقنياً فحسب، بل له أهميةٌ سريرية: الكبت المناعي الكامل قد يُعرّض الدماغ لمخاطر أخرى، في حين أنّ إعادة ضبط البيئة الالتهابية تبدو مساراً أكثر دقّةً واستهدافاً.
بين الوعد والواقع: ما يجب أن يعرفه الأطباء والباحثون
لا بدّ هنا من التوقّف عند حدود ما تقوله الدراسة وما لا تقوله. النتائج كلّها مرحلة ما قبل السريرية، أي أنّها أُجريت على نماذج حيوانية، ولم تُختبر بعد على البشر. الباحث الأول Claudio Grassi صريحٌ في هذا: "هذه نتائج قبل سريرية تستوجب مزيداً من التحقّق لدى البشر، ولا تُمثّل بعد علاجاً متاحاً لمرض الزهايمر، غير أنّها تُشير إلى اتجاهٍ بالغ الواعدية."
ويفتح Grassi أفقاً أوسع حين يتساءل: "هل يمكن أن تُقدّم الآليات التي تُنظّم بها المشيمة الالتهاب وتحمي الأنسجة بصورةٍ طبيعية أدواتٍ جديدة لعلاج الأمراض التنكّسية العصبية؟ وهل يُمثّل استخدام الحويصلات الخارجية حدوداً جديدة في علاج الأمراض العصبية بشكلٍ عام؟"
تجدر الإشارة كذلك إلى أنّ الدراسة لم تُموَّل من شركة أدوية وفق ما هو مُتاح في الورقة البحثية، وهو ما يُضفي قدراً من الاستقلالية على نتائجها، وإن كانت الدراسات المستقبلية في مراحل التجارب السريرية ستستلزم تمويلاً ضخماً قد يُغيّر هذه المعادلة.
المسار المقبل يمرّ عبر فهم أعمق للآليات الجزيئية التي تعمل بها هذه الحويصلات، ثمّ تصميم تجارب على البشر تأخذ بعين الاعتبار التباين في الاستجابة المناعية بين الأعمار والأجناس والسياقات الصحية المختلفة وهو ما يجعل مشاركة مراكز بحثية من منطقتنا، في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، أمراً ذا قيمةٍ حقيقية في المراحل القادمة.
أخبار ذات صلة

العلماء يكتشفون "بصمة بروتينية" في الدم تنبئ بالشيخوخة الصحية

حمّى الضنك في فلوريدا: لماذا ارتفعت الإصابات هذا العام؟

تفشّي الحصبة في بنسلفانيا يتجاوز الألف إصابة، الأكبر منذ القضاء على المرض
