سر اليدوية الجزيئية وأثرها في فعالية الأدوية
اكتشف كيف يحدد الشكل الجزيئي لدواء فعاليته وسلامته عبر جائزة نوبل للكيمياء التي تبرز تأثير اليدوية الجزيئية على صناعة الأدوية ودور التفاعلات الكيميائية في اختيار الحياة لشكل جزيئي واحد فقط وورلد برس عربي

حين يحصل دواءٌ على موافقة هيئة تنظيمية، نادراً ما يتساءل المريض عن الشكل الهندسي الدقيق لجزيئاته. لكنّ هذا التفصيل، الذي يبدو تقنياً بحتاً، قد يفصل أحياناً بين دواءٍ فعّال وآخر عديم الأثر أو حتى ضارّ. هذا بالضبط ما يضع جائزة نوبل للكيمياء هذا العام في قلب النقاش الصحي، لا الكيميائي وحده: فازَ بها Henri Kagan من جامعة باريس-سود (University of Paris-Sud) و Kenzo Soai من جامعة طوكيو (Tokyo University)، تقديراً لعملهما في إظهار أنّ التفاعلات الكيميائية يمكن أن تُنتِج فائضاً كبيراً من شكلٍ جزيئي واحد بدلاً من مزيجٍ متساوٍ من الشكلين.
ما الذي تعنيه "اليدوية الجزيئية"؟
كثيرٌ من الجزيئات تملك صورتين متطابقتين كيميائياً لكنهما مرآة بعضهما البعض، تماماً كاليد اليمنى واليد اليسرى. يُطلق العلماء على هذه الخاصية اسم "الكيرالية" (Chirality)، ويُصنّفون الشكلين بـ"D" (دكسترو) و"L" (ليفو). والمعضلة أنّ معظم التفاعلات الكيميائية التقليدية تُنتِج خليطاً متساوياً تماماً من الشكلين، 50% لكلٍّ منهما، بينما تعتمد الحياة نفسها على شكلٍ واحدٍ فقط من كثيرٍ من هذه الجزيئات. فالسكريات في الكائنات الحية كلّها من الصورة D، والإنزيمات غالباً عاجزة عن التفاعل مع الصورة المرآتية L. أمّا الأحماض الأمينية، فتوجد في الصورتين معاً، وإن كانت الحياة تعتمد على واحدةٍ منهما دون الإشارة في الأدبيات إلى أيّهما بدقة في هذا السياق.
هذا التفضيل ليس تفصيلاً نظرياً: الإنزيمات تعمل عبر مواقع ارتباطٍ مصمَّمة لتناسب شكلاً كيميائياً محدداً وأقرباءه المباشرين، والجزيء المرآتي قد لا يلائم ذلك الموقع إطلاقاً. وهنا تحديداً تكمن أهمية الاكتشاف بالنسبة للصيدلة: بعض الأدوية تكون صورتها "الخطأ" غير فعّالة، وأخرى قد تكون ضارة فعلياً. فالقدرة على التحكّم في يدوية الجزيء أثناء التصنيع ليست رفاهية كيميائية، بل شرطٌ لسلامة المريض وفعالية العلاج.
من نظرية فرانك إلى تجارب كاغان
قبل أن يصل كاغان وسواي إلى نتائجهما التجريبية، كان الفيزيائي والمنظّر Frederick Charles Frank قد اقترح آلياتٍ نظرية يمكن من خلالها لتفضيلٍ كيرالي صغير أن يتضخّم إلى فائضٍ كبير. من بين الآليات التي طرحها: التحفيز التفضيلي، والتحفيز الذاتي، وتثبيط تكوّن الشكل المعاكس. اقترح أيضاً أنّ تفاعلاً عكسياً غير حساسٍ لليدوية، مقترناً بتفاعلٍ أمامي متأثرٍ بها، يمكن أن يُراكِم فائضاً من شكلٍ واحد مع مرور الوقت. لجنة جائزة نوبل نفسها أشارت إلى أنّ فرانك كان سيُشارك على الأرجح في الجائزة لو كان حياً.
جاء هنري كاغان ليُحوّل هذه الفرضيات إلى واقعٍ تجريبي. وصف كاغان الشروط النظرية التي تُفضّل بها التفاعلات كيرالية واحدة، ووجد أمثلة حقيقية تثبت ذلك: طوّر محفِّزاً له صورتان، L و D، لكن إحداهما كانت أكثر نشاطاً بكثير رغم تساوي وجود الصورتين، ما جعل منتجات التفاعل تحمل فائضاً كبيراً من كيرالية واحدة. بحلول منتصف الستينيات، كان كاغان قد توصّل إلى ثلاثة تفاعلاتٍ من هذا النوع. لاحقاً، اكتشف باحثون آخرون أنّ موادّ كيميائية غير كيرالية يمكنها تفعيل أو تثبيط هذه المحفِّزات بشكلٍ انتقائي، وهي آلية التحكّم التي انتقلت بعد ذلك إلى صناعة الأدوية فعلياً.
التفاعل الذي يُحفّز نفسه: إسهام سواي
بعد نحو عقدٍ من عمل كاغان، درس كينزو سواي في جامعة طوكيو تفاعلاتٍ ذاتية التحفيز، حيث يُحفّز منتج التفاعل إنتاج المزيد من الجزيئات بالكيرالية ذاتها. بدأ سواي بفائضٍ طفيفٍ في المحفِّز، فارتفعت النسبة إلى 55% بعد جولة تفاعلٍ واحدة فقط، ثم إلى 90% بعد عدّة جولات باستخدام المحفِّز نفسه.
الأكثر إثارةً أنّ سواي وجد لاحقاً شروطاً يقوم فيها المنتج أيضاً بتثبيط تكوّن الشكل المعاكس، فتضخّم فائضٌ ابتدائي لا يتجاوز 0.00005% ليصبح أكثر من 99% بعد عددٍ قليل من جولات التفاعل. هذه القفزة من كميةٍ لا تُذكر إلى هيمنةٍ شبه كاملة هي ما جعل العمل محورياً: فهي تُبرهن تجريبياً على أنّ فارقاً كيميائياً ضئيلاً جداً كافٍ، نظرياً، لتوليد انحيازٍ كيرالي شبه مطلق. وجد باحثون آخرون لاحقاً تفاعلاتٍ توازنية مشابهة، تميل تدريجياً لصالح شكلٍ كيرالي واحد دون تدخّلٍ خارجي.
هل يُفسِّر هذا كيف "اختارت" الحياة يدويتها؟
الإغراء كبيرٌ هنا للقفز إلى استنتاجٍ مفاده أنّ هذه التفاعلات تحلّ لغز نشأة الحياة أحادية الكيرالية. لكن الأمانة العلمية تقتضي التمهّل: التفاعلات التي أُجريت في هذه الدراسات لم تكن متعلقةً بأي جزيءٍ حيوي قريب فعلياً، فالصلة بأصل الحياة غير مباشرة. ما يُقدِّمه العمل هو احتمالٌ، لا دليل قاطع: أنّ فوارق كيرالية صغيرة يمكن أن تحدث في الطبيعة بشكلٍ ذي دلالة. التفسيرات المطروحة لتفضيل الحياة شكلاً واحداً تتراوح بين تفضيلٍ تدريجي تراكمي، أو بيئةٍ كانت مهيمَناً عليها أصلاً من شكلٍ واحد. وكلا التفسيرين يترك سؤالاً مفتوحاً: كيف نشأت تلك الهيمنة الأولية أصلاً؟
الفهم العلمي السائد اليوم يميل إلى أنّ هذه الفوارق الصغيرة لم تكن حاسمة بذاتها، لكنها ربما ساعدت في توجيه الحياة نحو مسارٍ انتهى بها إلى كيميائها الحصرية الحالية. بعبارةٍ أخرى، الجائزة لا تُغلق الملف، بل تُقدّم أدواتٍ كيميائية تُفسّر كيف يمكن لفارقٍ ضئيل أن يتضخّم، تاركةً سؤال "لماذا بدأ الفارق أصلاً" مفتوحاً أمام أجيالٍ قادمة من الباحثين.
ما له أثرٌ عملي أكثر إلحاحاً اليوم هو الشق الصيدلاني: فالتحكّم في يدوية الجزيء، بالاستناد إلى مبادئ كاغان وسواي، أصبح أداةً معتمدة في تصنيع الأدوية، حيث تُحدَّد سلامة المريض وفعالية العلاج أحياناً بدقّةٍ هندسية لا تتجاوز اتجاه دوران جزيءٍ واحد. لمزيدٍ من التفاصيل حول الجائزة، يمكن الاطّلاع على الصفحة الرسمية لجائزة نوبل للكيمياء 2026.
أخبار ذات صلة

اكتشاف كهوف القمر السرية: مشروع NASA الجديد

تلسكوب جيمس ويب يرصد أبعد "انفجار راديوي سريع" في الكون، يتجاوز الرقم القياسي السابق

المحيط الهادئ الأوسط يسجل قطيعة قياسية في درجات الحرارة.. وخبراء يرجحون مؤشراً لنوع جديد من النينيو
