جدري القردة في أمريكا بين التوطّن والتحديات الصحية
جدري القردة في الولايات المتحدة لم يعد وباءً مفاجئاً بل قد يصبح مرضاً متوطناً ينتقل داخل شبكة محدودة من الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال. التطعيم والمناعة لا تزالان أقل من المطلوب مما يهدد استمرار انتقال الفيروس محلياً وورلد برس عربي يشرح التفاصيل.

لم يعُد وباء جدري القردة (Mpox) عنواناً عاجلاً في الولايات المتحدة كما كان في صيف 2022، حين اجتاح المرض عشرات الآلاف من الحالات في بلدانٍ لم يكن يُعرف فيها سوى كحالاتٍ نادرة مرتبطة بالسفر أو بالحيوانات المستوردة من دول أفريقية موبوءة. لكنّ الاختفاء من دائرة الاهتمام الإعلامي شيء، واختفاء الفيروس من الواقع الوبائي شيءٌ آخر تماماً. فبيانات حديثة تشير إلى أنّ الولايات المتحدة ربما تكون بصدد الانتقال من مرحلة التفشّي العابر إلى وضعٍ أقرب إلى التوطّن (Endemicity) — أي استمرار دوران الفيروس بشكلٍ منتظم داخل المجتمع، لا كموجةٍ تنتهي، بل كحالةٍ تتكرّر.
تقريرٌ نُشر في أغسطس ضمن مجلة «تقرير الاعتلال والوفيات الأسبوعي» (MMWR) التابعة لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية (CDC)، تحت عنوان "مراقبة فيروس جدري القردة في الولايات المتحدة، 2024-2025" (المجلّد 75، الصفحات 406-412)، وثّق 2800 حالة في عام 2024، وأكثر من 2500 حالة في 2025. اللافت أنّ نسبةً ضئيلة فقط من هذه الحالات كانت مرتبطة بالسفر، بينما كان النمط الغالب هو الانتقال المحلّي المستمرّ. كما أظهر تحليل العيّنات الفيروسية أنّ السلالة التي أشعلت تفشّي 2022 لا تزال هي السلالة الأمّ لقرابة جميع العيّنات المدروسة.
ما الذي يعنيه "التوطّن" فعلياً؟
لا يوجد حدٌّ رسمي يُحدّد متى يصبح فيروس جدري القردة (MPXV) "متوطّناً" في الولايات المتحدة. يقول ريان ستاندفورد، عالِم الأوبئة في فرع الفيروسات الجدرية وداء الكلب التابع لـCDC، أحد مُعِدّي التقرير: "لا يوجد حدٌّ مُحدَّد لما يُشكّل توطّن فيروس جدري القردة في الولايات المتحدة، لكنّ كلّ عام يقدّم مزيداً من الأدلّة على هذا التحوّل".
والأرقام الأحدث لا تبدّد الغموض بل تُبقيه قائماً: فحتى الآن من عام 2026، سجّلت الولايات المتحدة ما يُقارب 1000 حالة وفق بيانات CDC، مع اتجاهٍ عام نحو الانخفاض شهراً بعد آخر. يقول جويل ويرتهايم، أستاذ الطب في شعبة الأمراض المعدية والصحة العامة العالمية بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو: "لا توجد إشارة إلى أننا نعود إلى مستويات 2022"، لكنه يضيف وصفاً أكثر دلالةً على الحالة الراهنة: "نبدو وكأننا على حافّة شفرة بين التوطّن والانقراض... وليس واضحاً تماماً إلى أيّ جهةٍ سيميل الأمر".
شبكة انتقال واحدة، متماسكة، ومحدودة الاتساع
يبقى جدري القردة في الولايات المتحدة مرضاً يصيب بشكلٍ غالب الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال وشركاءهم الجنسيين، وهو النمط الذي تستند إليه توصيات التطعيم الأمريكية الحالية. لكنّ هذا لا يعني، كما يوضّح ويرتهايم، أنّ هذه الفئة أكثر عرضةً بطبيعتها للعدوى؛ فالتفسير يكمن في منشأ التفشّي واستمراره داخل شبكةٍ جنسية واحدة، لا في أيّ خاصيةٍ بيولوجية.
ورقة بحثية نُشرت عام 2025 وصفت ديناميكيات انتقال المرض في مدينة نيويورك إبّان تفشّي 2022، ورصدت عناقيد عدوى "شديدة الترابط" (densely connected)، تلتها موجة انخفاض في الحالات مع اكتساب أفراد الشبكة مناعةً عبر العدوى والتطعيم معاً. يقول ويرتهايم إنّ الفيروس ظلّ إلى حدٍّ كبير محصوراً داخل الشبكة ذاتها، دون أن يتسرّب فعلياً إلى مجموعاتٍ جديدة، في عبارةٍ لافتة: "فيروس جدري القردة أعاد اكتشاف شبكة الانتقال ذاتها التي سبق لفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) أن استكشفها قبل عقود". ومن منظورٍ تطوّري وبيئي، يصف ويرتهايم نجاح الفيروس بأنه محدود: "ليس نجاحاً بيئياً كبيراً... إنه بالكاد متشبّثٌ بالبقاء كمرضٍ ينتقل جنسياً".
فجوة التطعيم التي لا أحد يتابعها بدقّة
هنا يكمن جوهر المشكلة من منظور الصحة العامة. مركز التنبؤ وتحليل الأوبئة التابع لـCDC بنى نموذجاً لتقدير مستوى المناعة اللازم لوقف الانتقال، معتمداً على تقدير عدد السكّان المعرّضين للخطر بنحو مليونَي شخص — وهو رقمٌ يضمّ الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال ويتناولون أدوية الوقاية من HIV أو يعيشون بالفيروس، مضافاً إليهم 25% إضافية تمثّل بقية أفراد الشبكة الجنسية ذاتها.
وفق هذا النموذج، فإنّ منع تفشٍّ أكبر من تفشّي 2022 يتطلّب مناعة تتراوح بين 21% و35% من هذه الفئة، بينما تشير التقديرات إلى أنّ تجاوز عتبة 50% يعني "احتمالاً ضئيلاً جداً" لاستمرار الانتقال المحلّي. والمشكلة أنّ أعداد الحالات الحالية تُشير إلى أنّ المناعة لم تبلغ بعد 50%، أي ما يُقارب مليون شخص.
الصورة تزداد ضبابيةً عند النظر إلى سجلّات التطعيم ذاتها: فمعلومات حالة التطعيم كانت مفقودة في نحو 62% من الحالات المُبلَّغ عنها. وبين الحالات المعروفة الحالة التطعيمية، كان 76% غير مُلقّحين، و10% تلقّوا جرعةً واحدة فقط، فيما أكمل 14% فقط الجرعتَين. وفي عيّنةٍ فرعية ضمّت 860 حالة، كان احتمال دخول غير المُلقّحين إلى المستشفى أعلى بنحو 10 أضعاف مقارنةً بمن أكملوا التطعيم الكامل.
ولقاح JYNNEOS، وهو لقاحٌ من جرعتَين، تتراوح فعاليته الكاملة بين 66% و90%. ومع ذلك، تقول راشيل روبر، أستاذة في جامعة إيست كارولاينا، إنّ اللقاح "يُقلّل من خطر الإصابة الشديدة بجدري القردة لكنّه ليس مثالياً"، موضحةً أنّه يُولّد مناعةً جهازية لكنّه يوفّر حمايةً أقلّ عند الأغشية المخاطية — في العينَين والأنف والفم والشرج والأعضاء التناسلية — وهي المداخل التي يمكن للفيروس أن يدخل عبرها إلى جانب الجلد المتشقّق والجهاز التنفّسي. وبما أنّ الانتقال الجنسي يشمل بطبيعته هذه الأغشية، فإنّ هذا قد يُفسّر جزئياً استمرار الانتشار رغم توفّر اللقاح.
المفارقة أنّ تتبّع هذه الفجوة أصبح أصعب مع الوقت. توقّفت CDC عن تتبّع اتجاهات التطعيم الوطنية مطلع 2024، حين كانت نسبة التغطية الكاملة للفئة المعرّضة للخطر نحو 23% فقط. وفي ولاية نيويورك تحديداً، كان الأطباء مُلزَمين سابقاً بإبلاغ وزارة الصحة بحالات التطعيم، لكنّ هذا الإبلاغ أصبح طوعياً الآن، وفق ما أوضحه متحدّث باسم وزارة الصحة بولاية نيويورك. يقول ويرتهايم بوضوح: "على حدّ علمي، لا يوجد إبلاغٌ إلزاميّ عن بيانات تطعيم جدري القردة".
حين يتراجع الانتباه العام، ماذا يحدث للفيروس؟
يربط الدكتور ديميتري داسكالاكيس، كبير الأطباء في عيادة Callen-Lorde المتخصّصة في صحة مجتمع الميم، بين تراجع الحالات الظاهر وتراجع الانتباه العام بشكلٍ متوازٍ: "مع خفوت مرحلة الطوارئ عن اهتمام الجمهور، ربما يكون الوعي وإدراك المخاطر قد تراجعا". ويذهب أبعد من ذلك، مشيراً إلى أنّ وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية (HHS) أزالت في الأسابيع الأخيرة بعض الإرشادات المُبسَّطة حول جدري القردة، وهو ما يصفه بأنه "غير مُفيد في دعم الرسائل التوعوية"، ويربط ذلك بموقف الحكومة الفيدرالية العام تجاه قضايا صحة مجتمع الميم.
يُضاف إلى ذلك عاملٌ أكثر تعقيداً من الناحية الوبائية: احتمال انتقال العدوى من أشخاصٍ لا تظهر عليهم أعراض، وهو ما يذكره داسكالاكيس باعتباره مساراً صعب الرصد يُعقّد جهود القضاء على الانتقال المحلّي للمرض. ويحذّر ستاندفورد من أنّ منع التوطّن بشكلٍ كامل "قد يُصبح أمراً أصعب تدريجياً"، لأنّ الفيروس أصبح راسخاً فعلياً داخل بعض الشبكات الجنسية الأمريكية. ويختصر ستاندفورد المعادلة بقوله: "تغطية التطعيم عاملٌ بالغ الأهمية، لكنّه ليس العامل الوحيد".
ثمّة بُعدٌ آخر يتجاوز اللقاح والتوعية، يتعلّق بتمويل منظومة الاستجابة نفسها. يُشير داسكالاكيس إلى أنّ تخفيضات التمويل الفيدرالي قد تطال برنامج Medicaid، وخدمات الصحة النفسية، وبرامج الإسكان، وخدمات مكافحة HIV — ومن بينها برنامج Ryan White لمكافحة HIV/الإيدز، الذي يُستشهد به كمثالٍ مباشر على البنية التحتية المُهدَّدة.
دور عيادات المجتمع في سدّ الفجوة
في ظلّ هذا التراجع المؤسّسي، يبرز دور الفاعلين المحليّين. تُدمج عيادة Callen-Lorde، التي تخدم مجتمع الميم مباشرة، محادثات التطعيم ضدّ جدري القردة ضمن الزيارات الروتينية، وخدمات الصحة الجنسية، وبرامج الوقاية من HIV، وأنشطة التوعية الميدانية. يُلخّص داسكالاكيس الدرس المُستفاد من تجربة 2022 بعبارةٍ واحدة: "الرسل الموثوقون مهمّون"، مضيفاً أنّ عيادته "تعمل عن قرب مع مجتمعات الميم وتُتيح المعلومات وفرص التطعيم في الأماكن التي يتلقّى فيها الناس الرعاية أصلاً".
ويتّفق ستاندفورد على أنّ التوعية بطرق الانتقال وسُبل تقليل المخاطر لا تقلّ أهميةً عن التطعيم ذاته، بينما يُشدّد داسكالاكيس على ضرورة استمرار الاستثمار في قدرات المراقبة الوبائية والتطعيم والفحص والعلاج التي تمّ توسيعها عام 2022 — مع تأكيده أنّ لقاح JYNNEOS لا يزال متوفّراً تجارياً للعيادات وبكمياتٍ كافية.
يبقى السؤال معلّقاً كما تركه ويرتهايم: هل يميل الميزان نحو الانقراض التدريجي للفيروس، أم نحو ترسّخه كجزءٍ دائم من المشهد الوبائي الأمريكي؟ الإجابة، وفق كلّ من تحدّث في هذا الملف، لا تتوقّف فقط على سلوك الفيروس بل على قرارات السياسة الصحية: هل تستمرّ برامج المراقبة والتطعيم بالزخم ذاته، أم يُترك الأمر لانحسار الاهتمام العام ليحدّد المسار؟ فكما يُذكّر داسكالاكيس: "استمرار دوران الفيروس يُؤكّد الحاجة إلى جهود وقاية مستدامة بدل اعتبار جدري القردة قضيةً صحية محسومة"، لأنّ "الأمراض المعدية لا تختفي لمجرّد أنّ الاهتمام العام تحوّل عنها".
هذا المقال لأغراض إعلامية ولا يُغني عن الاستشارة الطبية المتخصّصة.
أخبار ذات صلة

هرمون الذكورة لأعراض انقطاع الطمث: هل يستحقّ الإقبال المتزايد عليه؟

الرحلات إلى المريخ قد تُضعف القلب البشري

علاج الديدان الشريطية قد يخفّف الانتباذ البطاني الرحمي.. دراسة على الفئران
