صفقة اندماج باراماونت ووارنر تهدد مستقبل السينما والتلفزيون
اندماج Paramount Skydance مع Warner Bros. Discovery يثير جدلاً قضائياً حول تأثيره على المنافسة وجودة الإنتاج وضمانات الأفلام المستقلة ومستقبل الكابل مع اعتراضات على شروط التسوية ومخاوف من تقليص الخيارات للمستهلكين وورلد برس عربي

تبلغ قيمة اندماج Paramount Skydance مع Warner Bros. Discovery مئة وأحد عشر مليار دولار، وهو رقمٌ ضخمٌ بما يكفي لإعادة رسم خريطة صناعة السينما والتلفزيون الأمريكية بأكملها. لكنّ القاضية الفدرالية Araceli Martínez-Olguín، التي تنظر في تسويةٍ مقترحة لإنهاء الدعوى المرفوعة ضدّ الصفقة، لا تبدو مستعدّةً لتوقيع الموافقة بلا أسئلة. فقد أبلغت المحامين صراحةً في جلسةٍ عقدتها أمس في محكمة مقاطعة كاليفورنيا الشمالية: «المحكمة ليست ختماً مطاطياً لاتّفاقكم... لديّ بعض الأسئلة». وهذا بالضبط ما يجعل مصير الصفقة معلّقاً، رغم أنّ كاليفورنيا وإحدى عشرة ولايةً أخرى وقّعت بالفعل على التسوية.
القضية بدأت في يوليو، حين رفعت اثنتا عشرة ولايةً بقيادة كاليفورنيا دعوى لمنع الاندماج، بحجّة أنّه سيُقصي المنافسة بين الشركتَين، ويرفع الأسعار، ويقلّص الإنتاج، ويخفض الجودة، ويحدّ من خيارات المشاهدين. وقد أيّدت القاضية Martínez-Olguín هذا الطرح جزئياً، إذ خلصت إلى أنّ الاندماج «من المرجّح أن يقلّص المنافسة بشكلٍ كبير» وأن يخالف قوانين مكافحة الاحتكار. لكنّ المدّعي العام لكاليفورنيا Rob Bonta أعلن هذا الأسبوع تسويةً مع Paramount، انضمّت إليها بقيّة الولايات المدّعية، ليصبح القرار الأخير بيد القاضية وحدها.
ماذا يشتري المستهلك بهذه التسوية؟
تتعهّد Paramount بموجب الشروط المقترحة بإصدار ثلاثين فيلماً سنوياً، من بينها أربعة أفلامٍ مستقلّة أي أفلامٍ أصلية النصّ تموّلها الاستوديوهات وتطوّرها وتملكها بالكامل. لكنّ خمس مجموعاتٍ للدفاع عن حرّية التعبير والإعلام لجنة التعديل الأوّل (Committee for the First Amendment)، وFree Press، ومؤسّسة حرّية الصحافة (Freedom of the Press Foundation)، وائتلاف مستقبل السينما (Future Film Coalition)، والجمعية الدولية للأفلام الوثائقية (International Documentary Association) تقدّمت أمس باعتراضٍ مشترك يشير إلى مفارقةٍ لافتة: كانت Warner Bros. تخطّط لإصدار تسعة عشر فيلماً في عام 2027 كشركةٍ مستقلّة، بينما توقّعت Paramount نفسها خمسة عشر فيلماً أو أكثر بمفردها. أي أنّ ضمانات التوزيع في التسوية قد تُقيّد الشركة المندمجة بعددٍ من الأفلام أقلّ ممّا كانت الشركتان تخطّطان له لو بقيتا منفصلتَين بعد الإغلاق.
إذا فشلت Paramount في تحقيق هذا الالتزام، عليها دفع ثلاثين مليون دولار عن كلّ فيلمٍ ناقص، تُخصَّص لصناديق الصحّة والتقاعد النقابية ولجهود إنفاذ قوانين المنافسة التابعة لرابطة المدّعين العامّين الوطنية (NAAG)، وقد تصل العقوبة إلى إلزامها ببيع استوديو Miramax إذا استمرّ التقصير. لكنّ المجموعات المعترضة تلفت إلى فراغٍ أوسع في هذا الترتيب: «أصحاب الأعمال الصغيرة والمقاولون المستقلّون أولئك الذين يشكّلون صناعة الأفلام المستقلّة والوثائقية، والفئة التي كان يُفترض أن تستفيد أكثر من غيرها من إنتاجٍ وتوزيعٍ أوسع في سوقٍ تنافسية لا يحصلون على شيء». هذه الجملة وحدها تلخّص جوهر الاعتراض: التسوية صيغت لمعالجة مؤشّراتٍ كمّية في عدد الأفلام، لا لحماية النسيج الاقتصادي الذي يعيش على هامش الاستوديوهات الكبرى.
أمّا على جبهة الكابل، فتفرض التسوية على Paramount وWarner Bros. التفاوض بشكلٍ منفصل على قنوات الكابل الأساسية لخمس سنوات، لكنّ هذا الشرط يستثني الكابل المميّز وخدمات البثّ والمحتوى الإذاعي. والمعترضون يرون أنّ هذا الاستثناء يفتح ثغرة: إذ يمكن للشركة المندمجة أن تجمع عروض الكابل المميّز والبثّ والبثّ الإذاعي في حزمٍ تسمح برفع أسعار الكابل الأساسي عملياً، بينما لا يعالج الشرط أصلاً مزاعم تقليص الاستثمار في هذا القطاع. المدّعي العام Bonta يدافع عن التسوية بقوله إنّها تضمن «استثماراً ضخماً في إنتاج الأفلام المحلّية» وتوفّر «ضوابط قابلة للتنفيذ تساعد على إبقاء أسعار الكابل تنافسية»، لكنّ اللافت أنّ Bonta نفسه كان قد انتقد علناً قبل التوقيع فعالية هذا النوع من الشروط السلوكية، قائلاً إنّها «غير قابلة للتنفيذ عادةً بالشكل الذي نفضّله» وأنّها «ليست جيّدةً بشكلٍ خاص في حلّ المشكلة». وهذا التناقض بين موقفه السابق والتسوية التي وقّعها هو بالضبط ما استشهدت به المجموعات المعترضة في ملفّها القضائي، إذ وصفت موقفه بأنّه «انتقد علناً العلاجات السلوكية نفسها التي يطلب الطرفان الآن من المحكمة الموافقة عليها».
استقلالية التحرير على طاولة القضاء
من بين أكثر بنود التسوية إثارةً للجدل، إلزام Paramount بإنشاء مجلسٍ لاستقلالية التحرير يشرف على قسمَي الأخبار في CBS News وCNN. لكنّ Paramount نفسها هي من تختار أعضاء هذا المجلس، وهو يرفع تقاريره إلى مجلس إدارة Paramount الذي يرأسه David Ellison، الذي يشغل أيضاً منصب الرئيس التنفيذي للشركة. وتكتسب هذه النقطة حساسيةً إضافية في ضوء تقاريرَ سابقة قالت أنّ عائلة Ellison عرضت على الرئيس Trump «تغييراتٍ شاملة» و«إعادة هيكلة» في CNN مقابل موافقةٍ تنظيمية فدرالية على الاندماج. المجموعات المعترضة لم تتردّد في وصف هذا الترتيب بأنّه «مثير لإشكالياتٍ دستورية»، قائلةً: «صحيحٌ أنّ هناك تساؤلاتٍ جدّية حول استقلالية التحرير في ضوء تقاريرَ تفيد بأنّ عائلة Ellison عرضت على الرئيس Trump ما وُصف بـ’تغييراتٍ شاملة‘ و’إعادة هيكلة‘ في CNN مقابل موافقةٍ تنظيمية فدرالية على هذا الاندماج. لكنّ ربط موافقة الولايات على الاندماج بإنشاء مجلسٍ رقابي على المحتوى الإخباري أمرٌ مثيرٌ لإشكالياتٍ دستورية». وتضيف المجموعات أنّ هذا الترتيب «يُقنِّن هذا التدخّل الحكومي في القرارات التحريرية»، وأنّه إذا خالفت الشركة المندمجة التزاماتها الغامضة بشأن استقلالية التحرير، فقد تعود الولايات المدّعية إلى المحكمة لإنفاذ هذه الشروط، ما «يضع المحكمة في موقع الإشراف على خيارات المحتوى ووجهة النظر في غرف الأخبار بسلطتها في الإلزام بالاحترام».
اعتراضاتٌ من زاويةٍ حقوقية أيضاً
لم يقتصر الاعتراض على مجموعات الإعلام. رابطة المواطنين اللاتينيين الأمريكيين المتّحدين (LULAC) قدّمت اعتراضاً منفصلاً، جادلت فيه بأنّ «الاندماج سيُلغي بشكلٍ دائم المنافسة بين المدّعى عليهما على الأفلام والبرامج التلفزيونية التي يمكن للأمريكيين مشاهدتها»، وأنّ التسوية «تُبقي على فقدان استقلالية القرار إلى حدٍّ كبير». وذهبت الرابطة أبعد من ذلك في وصف الآلية القانونية المعتمدة: «مرسوم التوافق المقترح لا يشترط أيّ تصفيةٍ للأصول كشرطٍ لإتمام الصفقة. بدلاً من ذلك، يعتمد على التزاماتٍ سلوكية تترك أضراراً مهمّة ورد ذكرها في الدعوى دون معالجة، حتى في حال امتثال الشركة المندمجة بالكامل».
هذا الخلاف بين آلية «التصفية» (فرض بيع أصول) وآلية «الالتزامات السلوكية» (تعهّداتٍ بالسلوك المستقبلي) ليس تفصيلاً قانونياً بحتاً؛ فهو يحدّد ما إذا كانت المنافسة ستُستعاد فعلياً في السوق أم أنّها ستبقى معلّقةً على حسن نيّة الشركة المندمجة وقدرة المحكمة على المراقبة لاحقاً. والمجموعات الخمس اختصرت هذا القلق بعبارةٍ قاسية: أنّ الصفقة كانت في الأصل ستُلغي المنافسة وترفع الأسعار وتقلّص الإنتاج وتخفض الجودة وتحدّ من الخيارات، «لكن مهما كانت أسباب تراجع الولايات، لا يغيّر الزمن ولا الظروف حقيقة أنّ هذا الاندماج يقلّص المنافسة». وخلصت إلى أنّ التسوية «مجحفةٌ إجرائياً وموضوعياً تجاه أطرافٍ ثالثة والجمهور».
السيناتور Cory Booker دخل بدوره على خطّ القضية، إذ طلبت القاضية Martínez-Olguín من الأطراف الردّ على رسالته التي تسأل عن كيفية «معالجة كلّ بندٍ من بنود التسوية لكلّ ضررٍ ورد في الشكوى». وقارن Booker العلاج المقترح بما كانت الولايات تطلبه أصلاً، قائلاً إنّ «على المحكمة أن تقيس العلاجات المقترحة مقابل الإنصاف الذي طلبته الولايات أصلاً: أمرٌ قضائي يمنع الاندماج بالكامل»، مضيفاً أنّ التسوية «تفشل في معالجة الآثار المزعومة المانعة للمنافسة وخسائر الوظائف». وهذه الملاحظة الأخيرة خسائر الوظائف هي بالضبط ما ينبغي أن يقلق أيّ متابعٍ لسوق العمل في هذه الصفقة، إذ إنّ نقاش الأفلام والقنوات يخفي وراءه سؤالاً أبسط: من سيبقى في وظيفته بعد اكتمال الاندماج؟
نقابة الكتّاب توقّع منفردة... وأربع ولايات تتراجع
في مقابل خيار المواجهة القضائية الذي تسلكه المجموعات الخمس وLULAC، اختارت نقابة كتّاب أمريكا (Writers Guild of America) تسويةً منفصلة مع Paramount بعد إعلان اتفاق كاليفورنيا، تتضمّن التزاماً بعدم تسريح كتّاب قسم الأخبار في CBS News لخمس سنوات، إضافةً إلى دفع سبعة عشر مليوناً ونصف المليون دولار لصندوق الصحّة الخاصّ بالكتّاب. لكنّ النقابة لم تُخفِ تحفّظها على الاندماج نفسه، إذ قالت: «ما زلنا نعتقد أنّ الاندماج سيُلحق ضرراً بالكتّاب وبالصناعة عموماً». وفسّرت قرارها بالتسوية بواقعيةٍ صريحة: «الآن وقد سوّى المدّعون العامّون قضيّتهم مع Paramount، يتعيّن على النقابة، بصفتها منظّمةً غير ربحية، أن تواجه واقع خوض المعركة بمفردها، دون أيّ دعمٍ من جهات الإنفاذ الحكومية، في دعوى معقّدة لمكافحة الاحتكار تكلّف ملايين الدولارات لمتابعتها حتى المحاكمة». هذه الجملة تكشف بوضوحٍ كيف تُعيد التسويات الحكومية الكبرى ترتيب موازين القوّة أمام النقابات العمّالية: حين تنسحب الدولة من المعركة، يبقى العمّال وحدهم أمام كلفةٍ قانونية لا يقدرون عليها.
الأمر نفسه انطبق، وإن بدافعٍ مختلف، على أربع ولاياتٍ كانت قد عارضت في البداية اتفاق كاليفورنيا: ماساتشوستس، ونيويورك، وكونيتيكت، ومينيسوتا. لكنّها انضمّت لاحقاً إلى التسوية، إذ خلصت بحسب تقارير Bloomberg إلى أنّ «كلفة المعركة القانونية لم تكن مبرَّرةً من دون أن تكون كاليفورنيا في قيادة الصفّ». بعبارةٍ أخرى، حين تراجعت الولاية الأكبر عن موقفها التصادمي، فقدت بقيّة الولايات الحافز المالي لمواصلة القتال بمفردها.
ما الذي يحدّده القاضي الآن؟
القاعدة القانونية التي تحكم قرار Martínez-Olguín واضحة من حيث المبدأ: على المحاكم أن تتحقّق من أنّ التسوية تُعالج فعلاً مضمون الشكوى، وأنّها لم تنتج عن تواطؤٍ أو فساد، لا أن تكون مثالية أو مُرضية لكلّ الأطراف. وقد لاحظت القاضية نفسها في الجلسة أنّ هذا «ليس نتيجة تواطؤ، بل كان أقرب إلى عمليةٍ تفاوضية بين طرفَين مستقلّين»، وهو معيارٌ يسمح للمحاكم أحياناً بالموافقة على تسوياتٍ لا تحظى برضا الجميع، ما دامت تستوفي حدّاً أدنى من العدالة والمعقولية. لكنّ إصرارها على طرح الأسئلة وطلب ردودٍ مكتوبة على رسالة Booker يشير إلى أنّها لن تكتفي بالشكل الإجرائي للاتفاق.
في النهاية، يبقى السؤال الذي طرحته المجموعات الخمس معلّقاً بلا إجابةٍ قاطعة حتى الآن: هل تكفي وعودٌ بثلاثين فيلماً سنوياً، ومجلس تحريرٍ تختار الشركة المندمجة أعضاءه بنفسها، وشرطٌ خمسي السنوات على تسعير الكابل الأساسي وحده، لتعويض ما وصفته القاضية نفسها بأنّه تقليصٌ محتملٌ للمنافسة في سوقٍ يُقدَّر بمئة وأحد عشر مليار دولار؟ وما دامت المجموعات المستقلّة وصنّاع الأفلام الوثائقية وأصحاب المشاريع الصغيرة في هذه الصناعة يقولون إنّهم لا يحصلون على شيءٍ من هذا الاتفاق، فإنّ الحكم النهائي لن يقرّر فقط مصير صفقةٍ إعلامية ضخمة، بل سيرسم أيضاً حدود ما تستطيع تسويات مكافحة الاحتكار أن تحميه فعلاً: المنافسة، أم مجرّد الأرقام التي تُقاس بها على الورق.
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
