مازدا الكهربائية بين التصميم الياباني والتصنيع الصيني
مازدا 6e سيارة كهربائية بتصميم ياباني وتصنيع صيني تواجه تحديات في السوق الأسترالية وسط هيمنة تسلا والمنافسة الصينية رغم جودتها ومزاياها المتطورة هل تكفي لإعادة اليابان لمنافسة السيارات الكهربائية؟ تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

في صالة عرضٍ لشركة Mazda شمال مدينة Brisbane الأسترالية، تقف أربع نسخ من سيارة 6e الكهربائية، لكن ثلاثاً منها تكاد تختفي خلف صفٍّ من شاحنات BT 50 المصفوفة أمامها، ما يمنع الزبائن من تجربتها على الطريق. النسخة الرابعة فقط، وهي الإصدار الهجين القابل للشحن، متاحة للمعاينة. هذا المشهد الصغير يختصر معضلةً أكبر: سيارةٌ صُمِّمت بهويّة يابانية خالصة، لكنّها تُصنَّع بالكامل في الصين، وتحاول أن تجد لنفسها موطئ قدمٍ في سوقٍ تسيطر عليه Tesla والعلامات الصينية.
منذ إطلاق Mazda 6e في أستراليا قبل ثمانية أشهر، تلقّت الشركة نحو 2,000 طلب حجزٍ مسبق، لكنّها لم تسلّم خلال الأشهر الأربعة الأخيرة سوى 693 سيارة فقط. الفارق بين الحماس الأوّلي وأرقام التسليم الفعلية يطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: هل تكفي سيارةٌ واحدة، مهما كانت جيّدة، لإعادة اليابان إلى موقع المنافسة في سوق السيارات الكهربائية؟
من يتصدّر السوق الأسترالية؟
الأرقام لا تجامل. فخلال عام 2026 حتى الآن، باعت Toyota في أستراليا 2,523 سيارة كهربائية، وباعت Subaru 1,277 سيارة، بينما لم تتجاوز مبيعات Nissan 219 سيارة، وMazda 693 سيارة، وSuzuki 40 سيارة فقط. مجموع مبيعات العلامات اليابانية كلّها مجتمعةً بلغ 4,725 سيارة كهربائية وهو رقمٌ تقترب منه Tesla وحدها بموديلٍ واحد: فقد باع طراز Model 3 وحده 4,597 سيارة خلال الفترة ذاتها.
بعبارةٍ أخرى، سيارة واحدة من Tesla تكاد تعادل في مبيعاتها كامل الإنتاج الكهربائي الياباني المجتمع في السوق الأسترالية. وتشير تقارير محلّية (كما أوردها موقع درايف) إلى أنّ مبيعات Mazda في أستراليا تراجعت هذا العام، وسط تغييراتٍ في تشكيلة الموديلات وصعود المبيعات الصينية المنافسة. ومع أنّ Mazda 6e فازت بجائزة سيارة العام العالمية للتصميم لعام 2026، فإنّ الجائزة وحدها لا تترجم إلى حصةٍ سوقية، خصوصاً أنّ Mazda تُنتج عالمياً أكثر من مليون سيارة سنوياً فقط وهو رقمٌ متواضعٌ إذا قورن بحجم إنتاج Toyota.
خطّ تجميع صيني بروحٍ يابانية
الطراز الذي يُباع في المعرض بسعرٍ يقارب 54,000 دولار أسترالي، لا تُصنّعه Mazda بنفسها، بل تتولّى شركة Changan الصينية تصنيعه فعلياً باستخدام بنية Deepal التقنية، فيما اقتصر دور Mazda على التصميم الخارجي والداخلي من خياطة المقاعد إلى شبكة الأمام المميّزة. النتيجة سيارةٌ تحمل بصمة Mazda الجمالية بوضوح، لكنّ هيكلها ومنصّتها الأساسية صينيّتا المنشأ بالكامل، كما هو الحال مع طراز Deepal S07 ذي الأصل نفسه.
من الناحية التقنية، تأتي السيارة ببطارية LFP سعة 70 كيلوواط/ساعة، ومدى قيادة يبلغ 560 كيلومتراً، وتسارع من الصفر إلى 100 كم/س في 7.6 ثانية. أما كلفة الصيانة، فهي أقلّ تقريباً بمقدار النصف مقارنةً بسيارةٍ تعمل بالبنزين، مع صيانةٍ موصى بها كل 20,000 كيلومتر أو 12 شهراً، وإمكانية تحديث البرمجيات عن بُعد من المنزل دون الحاجة لزيارة الوكيل.
أما من حيث التجهيزات، فالسيارة مزوّدة بمقاعد مدفّأة ومبرّدة، وكاميرا محيطية بزاوية 360 درجة تُفعَّل بأزرار المقود أو بالأوامر الصوتية، وسقفٍ زجاجي، وشاشةٍ كبيرة أشبه بجهاز iPad، وثلاثة خيارات لتنجيد المقصورة الداخلية (بيج، أسود، بنّي فاتح) بالسعر ذاته. تضاف إلى ذلك شاشة عرض أمامية على الزجاج (Heads-up display)، ومقبض بابٍ فضّي داخلي، وخزانة تخزين أمامية تُفتح بزرّ ضغط، وجناحٍ خلفي يُتحكَّم به عن بُعد ويمكن ضبطه ليعمل حسب السرعة، وأبواب تعرض مقابضها تلقائياً عند اقتراب مفتاح السيارة. تفاصيلُ كهذه دفعت أحد مراجعي فيديو السيارة إلى مقارنتها مباشرةً بطرازَي BYD Seal وTesla Model 3، مسجّلاً أنّ السيارة توفّر ميزة V2L لتشغيل الأجهزة الكهربائية خارجها. ورغم كلّ هذا التطوّر، لخّص المراجع الانطباع العام بجملةٍ لا تخلو من التحفّظ: «لا يمكن أن نتوقّع من العلامات اليابانية أن تكون متقدّمةً جداً».
في المعرض نفسه، يقول ممثّل المبيعات إنّ زوجته تقود النسخة الهجينة القابلة للشحن يومياً، وإنّ الوكالة تبيع أكثر من اثنتَي عشرة سيارة من طراز 6e شهرياً، وأنّ معظم المشترين هم من ملّاك سيارات Mazda السابقين العائدين إلى العلامة نفسها وهو مؤشّرٌ على وفاءٍ تجاريٍّ محدود النطاق، لا على اختراقٍ واسع في السوق. وكما يُقال عادةً بشأن البطاريات: «لا تُفرغ البطارية حتى الصفر» نصيحةٌ عملية تتكرّر بين البائعين لتبديد قلق الزبائن من تقنيةٍ لا يزالون يتعاملون معها بحذر. لكن، وسط كل هذا الحديث عن التصميم والميزات، يظلّ سؤالٌ عالقاً في أذهان كثيرين: «لكن... إنها مصنوعة في الصين!».
قلقٌ أمني يتجاوز صالة العرض
هذا القلق ليس تجارياً فحسب، بل أمنياً أيضاً. فالسيارات "المتّصلة" (Connected Vehicles) المصنّعة في الصين باتت موضع نقاشٍ في أستراليا نفسها، بعدما تبيّن أنّ أكثر من 30% من مركبات العمل المؤهّلة في البرلمان الأسترالي هي سياراتٌ كهربائية مصنوعة في الصين، من بينها طرازا MG وBYD. وقد نصحت وكالة الاستخبارات الأمنية الأسترالية (ASIO) النواب والمسؤولين بتوخّي الحذر عند استخدام هذه المركبات.
وزير الشؤون الداخلية الأسترالي Tony Burke يملك بنفسه سيارةً كهربائية صينية الصنع، وذكر مكتبه أنّه "أبلغ وزارته وأجهزة الأمن فور تعيينه، واتّبع النصائح الأمنية بشأن الاحتياطات المناسبة". أما وزير الطاقة Chris Bowen، فيقود سيارة XPENG G6، ويرى أنّ السيارات المتّصلة الحديثة تتشارك البيانات بغضّ النظر عن بلد التصنيع. وكلا الوزيرين يقول إنّه اتّبع استراتيجيات تخفيف المخاطر التي أوصت بها ASIO.
القلق من المراقبة الرقمية عبر السيارات ليس حكراً على أستراليا؛ فقد سبق للصين نفسها أن حظرت دخول سيارات Tesla إلى مواقعها العسكرية عام 2021 بسبب مخاوف من الكاميرات المدمجة فيها، كما فرضت الولايات المتحدة قيوداً مماثلة على بعض المركبات المتّصلة قرب مواقع حسّاسة. المعادلة إذاً متبادلة: كل دولةٍ كبرى تخشى تقنية الدولة الأخرى.
ما الذي يعنيه هذا لصناعة السيارات اليابانية وسوق العمل؟
بعيداً عن جدل الأمن الرقمي، تبقى المعضلة الاقتصادية الأعمق أنّ اليابان بحاجةٍ إلى أحجام مبيعاتٍ أكبر بكثير من مجرّد نجاح موديلٍ واحد كي تستعيد موطئ قدمٍ حقيقياً في سوق السيارات الكهربائية الأسترالية. سيارة Mazda 6e وحدها، رغم جائزتها التصميمية وميزاتها المتقدّمة وسعرها التنافسي البالغ 54,000 دولار أسترالي، لا يمكنها أن ترفع بمفردها نسبة حضور العلامات اليابانية في هذا القطاع.
وهذا يعني عملياً أن وكلاء البيع اليابانيين في أستراليا، وموظفي المبيعات الذين يعتمدون في معيشتهم على دورة الإنتاج والتسليم، يواجهون سوق عملٍ أكثر هشاشةً مما توحي به الجوائز والعناوين. فحين تتراجع مبيعات علامةٍ يابانية بأكملها في بلدٍ ما، فإن الأثر لا يقتصر على المصانع في اليابان أو الصين، بل يمتدّ إلى الوظائف في صالات العرض ومراكز الصيانة المحلية نفسها. المعركة المقبلة في هذا القطاع لن تُحسم بجائزة تصميمٍ أو بميزة تقنية إضافية، بل بقدرة الشركات اليابانية على مجاراة Tesla والعلامات الصينية في الحجم والسعر معاً — وهي معادلةٌ لم تُحلّ بعد.
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
