مكوك الفضاء إنتربرايز قصة إلهام وابتكار بشري
خمسون عاماً على كشف مكوك الفضاء Enterprise الذي غير مفهوم الرحلات الفضائية بإعادة الاستخدام وألهم أجيالاً من رواد الفضاء. تعرف على قصة المكوك الذي بدأ رحلة جديدة في استكشاف الفضاء مع وورلد برس عربي.

خمسون عاماً مضت على اليوم الذي فتح فيه مشروع إعادة استخدام المركبات الفضائية بابه أمام البشرية ليس بإطلاق صاروخ، بل بكشف النقاب عن نموذج أوّلي في مدينة Palmdale بولاية كاليفورنيا. في 17 سبتمبر 1976، أُعلن رسمياً عن مكوك الفضاء Enterprise (OV-101)، أوّل مركبة فضائية من نوعها في تاريخ NASA، وبدأت معه مرحلة جديدة في الفهم الهندسي لما يمكن أن تكون عليه الرحلة إلى الفضاء: إطلاق كالصاروخ، وهبوط كطائرة شراعية.
لم يكن Enterprise مركبةً مُصمَّمة للوصول إلى المدار فهو نموذج أوّلي للاختبارات الجوّية والأرضية فحسب لكنّه أثبت مبدأً كان في حينه ثورياً: أنّ المركبة الفضائية يمكن أن تُعاد إلى الأرض سليمةً، وتُستخدم مجدّداً. هذا المبدأ هو ما يجعل ذكراه الخمسين تستحقّ الوقوف.
من "Constitution" إلى Enterprise: حين غيّرت رسائل المشجّعين التاريخ
كان المقرّر في الأصل أن تحمل المركبة اسم "Constitution"، لكنّ حملة رسائل شعبية واسعة أقنعت الجهات المعنية بتغيير الاسم إلى Enterprise، تيمّناً بسفينة الفضاء الشهيرة في مسلسل Star Trek. وفي يوم الكشف الرسمي، خطا مديرُ NASA آنذاك Jim Fletcher نحو الميكروفون ليُعلن: "هل تتفضّلون الآن بإخراج المركبة 101، التي تحمل اسم Enterprise."
وكان حضور فريق تمثيل Star Trek في حفل الكشف لافتاً، إذ أضفى على المناسبة طابعاً شعبياً نادراً في تاريخ برامج الفضاء. وبعد ستّة وثلاثين عاماً، حين وصلت المركبة إلى متحف Intrepid في نيويورك عام 2012، استذكر الممثل Leonard Nimoy الذي أدّى دور Spock تلك اللحظة بقوله: "يا له من يومٍ عظيم كان ذلك عام 1976!"
أمّا السيناتور Barry Goldwater، عضو الأقلية في لجنة الملاحة الجوية والفضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي آنذاك، فقد استشرف في كلمته أبعاداً أوسع من مجرّد مركبة جديدة، إذ قال: "نحن على أعتاب حقبة جديدة... ليس في مجال الطيران الفضائي فحسب، بل في حياة الرجال والنساء والأطفال في كلّ أرجاء هذه الأرض." وأضاف: "أرى أنّ مكوك الفضاء سيمنحنا فرصةً رائعة لاستثمار الحدود الجديدة للفضاء لصالح البشرية جمعاء، ومواصلة توسيع معرفتنا بالبيئة الفضائية التي نعيش فيها."
16 رحلة فوق الغيوم، و5 هبوطات على أرض الاختبار
بدءاً من فبراير 1977، انطلق Enterprise في رحلاته الاختبارية لا في الفضاء، بل محمولاً فوق طائرة Boeing 747 التابعة لـ NASA والمعروفة بـ Shuttle Carrier Aircraft. بلغ مجموع هذه الرحلات 16 رحلة، انفصلت خلالها المركبة واستقلّت بهبوطها 5 مرات فوق قاعدة Edwards Air Force Base في كاليفورنيا. قاد هذه الرحلات الاختبارية طاقمان من رواد الفضاء: Fred Haise مع Gordon Fullerton، وJoe Engle مع Richard Truly.
بعد انتهاء مرحلة الاختبار، خرج Enterprise إلى العالم؛ عام 1983 جال فوق أوروبا محمولاً على ظهر طائرة Boeing 747، وعُرض في معرض باريس للطيران Paris Air Show. وفي عام 1984، كان حاضراً في Louisiana World Exposition في نيو أورليانز. وفي عام 1985، تحوّل رسمياً إلى قطعة متحفية، قبل أن يستقرّ في نهاية المطاف في متحف Intrepid بنيويورك عام 2012.
جيلٌ نشأ على صور الإطلاق
رائدة الفضاء Jessica Meir وُلدت بعد عشرة أشهر فقط من الكشف عن Enterprise عام 1976، وهي اليوم رائدة فضاء في بعثة Expedition 74 وضمن طاقم SpaceX Crew-12. تقول Meir إنّ برنامج مكوك الفضاء كان حاضراً في تشكيل طموحها المبكر: "أعتقد أنّ برنامج مكوك الفضاء كان له دورٌ كبير في إلهامي." وتضيف بتفصيل يكشف عمق الأثر: "حين يسألني الناس عمّا جعلني أريد أن أكون رائدة فضاء، لا أذكر لحظةً بعينها، لكنّني أتذكّر بوضوح شديد مشاهدة إطلاق مكوك الفضاء في الفصول الدراسية." وتختم: "رؤيتها ونحن أطفالٌ في الفصل، ورؤيتها في نشرات الأخبار المسائية أعتقد أنّ ذلك كان من الأشياء التي ألهمتني حقاً وأثارت اهتمامي بالرحلات الفضائية والاستكشاف بوجهٍ عام."
رائد الفضاء Jack Hathaway بدوره أصبح رائداً بعد نحو عقد من تقاعد المكوكات الثلاثة الباقية الصالحة للرحلات الفضائية — التي تقاعدت بعد 26 عاماً من تحوّل Enterprise إلى متحف عام 1985. يقول Hathaway بنبرة تمزج بين الحسرة والإعجاب: "كان من أهدافي بالتأكيد أن أطير يوماً ما على شيء مماثل، لكنّني لم أتمكّن من ذلك. ربّما لو كنتُ أكبر بسنوات قليلة لكان الأمر مختلفاً، لكنّني حين أنظر إلى الوراء أجده رائعاً حقاً."
ولا يتوقّف Hathaway عند الحسرة، بل يُقرّ بالدَّين الذي يشعر به تجاه من سبقوه: "لقد بنى هذا البرنامج محطة الفضاء الدولية، التي يقطنها الناس منذ أكثر من 25 عاماً، وهذا أمرٌ رائع. نحن ممتنّون للذين طاروا على متن مكوك الفضاء قبلنا."
إرثٌ لا يُقاس بالرحلات
ما يستحقّ التأمّل في ذكرى Enterprise الخمسين ليس فقط أرقام الرحلات الاختبارية أو المحطّات التي زارها، بل المعادلة التي أثبتها: أنّ مركبةً فضائية يمكن أن تُعاد إلى الأرض وتُستخدم مجدّداً. هذا المبدأ هو ما أتاح لاحقاً بناء محطة الفضاء الدولية التي لا تزال مأهولة منذ أكثر من 25 عاماً، وهو ما يتردّد صداه اليوم في كلّ مركبة فضائية تُصمَّم لإعادة الاستخدام.
السؤال الذي يطرحه هذا الإرث على الجيل الحالي من رواد الفضاء ومن بينهم من ينتمون إلى مناطق لم تكن تحلم بامتلاك برامج فضائية هو: أيّ نموذج أوّلي يُبنى اليوم سيُلهم طفلاً في فصلٍ دراسي بعد خمسين عاماً؟
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
