وورلد برس عربي logo

اكتشاف أبعد بلازار يكشف أسرار الكون القديم

اكتشف علماء الفلك بلازار OP 313 الأبعد والأقدم من نوعه، ينقل ضوءه عبر 8 مليارات سنة ليكشف أسرار نشاط الكون القديم وآلية تسريع الجسيمات في نوى المجرات. قراءة فريدة لفهم تطور الكون مع وورلد برس عربي.

خريطة سماوية تظهر توزيع أشعة غاما مع نقاط خضراء تمثل بلازارات، بما في ذلك بلازار OP 313 الأبعد والأقدم المكتشف عبر تلسكوبات روكي دي لوس موتشاتشوس.
تُظهر هذه الخريطة مواقع 150 من المتوهجات النشطة (النقاط الخضراء) المستخدمة في دراسة الخلفية الكونية للإشعاع الضوئي. الصورة منشورة في 1 نوفمبر 2012. (حقوق الصورة: ناسا/وزارة الطاقة/تعاون فيرمي لات)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-بلغ الضوء القادم من هذا الجرم الكوني إلى تلسكوبات الأرض بعد رحلةٍ استغرقت 8 مليارات سنة، لينقل معه شهادةً مباشرة على ما كانت عليه مجرّات الكون الفتيّ قبل أن يهدأ إيقاعه الحالي. هذه الشهادة هي "بلازار OP 313"، الذي أعلن فريقٌ دولي من الفلكيين أنه الأبعد والأقدم من نوعه على الإطلاق، بعدما رصدوا فيه انفجاراً هائلاً من أشعّة غاما فائقة الطاقة يعود إلى إحدى أكثر مراحل تاريخ الكون نشاطاً.

والبلازار، لمن لا يألف المصطلح، هو نوعٌ من الكوازارات (Quasars) تصطفّ نفّاثاته البلازمية بشكلٍ مباشر على خط النظر من الأرض، ما يجعل إشعاعها أكثر وضوحاً للرصد. ونفّاثات OP 313 تحديداً موجّهة نحونا مباشرة، وهو ما سمح للفريق البحثي بالتقاط إشاراتها بدقّةٍ غير معتادة رغم المسافة الفلكية الهائلة.

كيف جرى الرصد؟

بدأت القصة في ديسمبر 2023، حين لاحظ الفلكيون للمرّة الأولى انبعاث أشعّة غاما من هذا المصدر البعيد. ولمتابعة الإشارة والتأكّد من خصائصها، استُخدم تلسكوب LST-1 النموذجي إلى جانب تلسكوب MAGIC، وكلاهما يقع في مرصد روكي دي لوس موتشاتشوس (Roque de los Muchachos) في جزيرة لا بالما الإسبانية. وقد مكّنت هذه المتابعة الفريق من تحديد أنّ الإشعاع صادرٌ عن جرمٍ يُرى كما كان عليه بعد 5 مليارات سنة من الانفجار العظيم، أي في مرحلةٍ يصفها الباحثون بأنها كانت ذروة الحيوية الكونية.

يقول عضو الفريق البحثي أكسل أربيه-إنغلز: "قبل نحو 11 مليار سنة، مرّ الكون بفترة نشاطٍ ذروي تُعرف بـ'ظهيرة الكون الكونية'، تميّزت بمعدّلٍ مكثّف لتشكّل النجوم والمجرّات". ويضيف موضحاً ما تلا ذلك: "حين تباطأت هذه المرحلة من النشاط المكثّف وبدأت المجرّات تتطوّر وتنضج، دخل الكون مرحلةً أكثر هدوءاً، وهي المرحلة التي ما زلنا نعيش فيها حتى اليوم".

ثقب أسود فائق الكتلة في مركز بلازار OP 313 ينبعث منه نفاث بلازما عالي الطاقة وأشعة غاما، يمثل أقدم وأبعد نواة مجرية نشطة تم رصدها.
Loading image...
رسم توضيحي لمتوهج نجم نشط مدعوم بثقب أسود فائق الضخامة (حقوق الصورة: روبرت ليا (تم الإنشاء باستخدام كانفا))

محرّك الجسيمات في قلب المجرّة

في صميم ظاهرة OP 313 يكمن ثقبٌ أسود فائق الكتلة، وهو نوعٌ من "النوى المجرّية النشطة" (AGN)، أي مناطق يتغذّى فيها الثقب الأسود على الغاز والغبار المحيط به. الجاذبية وحدها كافية لجعل هذا الغاز يتوهّج بشدّة، لدرجة أن هذه النوى قد تفوق في سطوعها مجموع نجوم مجرّتها المضيفة بأكملها. أمّا المادة التي لا يبتلعها الثقب الأسود، فتُوجَّه نحو قطبيه وتُقذَف على هيئة نفّاثتين من البلازما بسرعةٍ تقارب سرعة الضوء.

تحليل أشعّة غاما القادمة من OP 313 أظهر أنّ هذا الثقب الأسود يعمل فعلياً كمسرّعٍ كوني للجسيمات، إذ تُغذّى الانبعاثات المكثّفة بكثافةٍ عالية من الإلكترونات النسبية المتحرّكة بسرعاتٍ قريبة من سرعة الضوء. ويشرح دومينيكو ديلّا فولبي، الباحث في جامعة جنيف، الآلية المعروفة في الفيزياء الفلكية بـ"السيناريو اللبتوني" قائلاً: "في ما يُعرف بالسيناريو اللبتوني، تُسرَّع الإلكترونات إلى سرعاتٍ قريبة من سرعة الضوء داخل نفّاثة بلازمية قوية يقذفها الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز OP 313". ويضيف: "عند اصطدام هذه الإلكترونات بفوتوناتٍ أقلّ طاقة تحيط بالثقب الأسود، تنقل الإلكترونات جزءاً من طاقتها الكبيرة إلى هذه الفوتونات، فتدفعها إلى مستوياتٍ من الطاقة مطابقة لأشعّة غاما فائقة الطاقة".

ما الذي تكشفه رحلة الضوء عبر 8 مليارات سنة؟

لم تصل أشعّة غاما من OP 313 إلى الأرض سالمةً تماماً، فقد قطعت مسافة 8 مليارات سنة ضوئية تفاعلت خلالها مع ما يُعرف بالإشعاع الخلفي خارج المجرّي (EBL)، وهو تراكمٌ من الإشعاع الصادر عن النجوم والمجرّات ونوىً مجرّية نشطة أخرى على امتداد التاريخ الكوني. هذا التفاعل بين فوتونات غاما وهذا "الضوء الأحفوري" يُنتج أزواجاً من الإلكترون والبوزيترون عبر عملية تُعرف بـ"إنتاج الأزواج" (Pair Production)، وهي عملية تُنقص عدد فوتونات غاما في الإشارة الأصلية. وقد تمكّن تلسكوبا LST-1 وMAGIC من توصيف دقيق لهذا التناقص في إشارة OP 313، ما أتاح للفريق قراءة أثر رحلة الضوء الطويلة على الإشارة نفسها، إلى جانب خصائص المصدر في لحظة انبعاثها.

نُشرت نتائج هذا العمل البحثي يوم الثلاثاء (6 أكتوبر) في دورية Astronomy & Astrophysics المتخصّصة، وهي من الدوريات المحكّمة المعروفة في مجال الفيزياء الفلكية الرصدية. كما أصدرت جامعة جنيف، التي ينتمي إليها أحد الباحثين الرئيسيين، بياناً توضيحياً حول الاكتشاف.

قيمة هذا الرصد لا تقتصر على كسر الرقم القياسي للمسافة والعمر، بل تمتدّ إلى فهمٍ أدقّ لآلية عمل الكوازارات، التي تُعدّ من بين أقوى الظواهر الكونية التي رصدتها البشرية على الإطلاق. فكلّما تمكّن الفلكيون من دراسة مصادر أقدم وأبعد تعود إلى "ظهيرة الكون"، أمكن اختبار النماذج النظرية لتسارع الجسيمات وتطوّر النوى المجرّية النشطة في بيئةٍ كونية لم تعد موجودة اليوم. والسؤال الذي يترك هذا الاكتشاف مفتوحاً هو: كم عدد البلازارات المشابهة التي ما زالت تنتظر رصداً أدقّ من الجيل القادم من التلسكوبات، وماذا ستكشف عن الحقبة التي شكّلت فيها الثقوب السوداء الفائقة الكتلة ملامح الكون المبكر؟

أخبار ذات صلة

Loading...
حفرة ماريوس هيل على سطح القمر، مدخل محتمل لنفق بركاني قد يوفر مأوى طبيعيًا لرواد الفضاء وفق مشروع ناسا GIMLI.

اكتشاف كهوف القمر السرية: مشروع NASA الجديد

تسعى ناسا لاكتشاف ملاذ طبيعي في حفرة ماريوس هيل على القمر لحماية رواد الفضاء من الإشعاع والبرد القارس. اكتشف كيف يفتح مشروع GIMLI آفاق الاستيطان القمري المستقبلية وكن جزءاً من الرحلة العلمية المثيرة.
علوم
Loading...
وميض راديوي سريع قادم من مجرة بعيدة على بعد أكثر من 10 مليارات سنة ضوئية، يمثل أبعد إشارة رُصدت باستخدام تقنيات الفلك الحديثة.

تلسكوب جيمس ويب يرصد أبعد "انفجار راديوي سريع" في الكون، يتجاوز الرقم القياسي السابق

في اكتشاف فلكي مذهل، رصدت فرقة دولية أبعد ومضة راديوية سريعة من مجرة بعيدة عمرها 3 مليارات سنة، باستخدام تلسكوب جيمس ويب. تعرف على أسرار الكون المبكر وكن جزءاً من رحلة البحث المستمرة. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
خريطة حرارة سطح المحيط الهادئ تُظهر ارتفاع درجة حرارة منطقة نينيو 3.4 إلى أكثر من 30 درجة مئوية، مما يشير إلى ظاهرة نينيو قوية وغير مسبوقة.

المحيط الهادئ الأوسط يسجل قطيعة قياسية في درجات الحرارة.. وخبراء يرجحون مؤشراً لنوع جديد من النينيو

تسجل منطقة نينيو 3.4 ارتفاعاً قياسياً في حرارة سطح المحيط الهادئ، ما ينبئ بقوة غير مسبوقة لظاهرة النينيو وتأثيرها الكبير على الطقس العالمي. اكتشف المزيد عن هذه الظاهرة وتأثيراتها الآن!
علوم
Loading...
بانوراما لشروق الشمس على منحدرات جبل شارب في المريخ، تُظهر تضاريس صخرية تكشف تاريخ المريخ المائي.

شروق الشمس على المريخ | صورة الفضاء ليوم 8 أكتوبر 2026

تلتقط مركبة Curiosity على المريخ مشاهد ساحرة لجبل شارب تكشف أسرار المياه القديمة وتاريخ التضاريس. اكتشف كيف يغير هذا المشهد فهمنا للكوكب الأحمر واستمر في متابعة الرحلة العلمية!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية