حكاية الصحفيين المنفيين بين الحرب والكاميرا
تتابع المخرجة جوليا لوكتيف قصة شبكة TV Rain المستقلة من موسكو إلى المنفى عبر فيلم وثائقي يصور الصحفيين المنشقين بهاتف iPhone فقط قصة حرب وحرية الإعلام في زمن القمع والتشويش عبر اتصال فيديو هش بين مدينتين وورلد برس عربي

على شاشة هاتفٍ محمول، تلتقي مكالمة فيديو بين مدينتَين لا تفصل بينهما مسافة جغرافية فحسب، بل مسافة حرب كاملة: فيينا من جهة، وأوكرانيا من جهة أخرى. على طرفَي الخط، الصحفي بيتر روزافين والمراسلة الأوكرانية نتاليا غومينيوك، يتبادلان الحديث عبر Zoom في مَشاهد تتكرر طوال الفيلم الوثائقي الجديد. هذا الكادر البسيط — وجهان على شاشة، وخطّ اتصال هشّ بين بلدَين — يختصر فكرة مشروع المخرجة جوليا لوكتيف بأكمله: حين تُصادَر الجغرافيا، تبقى الكاميرا والهاتف وسيلتَي التواصل الوحيدتَين.
مشروع لوكتيف، المعنون "My Undesirable Friends"، ليس فيلماً واحداً بل فيلمَين يبلغ مجموع مدّتهما نحو 12 ساعة، أي ما وصفته المخرجة نفسها بـ"نصف يوم" من المشاهدة. الجزء الأول، "Last Air in Moscow"، صدر عام 2025، وفيه وثّقت لوكتيف لحظة انهيار شبكة TV Rain، آخر منصة إخبارية مستقلة متبقية في روسيا. أما الجزء الثاني، "Exile"، المعروض حالياً في صالات مختارة عبر منصة Mubi، فيتتبّع مجموعة من الصحفيين المنشقّين — نساء في معظمهم — بعدما تفرّقوا في أنحاء أوروبا إثر غزو بوتين لأوكرانيا عام 2022.
من موسكو إلى اسطنبول: حكاية شبكة محاصَرة
وصلت جوليا لوكتيف، المخرجة الروسية الأمريكية المولودة في روسيا والمقيمة في نيويورك، إلى موسكو في خريف 2021، قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب. كانت كاميرتها هناك حين بدأ الانهيار الفعلي لـ TV Rain، الشبكة التي وصفها الكرملين بأنها منبر لـ"عملاء أجانب" بسبب تغطيتها الناقدة لحكم بوتين. بعد الغزو مباشرة، تفرّق الطاقم: أغلب الصحفيين فرّوا إلى اسطنبول أولاً، ومن هناك بدأ "الجزء الثاني" حكايته.
من بين هؤلاء، المذيعة السابقة في TV Rain آنّا نيمزر، التي تنقّلت من جورجيا إلى نيويورك. والصحفية إلينا كوستيوتشينكو، التي يُرجَّح أنها تعرّضت للتسميم من جانب الكرملين. أما كسينيا ميرونوفا وفاليريا راتنيكوفا — أصغر مذيعة في الشبكة — فقد فرّتا إلى اسطنبول فور ورود أنباء الغزو، وهما اليوم في نيويورك، حيث تشاركان هذا الأسبوع في جلسات نقاش (Q&A) مع الجمهور عقب عروض الفيلم. أما روزافين، فتبقى علاقته بغومينيوك معلّقة بين فيينا وأوكرانيا، لا تُدار إلا عبر شاشة صغيرة ورابط اتصال متقطّع.
اليوم، تعمل TV Rain من أمستردام، بعيداً عن موسكو التي ولدت فيها. ومعظم مذيعيها، بحسب لوكتيف، "أُعلنوا متطرّفين وإرهابيين في روسيا، وصدرت بحق كثيرين منهم أحكامٌ غيابية لمجرّد حديثهم عن جرائم الحرب". الحكومة الروسية، كما تقول، "تحاول باستمرار إيجاد طرق لحجب الشبكة"، وتعمد إلى إبطاء منصة YouTube نفسها، التي تبقى متاحة لكن بسرعة متعثّرة متعمَّدة، في ما تصفه لوكتيف بـ"لعبة القط والفأر" التي يهدف الكرملين من ورائها إلى منع الناس من معرفة الحقيقة.
كيف وصلت ميريل ستريب إلى هذه القصة؟
من بين تفاصيل المشروع التي قد تُفاجئ المشاهد العربي أن اسم الممثلة ميريل ستريب يظهر بين المنتجين التنفيذيين لـ"Exile"، إلى جانب المخرجة الوثائقية لورا بويتراس. والطريق الذي أوصل ستريب إلى هذا الفيلم يحمل طرافة لا تخلو من مصادفة، كما ترويها لوكتيف نفسها: "إنها قصة طريفة نوعاً ما".
قبل أن تبدأ العمل على "My Undesirable Friends"، كانت لوكتيف تعمل على فيلم روائي كان من المفترض أن ينتجه الممثل كولن فيرث، لكن المشروع انهار خلال جائحة كورونا. وحين بدأت أحداث فيلمها الوثائقي، عادت إلى فيرث طالبةً منه مشاهدة العمل، ثم اقترحت أن يرشّح اسماً لتقديمه، على أن يكون "امرأة، لأن الفيلم عن نساء"، كما تقول لوكتيف: "فقال: يمكنني إرسالها إلى ميريل. فقلت: سيكون ذلك رائعاً".
الرواية التي حملتها ستريب نفسها عن تلك اللحظة، بحسب لوكتيف، أن فيرث كتب لها: "عليكِ أن تشاهدي هذا الفيلم، إنه أساسي"، وهي عبارة جعلتها، في البداية، تتأفف. تقول لوكتيف ضاحكة: "حين تسمع كلمة 'أساسي'، تقول في نفسك: لا". لكن ستريب، رغم انشغالها، جلست احتراماً لفيرث لتشاهد خمس عشرة دقيقة فقط، وقامت بعد خمس ساعات ونصف الساعة. "إنها قصة لا تُصدَّق"، تضيف لوكتيف، "ثم عرضت المساعدة بأي شكل ممكن. فهي نوعٌ من الملاك الراعي".
ومنذ تلك اللحظة، لم يقتصر دور ستريب على التوقيع كمنتجة تنفيذية، بل ساعدت في الترويج للعرض الأول للفيلم في مهرجان البندقية، ولاحقاً خلال موسم الجوائز في الولايات المتحدة.
كاميرا واحدة، وامرأة واحدة، وهاتف iPhone
ما يميّز المنهج البصري الذي اعتمدته لوكتيف طوال سنوات التصوير أنها عملت بمفردها تماماً، من دون طاقم، مصوِّرةً حصرياً بكاميرا هاتف iPhone. تقول عن هذا الخيار: "حقيقة أنني كنت أصوّر وحدي من دون طاقم جعلت أمور الإنتاج أسهل بما لا يُقاس". فالتصوير الفردي أتاح لها حرية حركة لم يكن ليوفّرها أي طاقم تقليدي: "لا تحتاج إلى حجز طاقم... كنت أحياناً أستيقظ في نيويورك، ويحدث شيء ما في أوروبا، فأضطر إلى الاستيقاظ والذهاب إلى المطار والبدء بالتصوير فور نزولي من الطائرة. لا تحتاج إلى طاقم. أستطيع أن أدبّر لنفسي تذكرة وغرفة فندق. هذا يجعلك قابلاً للتنقّل والمرونة بشكل كبير حين تصوّر وحدك. غالباً لم أكن أعرف أن أمراً سيحدث إلا قبل يوم واحد، أو كان عليّ ببساطة أن أكون هناك".
هذا القرب الشديد من موضوعاتها هو ما يمنح الفيلم، بحسب لوكتيف، نبرته الإنسانية الخالية من التبسيط: "تحتاج إلى تعاطف وقليل من الفضول وحسّ الدعابة. كنت دائماً أفكر في أن يكون هذا فيلماً عن روسيا لأناسٍ لا يهتمّون بروسيا أصلاً أو لا يعرفون عنها شيئاً، من دون أن يكون الفيلم مبتذَلاً أو مبسَّطاً أكثر من اللازم. لكن إن أمضيت وقتاً مع مجموعة من الشابات الروسيات اللواتي اضطُررن لمغادرة بلدهن، تكتشف أموراً كثيرة لمجرّد وجودك معهن. الأمر أشبه بزيارة صديق في بلد آخر".
ما الذي يبقى حين تُغلَق كل المنافذ؟
هذا السؤال، الذي يحضر في كل عمل توثيقي يتناول الرقابة والمنفى، يجد في "Exile" إجابة مؤقتة وغير مكتملة: ما يبقى هو الشاشة الصغيرة، ومكالمة Zoom بين فيينا وأوكرانيا، وجلسة نقاش في نيويورك هذا الأسبوع يحضرها صحفيّتان فرّتا من اسطنبول قبل سنوات. أما الكرملين، فيواصل من جانبه إبطاء الإنترنت ومحاولة إسكات من تبقّى من أصوات TV Rain، في معركة لا تبدو أنها ستنتهي قريباً — ومع كل حلقة جديدة يُحجَب فيها منفذ، يُفتح منفذ آخر، ولو كان مجرّد كاميرا هاتف في يد امرأة واحدة قرّرت أن تبقى قريبة بما يكفي لتروي الحكاية.
أخبار ذات صلة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

ثلاث بيوت: كيف يوثّق الفن الأفارقة والسكّان الأصليّين على هامش فنزويلا

الفيلم الأسترالي الكلاسيكي "كادي" ينضم إلى Potential Films قبل عرضه في مهرجان لوميير
