جدري القردة المستمر خطر وطرق الوقاية والتطعيمات الضرورية
فيروس جدري القردة لا يزال ينتشر بمعدلات منخفضة لكنه قد يصبح مرضاً متوطناً في بعض الدول. تعرف على طرق العدوى، الأعراض، وأهمية التطعيم لمنع تفشيه مجدداً مع نصائح عملية للحماية من الفيروس عبر وورلد برس عربي.

لا يزال فيروس جدري القردة (Mpox) يتردّد عند مستوياتٍ منخفضة في الولايات المتحدة، لكنّ هذا «المستوى المنخفض» بدأ يأخذ طابعاً مختلفاً: فبعد أن تراجعت أعداد الإصابات بشكلٍ حاد عقب ذروة التفشي العالمي في صيف 2022، لم يختفِ الفيروس كلياً، بل استقرّ عند معدّلات تجعل بعض الباحثين يتحدّثون عن احتمال تحوّله إلى مرضٍ مُتوطِّن (Endemic) في البلاد. ألمانيا والبرتغال تواجهان الوضع نفسه تقريباً، إذ تسجّلان حتى الآن انتقالاً محلياً مستمراً للعدوى. والسؤال العملي الذي يطرحه هذا الواقع على القارئ ليس نظرياً: من يحتاج فعلياً إلى التطعيم اليوم، وماذا يفعل من يشتبه بأنه تعرّض للفيروس؟
من الجدري القردي؟ ولماذا تغيّر اسمه؟
جدري القردة (Mpox) مرضٌ مُعدٍ تسبّبه فيروساتٌ من عائلة الـ«بوكس فيروس» (Poxvirus)، وهي العائلة نفسها التي ينتمي إليها فيروس الجدري (Smallpox) الذي أُعلن القضاء عليه عالمياً. سُمّي المرض في الأصل «جدري القردة» بعد اكتشاف الفيروس في قرودٍ مأسورة في الدنمارك، إلا أنّ الدراسات اللاحقة رجّحت أنّ المستودع الحيواني البرّي الأساسي للفيروس هو على الأرجح القوارض والثدييات الصغيرة، لا القردة، وتتركّز هذه الحيوانات غالباً في غرب ووسط أفريقيا. على أساس هذا التصحيح العلمي، غيّرت منظمة الصحة العالمية اسم المرض رسمياً إلى «Mpox» في 2022.
تاريخياً، كان المرض متوطّناً في أفريقيا مع انتقالٍ مستمر في وسط القارة وشرقها وغربها. لكنّ تفشي 2022 كان استثنائياً: فقد انتشر الفيروس على نطاقٍ غير مسبوق في مناطق لم تكن تُسجّل فيها سوى حالاتٍ متفرّقة من قبل.
من الناحية الوبائية، تنقسم شجرة الفيروس إلى فرعين رئيسيين، «Clade I» و«Clade II». وقد اعتُبر الفرع الأول تاريخياً أكثر فتكاً، بمعدّل وفياتٍ قُدِّر بين 1.4% وأكثر من 10% بحسب التفشي، مقابل 0.1% إلى 3.6% للفرع الثاني. غير أنّ هذه التقديرات قد لا تعكس الصورة الكاملة، إذ يُرجَّح أنّ معدّل وفيات «Clade I» أقل ممّا كان يُعتقد سابقاً، مع انتشار الفرعين خارج أفريقيا. والدرس المنهجي هنا مهمّ: معدّل الوفيات في أي تفشٍّ لا يعكس خصائص الفيروس وحدها، بل يتأثّر أيضاً بجودة البنية الصحية، وسرعة الوصول إلى الرعاية الطبية، وعوامل الخطر الصحية في المجتمع المصاب وهو ما يفسّر جزئياً التفاوت الكبير بين تقديرات الوفيات من بلدٍ لآخر.
طرق العدوى.. ولماذا يبقى الاتصال الجنسي محوراً رئيسياً
ينتقل الفيروس من الحيوانات إلى الإنسان عبر العضّ أو الخدش، أو من خلال التلامس القريب أو ملامسة سوائل الجسم أثناء الصيد أو السلخ أو النصب أو الطهي أو الأكل أو التعامل مع الجثث الحيوانية. أمّا الانتقال بين البشر فيحدث أساساً عبر تلامسٍ وثيقٍ جداً، بما في ذلك الاتصال الجنسي، إذ يدخل الفيروس عبر الجلد المجروح أو الجهاز التنفسي أو الأغشية المخاطية في العينين والأنف والفم والشرج والأعضاء التناسلية. يمكن أيضاً أن ينتقل عبر اللعاب أو المخاط أو الدم، أو من خلال الملابس والأغطية الملوّثة بسوائل جسم شخصٍ مصاب. كما تلعب القُطيرات التنفسية الصغيرة أثناء الكلام أو التنفس دوراً في الانتشار، وإن كان أقل شيوعاً من التلامس القريب. وتشير بعض الأدلة إلى احتمال انتقال العدوى من أشخاصٍ لا تظهر عليهم أعراض، لكنّ مدى تكرار هذا النمط لا يزال غير واضح. ويمكن للعدوى أيضاً أن تنتقل من الأم إلى الجنين أثناء الحمل أو الولادة، وقد تؤدي إلى فقدان الحمل أو ولادة جنينٍ ميت أو وفاة المولود أو مضاعفاتٍ لدى الأم.
الأعراض: من الطفح الجلدي إلى المضاعفات الخطيرة
تظهر الأعراض عادةً خلال أسبوعٍ من التعرّض، لكنها قد تتأخّر حتى 21 يوماً، وتستمر المرحلة المرضية عادة بين أسبوعين وأربعة أسابيع، مع احتمال أن تطول المدة لدى من يعانون ضعفاً مناعياً. تشمل الأعراض الشائعة الطفح الجلدي والحمى والتهاب الحلق والصداع وآلام العضلات وأسفل الظهر وتورّم الغدد الليمفاوية والشعور بانخفاض الطاقة. يبدأ الطفح غالباً من الوجه قبل أن ينتشر إلى مناطق أخرى، لكنه في الحالات المنقولة جنسياً قد يبدأ حول الأعضاء التناسلية. يمرّ الطفح بمراحل متتالية: بقع مسطّحة متغيّرة اللون، ثم نتوءات بارزة، فبثور، فبثور مملوءة بالصديد، تتحوّل أخيراً إلى قشورٍ تتساقط.
بعض المرضى يصابون بتورّمٍ مؤلم في المستقيم (التهاب المستقيم)، أو بصعوبة وألمٍ عند التبوّل، أو بألمٍ وصعوبةٍ في البلع. كما يترك الطفح الجلدي المريض عرضةً للعدوى البكتيرية الجلدية التي قد تسبّب خراجات أو تلفاً جلدياً خطيراً. ومن المضاعفات المحتملة أيضاً الالتهاب الرئوي، والتهاب القرنية الذي قد يؤدي إلى فقدان البصر، إضافةً إلى القيء والإسهال اللذين قد يسبّبان جفافاً أو سوء تغذية. وفي الحالات الشديدة، قد تحدث التهابات دمٍ وإنتان، ونادراً التهاب الدماغ أو عضلة القلب. وتبقى فئاتٌ أكثر عرضةً للمرض الشديد والوفاة، وهي الأطفال والحوامل والأشخاص ذوو المناعة الضعيفة، ومن بينهم المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) الذي يُعدّ أحد الأسباب المحتملة لضعف المناعة المرتبط بارتفاع الخطر.
تقول منظمة الصحة العالمية: «الرعاية المبكرة والداعمة مهمّة للمساعدة على إدارة الأعراض وتجنّب المشاكل الإضافية».
من يحتاج إلى لقاح JYNNEOS؟
اللقاح المستخدم حالياً في الولايات المتحدة يحمل اسم JYNNEOS. وتُظهر التقديرات أنّ الجرعة الواحدة منه توفّر فعاليةً تتراوح بين 35% و86%، بينما ترتفع الفعالية مع إتمام السلسلة الكاملة من اللقاح إلى ما بين 66% و90%. هذا التفاوت الواسع في الأرقام ليس خللاً منهجياً بقدر ما هو انعكاسٌ لتركيبة العيّنات المدروسة؛ إذ تشمل الدراسات أشخاصاً مصابين وآخرين غير مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، وقد أظهرت دراسةٌ نُشرت في «ذا لانسيت» (The Lancet) أنّ العدوى بفيروس نقص المناعة البشرية غير المُعالَجة بشكلٍ كافٍ يمكن أن تُضعف استجابة الجسم للقاح وهو عاملٌ يفسّر جزءاً من التباين بين الدراسات.
لا توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) حالياً بالتطعيم الروتيني لعامّة السكان، على اعتبار أنّ درجة الخطر خارج الفئات الأكثر عرضةً لا تبرّر تطعيماً شاملاً. فالتفشي الحالي يصيب أساساً الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال، وهم الفئة المستهدفة الأولى بالتطعيم بلقاح JYNNEOS، وتحديداً من استوفوا معايير خطرٍ محدّدة خلال الأشهر الستة الأخيرة: وجود أكثر من شريكٍ جنسي، أو ممارسة الجنس في أماكن الجنس التجاري، أو تشخيص إصابةٍ بمرضٍ منقولٍ جنسياً آخر. كما يُوصى بجرعتين من اللقاح للأشخاص غير الثنائيي الجنس والمتحوّلين جنسياً الذين تنطبق عليهم عوامل الخطر نفسها، وكذلك لشركاء الأشخاص المنتمين إلى هذه الفئات. أمّا من تلقّى الجرعتين بالفعل، فيُعتبر مُحصَّناً بالكامل ولا يحتاج إلى جرعةٍ منشّطة، باستثناء العاملين في المختبرات الذين يتعاملون مباشرة مع الفيروس. كذلك فإنّ من أصيب سابقاً بالمرض وتعافى منه لا يحتاج إلى التطعيم.
يقول الدكتور ديمتري داسكالاكيس، كبير الأطباء في مركز Callen-Lorde الصحي المجتمعي في نيويورك: «بالنسبة لمن هم مؤهّلون ولم يُكملوا بعد التطعيم، فإنّ الوقت الحالي مناسبٌ للتحدّث مع مقدّم رعايةٍ صحية بشأن الحصول على الحماية».
ماذا تفعل إن اشتبهت بالتعرّض؟
يبقى السؤال العملي الأهمّ لمن يشتبه بتعرّضه للفيروس هو توقيت التطعيم. فاللقاح بعد التعرّض المعروف بالوقاية بعد التعرّض (PEP) يمكن أن يمنع الإصابة أو يخفّف شدّة الأعراض إن أُعطي في الوقت المناسب. وتوصي مراكز السيطرة على الأمراض بإعطائه في أقرب وقتٍ ممكن، ومن الأفضل خلال أربعة أيامٍ من التعرّض، مع الإشارة إلى أنّ إعطاءه بين اليوم الرابع واليوم الرابع عشر قد يوفّر حمايةً جزئية. وتنصّ توصيات المراكز حرفياً: «ينبغي إعطاء لقاح ما بعد التعرّض في أقرب وقتٍ ممكن، ومن الأفضل خلال أربعة أيام من التعرّض؛ وقد يوفّر إعطاؤه بين اليوم الرابع واليوم الرابع عشر بعد التعرّض بعض الحماية من الجدري القردي».
العلاج والوقاية: لا توجد أدوية معتمَدة بعد
لا تزال الأدوية المضادة للفيروسات المخصّصة لجدري القردة غير معتمَدة رسمياً، وإن كانت بعضها متاحاً للاستخدام الطارئ في عددٍ من الدول، بما فيها الولايات المتحدة التي تسمح باستخدام بعض أدوية الجدري لعلاج هذا المرض. أمّا الحالات الشديدة فقد تُعالَج بمحلول الغلوبولين المناعي الوريدي المضاد للجدري (Vaccinia immune globulin intravenous)، وهو محلولٌ يحتوي على أجسامٍ مضادة مأخوذة من أشخاصٍ محصّنين ضدّ الجدري. وبشكلٍ عام، يبقى العلاج المتاح حالياً داعماً بالأساس: إدارة الطفح الجلدي والألم، والعمل على منع المضاعفات، لا القضاء المباشر على الفيروس.
على صعيد الوقاية، تبقى الإجراءات البسيطة فعّالة: غسل اليدين بتكرار، وتجنّب الأدوات أو الأسطح الملوّثة، وتفادي ملامسة قشور أو طفح جلد الآخرين. أمّا الواقي الذكري فقد يقلّل من خطر التعرّض الجنسي للفيروس، لكنه لا يُلغيه تماماً. ويظلّ لافتاً، من زاوية تاريخ اللقاحات، أنّ اللقاحات التي طُوّرت أصلاً للوقاية من الجدري قادرة أيضاً على حماية الجسم من الجدري القردي وهو ما يفسّر استمرار الاعتماد على لقاحاتٍ مشتقّة من تلك التقنية حتى بعد القضاء على الجدري نفسه عالمياً.
تبقى الصورة العامة اليوم أقرب إلى مرضٍ يُدار لا مرضٍ يُستأصل: فيروسٌ يتردّد عند مستوياتٍ منخفضة لكنه ثابت في عدّة دول، ونظام مراقبةٍ يعتمد على استهداف الفئات الأكثر عرضةً للخطر بدل التطعيم الشامل. وهذا بالضبط ما يجعل الوعي الفردي بمعايير الخطر، وتوقيت التطعيم بعد التعرّض، أكثر أهمّيةً من أي وقتٍ مضى بالنسبة لمن يعيش ضمن الفئات المعنية — بصرف النظر عن المكان الذي يقيم فيه.
أخبار ذات صلة

هرمون الذكورة لأعراض انقطاع الطمث: هل يستحقّ الإقبال المتزايد عليه؟

الرحلات إلى المريخ قد تُضعف القلب البشري

علاج الديدان الشريطية قد يخفّف الانتباذ البطاني الرحمي.. دراسة على الفئران
