ناسا تعيد ترتيب شراكات الفضاء وتراهن على مهمة ليزا
ناسا تعيد ترتيب أولوياتها في الفضاء مع تركيز على شراكات تقدم مساهمات فريدة. مشروع رصد الموجات الثقالية ليزا بقيادة أوروبا يحظى بدعم أمريكي قوي رغم تقلبات التمويل. اكتشف كيف تغيرت سياسة ناسا في مواجهة التحديات. وورلد برس عربي

تُعيد وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» ترتيب أولوياتها بما يُشبه إعادة صياغة شاملة لسياسة الشراكة الدولية في الفضاء، وسط منافسةٍ محتدمة مع الصين على موارد القمر وأراضيه. والنتيجة المباشرة لهذا التحوّل أن مشاريع علمية كبرى، بعضها استغرق عقوداً من التخطيط المشترك بين ضفّتَي الأطلسي، باتت معلّقةً بين التمويل والإلغاء، فيما تبرز مهمّة واحدة رصد الموجات الثقالية «ليزا» (LISA) بقيادة الوكالة الأوروبية للفضاء كنموذجٍ لما تعتبره «ناسا» شراكةً «تستحق» الاستمرار.
ما الذي تغيّر في فلسفة ناسا تجاه شركائها؟
يوجز مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان (Jared Isaacman) المعيار الجديد بعبارة واحدة: على الشركاء الدوليين تقديم «مساهمات ذات معنى». عملياً، يعني هذا أن تكون إسهامات الدول الشريكة متمايزة عمّا تنتجه الوكالات أو الشركات الأمريكية أصلاً، وأن تصل في الوقت المناسب لا بعده. هذا المعيار الجديد كلّف بالفعل أوروبا فرصةً: فقد رفضت «ناسا» مطلع هذا العام اقتراحاً أوروبياً لبناء مركبة هبوط أوروبية لنقل الإمدادات إلى قاعدة القمر المرتقبة قرب القطب الجنوبي، بحجّة أن مركبات هبوط أمريكية الصنع ستكون جاهزة لأداء هذا الدور في وقتٍ أقرب.
في المقابل، بقيت شراكات أخرى قائمة: ستزوّد اليابان القاعدة بمركبة متجوّلة مضغوطة الهواء لرواد الفضاء، بينما تعهّدت إيطاليا ببناء ما يُرجَّح أن يكون أول وحدة سكن في قاعدة القمر. أما المشاريع التي سقطت كلياً فأبرزها محطة «البوابة القمرية» (Lunar Gateway) المُزمَع وضعها في مدار حول القمر، ومهمة «إعادة عيّنات المريخ» (Mars Sample Return) التي أُلغيت بعدما تجاوزت كلفتها المتوقّعة 10 مليارات دولار. وكلا المشروعين شهد تعاوناً دولياً واسعاً كانت «ناسا» تتولّى قيادته.
لماذا تحظى «ليزا» بمعاملة استثنائية؟
على النقيض من هذا المسار الانكماشي، تُقدَّم مهمّة «ليزا» بوصفها «صفقة جيدة جداً» للولايات المتحدة، على حدّ تعبير إيرا ثورب (Ira Thorpe)، عالم الموجات الثقالية في مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لـ«ناسا» وقائد الفريق العلمي الأمريكي في المهمّة. يقول ثورب: «نحن في عصرٍ يهتمّ فيه الناس بالحصول على صفقات جيدة، وليزا صفقة جيدة جداً للولايات المتحدة». ويوضّح الحساب الذي يستند إليه هذا التقييم: «ندفع نحو ثلث تكلفة المهمّة.. ونحصل على كامل البيانات العلمية، 100% منها. هذه قوة تفاوضية كبيرة جداً. نحن نمنحهم (الوكالة الأوروبية) هذا المشروع الرائد. لو أرادت الولايات المتحدة تنفيذ ليزا بمفردها، لكانت التكلفة على الأرجح في حدود 3 مليارات دولار... مقابل جزءٍ من هذه الكلفة، نحصل على العلم نفسه».
«ليزا» ستكون أول مرصدٍ فضائي للموجات الثقالية في العالم، وتقوده الوكالة الأوروبية للفضاء بمساهمة أمريكية كبيرة. يصفها ثورب بأنها «على الأرجح أكبر مهمّة علمية حاولت الوكالة الأوروبية تنفيذها، بلا منازع». تتألّف المهمّة من ثلاث مركبات فضائية تحلّق على شكل مثلّث في مدارٍ حول الشمس، تفصل بينها مسافة تقارب 1.6 مليون ميل (2.5 مليون كيلومتر)، ومن المقرر إطلاقها نحو عام 2035.
الفكرة التقنية تقوم على رصد موجات ثقالية منخفضة التردّد — وهي أكثر حساسيةً من المراصد الأرضية مثل «ليغو» (LIGO) في هذا النطاق تحديداً — عبر حمل كل مركبة مكعّبَين عائمَين بحرّية من الذهب والبلاتين داخل قفصٍ فاراداي داخلي يعزلهما عن أي اضطراب خارجي غير الجاذبية. تحلّق المركبات حول هذه الكتل الاختبارية، بينما تقيس أشعة ليزر بين المركبات التغيّرات في المسافات بدقّةٍ أدقّ من حجم الذرّة الواحدة. ستتولّى أوروبا بناء المركبات وإطلاقها وتشغيلها، فيما تزوّد «ناسا» المهمّة بأجهزة إرسال الليزر والتلسكوبات، إضافةً إلى أجهزة إدارة الشحنة الكهربائية للكتل الاختبارية، ودعم تحليل البيانات على الأرض.
وفق معطيات 2024، اعتمدت الوكالة الأوروبية للفضاء تطوير «ليزا» بميزانية قدرها 1.75 مليار يورو (نحو 2 مليار دولار)، وهو رقم لا يشمل مساهمات الولايات المتحدة ولا مساهمات الدول الأعضاء في الوكالة الأوروبية منفردةً. أما حصّة «ناسا» فتُقدَّر بنحو 1 مليار دولار، دون أن تكون هناك التزامات ميزانية نهائية بعد.
هل التمويل مضمون فعلاً؟
رغم هذا الوصف المتفائل، لا تبدو مسيرة «ليزا» التمويلية خطّية. فقد اقترح البيت الأبيض العام الماضي إلغاء مشاركة «ناسا» في المهمّة بالكامل، ضمن حزمةٍ شملت عشرات المهام العلمية الأخرى، قبل أن يرفض الكونغرس هذا التقليص ويُعيد تمويل السنة المالية 2026. ولم يتوقف الأمر عند ذلك: أعاد مقترح ميزانية إدارة ترامب لعام 2027، الصادر في وقتٍ سابق من هذا العام، طرح إلغاء دور «ناسا» في المهمّة من جديد.
يصف ثورب هذا التذبذب بقوله: «الأمر كان يتأرجح ذهاباً وإياباً، تبعاً لتغيّر الرياح السياسية على جانبَي الأطلسي عبر العقود»، مضيفاً: «أعتقد أننا في نظامٍ مستقرٍّ جداً حيث تتولّى الوكالة الأوروبية القيادة بوضوح، وتكون ناسا الشريك الرئيسي، الشريك الحاسم، في المشروع». ويقرّ بأن التهديدات المتكررة بالإلغاء «أثارت قلقاً مفهوماً في أوروبا»، لكنه يستدرك: «من جانب المشروع، نواصل عملنا. نحاول التركيز فقط على الوفاء بالتزاماتنا. لقد أوفينا بكل التزام تجاه الوكالة الأوروبية حتى الآن. لم نتأخر أبداً». ويخلص إلى أن الوضع «جيد جداً» في المستقبل القريب.
حمَت القوى السياسية في الكونغرس «ليزا» من القطع حتى الآن: فقد تضمّن قانون الاعتمادات المالية لعام 2026 بنداً خاصاً بتمويلها وهي واحدة من مهام علمية مستقبلية قليلة حظيت بهذا التخصيص ووقّع الرئيس ترامب على الميزانية لتصبح قانوناً. ويرتبط هذا الدعم جزئياً بوجود مركز غودارد، الذي يقع في دائرة السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن، وهو أعلى عضو ديمقراطي في اللجنة الفرعية بمجلس الشيوخ المسؤولة عن كتابة ميزانية «ناسا»، وقد يصبح رئيساً لهذه اللجنة إذا فاز الديمقراطيون بالسيطرة على المجلس في انتخابات التجديد النصفي هذا العام. كذلك يمثّل النائب غلين آيفي الدائرة نفسها في مجلس النواب، ويشغل عضويةً في اللجنة الفرعية المقابلة.
شون دوماغال-غولدمان (Shawn Domagal-Goldman)، المسؤول عن مهام الفيزياء الفلكية في «ناسا»، يصف الموقف قائلاً: «شيء بهذا التعقيد يبقى تحدّياً دائماً، لكن هذا بالضبط ما يجعل من المهم أن نُجدّد التزامنا بالتمويل المتوفّر في قانون اعتمادات السنة المالية 2026»، مضيفاً أنه «طالما بقي لدينا قرار تمويل مستمر أو أي مستوى تمويل حالي، سنحافظ على التزامنا بمهمّة ليزا».
ماذا تكشف «ليزا» علمياً، ولماذا يهتم العلماء بهذا القدر؟
اكتُشفت الموجات الثقالية لأول مرة عبر مراصد أرضية عام 2015، وكشف علم فلك الموجات الثقالية منذ ذلك الحين عن اصطدامات بين ثقوب سوداء ونجوم نيوترونية في مجرّاتٍ بعيدة. لكن بعض هذه الموجات التي تمتدّ مقاييسها الزمنية من أجزاء الثانية إلى مليارات السنين لا يمكن رصدها إلا من الفضاء، وهنا تكمن القيمة العلمية لـ«ليزا»: إذ تقول «ناسا» إنها قد تتمكّن من رصد موجاتٍ ثقالية نشأت بُعيد الانفجار العظيم مباشرةً، إلى جانب دراسة أصل الثقوب السوداء وتشكّل المجرّات.
يشرح ثورب طبيعة هذه الظاهرة بقوله: «هذه اضطرابات تنتشر في نسيج الزمكان»، موضحاً أنها «تحمل طاقة، وتحمل زخماً، والأهم بالنسبة للفلكيين، أنها تحمل معلومات عن الأنظمة التي أنتجتها، ويمكننا استخدامها لفهم الكون». وتحمل هذه الأرصاد بُعداً اختبارياً للنظرية النسبية العامة لأينشتاين: «النسبية العامة تمنحنا توقّعاً دقيقاً لشكل هذه الموجة، فأي انحرافٍ طفيف عنه يعطينا تلميحاً عمّا يجري»، يقول ثورب، مضيفاً بنبرةٍ حذرة: «أحب أن أفكّر أنه إذا كانت النسبية العامة ستنهار وأنا لا أحبّ عموماً أن أراهن ضدّ أينشتاين فهذه هي الأماكن التي قد تنهار فيها».
ويُشير دوماغال-غولدمان إلى امتداد هذا الدعم الكونغرسي المستقر بالقول إنه «سعيد جداً بذلك، لأنه عندما تُطلَق ليزا، ستُجيب عن بعض الأسئلة الكبرى التي لا يمكن الإجابة عنها إلا عبر مرصدٍ فضائي للموجات الثقالية». وتعود جذور فكرة هذا النوع من المراصد إلى سبعينيات القرن الماضي، فيما أُطلقت مركبة «ليزا باثفايندر» (LISA Pathfinder) عام 2015 لاختبار التقنيات المخصّصة للمهمّة الحالية.
شراكات أخرى لا تزال في منطقة الظل
بينما يبدو مستقبل «ليزا» مستقرّاً نسبياً، تبقى مشاريع أوروبية-أمريكية أخرى معلّقة دون وضوح. مهمّة «نيو أثينا» (New Athena)، التلسكوب السيني الأكبر من نوعه على الإطلاق والمُخطَّط إطلاقه أواخر ثلاثينيات القرن الحالي كخليفةٍ لمرصد «شاندرا» السيني العامل منذ انطلاقه عام 1999، لا تحمل بنداً تمويلياً خاصاً بها في ميزانية «ناسا» لعام 2026، رغم أن دوماغال-غولدمان يؤكد أن الوكالة لا تزال «منخرطةً بالكامل» و«ملتزمة تماماً» بالشراكة مع الوكالة الأوروبية في هذا المشروع.
أما مهمّة «إنفيجن» (Envision) الأوروبية المقبلة إلى كوكب الزهرة، والمقرَّر إطلاقها عام 2031، فلم تُعلن «ناسا» رسمياً انسحابها منها، رغم أن الوكالة الأوروبية تتعاقد حالياً على جهاز رادار أوروبي الصنع لرسم خرائط السطح، بعدما كان من المتوقَّع في وقتٍ سابق أن يُبنى هذا الجهاز في مختبر الدفع النفّاث التابع لـ«ناسا» في كاليفورنيا. ويُضاف إلى هذه المهام كوكب المريخ، حيث لا تزال «روزاليند فرانكلين» (Rosalind Franklin) أول مركبة أوروبية متجوّلة إلى الكوكب الأحمر المهمّة الوحيدة المستقبلية التي تحظى بمشاركة أمريكية، بعدما أتاح تمويلٌ أقرّه الكونغرس العام الماضي لـ«ناسا» حجز إطلاقٍ عبر صاروخ «سبيس إكس» (SpaceX) عام 2028، على أن تقدّم «ناسا» الإطلاق وجهازاً علمياً وصواريخ الكبح.
تُظهر هذه الصورة مجتمعةً أن معيار «المساهمة ذات المعنى» الذي وضعه آيزاكمان لم يُترجَم بعد إلى قواعد ثابتة تحكم كل الشراكات الدولية في آنٍ واحد؛ فبينما تحظى «ليزا» بحماية سياسية واضحة بفضل توازن المصالح العلمية والتفاوضية التي يصفها ثورب، تبقى مشاريع مثل «نيو أثينا» و«إنفيجن» رهينة موازنات سنوية متقلّبة، في وقتٍ تُعيد فيه واشنطن توجيه أولوياتها نحو القمر والمنافسة مع الصين. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام الشركاء الأوروبيين وغيرهم هو: أي من هذه المهام سيحظى، في الدورة التمويلية المقبلة، بما حظيت به «ليزا» من استقرارٍ سياسي نادر؟
أخبار ذات صلة

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

الإمارات تكشف عن مسبار لمهمة طموحة لاستكشاف 7 كويكبات في 2028
