لودفيغ فون دريك عبقري ديزني الذي كشف أسرار الفضاء
تعرف على قصة لودفيغ فون دريك الشخصية الكرتونية التي جمعت بين الترفيه والعلم لتبسيط أسرار الفضاء للملايين عبر تعاون ديزني مع علماء فضاء حقيقيين ساهموا في تشكيل الوعي العام حول استكشاف الكون عبر وورلد برس عربي.

في مشهدٍ واحد، تلتقي عدسة الترفيه بعدسة العلم: بطّةٌ كرتونية بلكنةٍ نمساوية ثقيلة، تقف أمام كاميرات NBC لتشرح للملايين من الأطفال والأسر الأمريكية أسرار الفضاء الخارجي، بينما خلف هذا الكادر المرسوم يقف ثلاثة رجالٍ حقيقيين ساهموا في صناعة أول برنامج فضائي شعبي في التاريخ. هذه هي حكاية "لودفيغ فون دريك"، الشخصية التي لم تكن مجرد ابتكارٍ كوميدي، بل مرآةً لحظة تاريخية كانت فيها أمريكا بأمسّ الحاجة إلى من يشرح لها الفضاء بلغةٍ يفهمها الجميع.
من هو لودفيغ فون دريك؟
في 24 سبتمبر 1961، قدّم والت ديزني للجمهور شخصيةً جديدة كلياً: لودفيغ فون دريك، عمّ دونالد داك، وأول شخصية ابتكرتها استوديوهات ديزني خصيصاً للتلفزيون. ظهر فون دريك أسبوعياً في برنامج "Walt Disney's Wonderful World of Color" على شاشة NBC، متقمّصاً دور العالم الموسوعي الذي يشرح لملايين المشاهدين مبادئ علمية وتقنية متنوّعة: من التلفزيون الملوّن إلى فوائد التمارين الرياضية، وصولاً إلى تاريخ الطيران.
قدّمه والت ديزني بعباراتٍ لا تخلو من المبالغة المحبّبة، واصفاً إياه بأنه "عالم بارز، ومحاضر، وطبيب نفسي، ورحّالة حول العالم"، و"عبقري وغريب الأطوار"، بل "العبقري الأبرز في هذا القرن". وفي لحظة التقديم نفسها، بدا وكأن ديزني يخلط بين شخصيته الخيالية وشخصية علمية حقيقية، حين قال: "السلطة العالمية الشهيرة في شؤون الفضاء الخارجي، البروفيسور فيرنر فون... أقصد... لودفيغ فون دريك". لم تكن تلك الزلّة عابرة؛ فالاسم نفسه، وشخصية فون دريك برمّتها، وُلدا من رحم تعاونٍ حقيقي بين ديزني وعلماء الفضاء الأوائل.
العلماء الثلاثة خلف الشخصية
منذ عام 1955، حين أنتج ديزني بالتعاون مع المخرج والرسّام وارد كيمبال حلقات "Tomorrowland" المخصّصة لاستكشاف الفضاء، استعان الاستوديو بثلاثة أسماء ستصبح لاحقاً من أبرز رموز عصر الفضاء: عالم الصواريخ الألماني فيرنر فون براون، والفيزيائي المتخصّص في طب الطيران هاينز هابر، وكاتب العلوم المتخصّص في الصواريخ ويلي لي. الثلاثة لم يكونوا مجرّد مستشارين تقنيين؛ فقد لعبوا دوراً موثّقاً في تعريف الجمهور الأمريكي باستكشاف الفضاء، وهو دورٌ يُنسب إليه الفضل في مساعدة وكالة ناسا على كسب موطئ قدمٍ في الرأي العام خلال سباق الفضاء.
صورة التقطت عام 1964 تُظهر الثلاثة يناقشون نموذجاً لما يُعرف بـ"بذلة الزجاجة" : فون براون يقف في الوسط، وهابر إلى يساره، وويلي لي إلى جانبهما، في مشهدٍ يلخّص طبيعة العلاقة العملية التي جمعتهم قبل ذلك بسنوات في إنتاج حلقات ديزني حول الفضاء. وبحسب ما ذُكر، فإن هذا الثلاثي لم يؤثر فقط في المحتوى العلمي الذي قدّمه ديزني، بل امتدّ تأثيره إلى اسم فون دريك وشخصيته نفسها: فقد جمعت الشخصية بين معرفة هابر وويلي لي العلمية، وخبرة فون براون وحضوره الشخصي. أما اللكنة النمساوية التي منحها الصوت الممثل بول فريز لفون دريك، فجاءت في وقتٍ لم تكن فيه ذكريات الحرب العالمية الثانية بعيدة، ما جعل اختيار هذه اللكنة تفصيلاً محمّلاً بدلالته الزمنية. وساهم أيضاً كلٌّ من بيل بيرغ ومِلت كال في تطوير الشخصية إلى جانب ديزني وكيمبال.
حين تجاوز الواقع الخيال
في 10 فبراير 1963، عُرضت حلقة بعنوان "Inside Outer Space"، أعاد فيها ديزني استخدام رسوم متحركة من ثلاث حلقات سابقة ضمن برنامج "Disneyland": "Man and the Moon" و"Man in Space" و"Mars and Beyond"، وجميعها عُرضت لأول مرة في 4 ديسمبر 1957، أي بعد شهرين فقط من إطلاق أول قمر صناعي، وقبل أن يطأ أي إنسانٍ الفضاء. لذلك، حملت تلك الحلقات المبكرة تصوّرات خيالية وتخمينية عن رحلات الفضاء، لم تكن قد اختُبرت بعد على أرض الواقع.
المفارقة أن حلقة فون دريك أُعيدت بالمادة نفسها في وقتٍ كان فيه الواقع قد تجاوز الخيال: فبحلول 10 فبراير 1963، كان رائدا فضاء سوفييتيان قد أتمّا مدارَين حول الأرض، وكان رائدا فضاء أمريكيان قد أكملا مهمّتين شبه مداريتين. ومع ذلك، لم تُشر حلقة فون دريك إلى أيٍّ من هذين الإنجازين، مكتفيةً بإعادة عرض تصوّراتٍ افتراضية أصبحت، بحلول تلك اللحظة، متجاوَزة زمنياً.
ولم يخلُ فون دريك من وعيٍ ساخر بهذه المفارقة، إذ خاطب المشاهدين قائلاً: "أيها الناس هناك في الخارج، ستَرون نجوماً لم تروها من قبل... حين تسافرون في الفضاء الخارجي. في الواقع، هناك الكثير من الأشياء التي لا تعرفونها، لكن لا تدَعوا ذلك يزعجكم، لأن كل الأجوبة موجودة هنا بالضبط". وأضاف، في إشارةٍ إلى دليله الإرشادي: "أُطلق على دليلي اسم Inside Outer Space لأن كل ما هو معروف عن الفضاء الخارجي موجود في الداخل"، قبل أن يحذّر بلهجةٍ فكاهية: "بالمناسبة، وبما أن الأمور تسير بهذه الوتيرة، من الأفضل أن تحصلوا على نسختكم فوراً قبل أن تصبح قديمة"، مضيفاً بلا تردد: "وترتفع الأسعار".
هذه العبارة الأخيرة، التي بدت مزحةً عابرة عام 1963، تختصر اليوم جوهر القصة كلها: أن المعرفة العلمية التي تُبنى على الخيال المبكر تشيخ بسرعة، حين يتقدّم الواقع بخطواتٍ أسرع من الشاشة. لقد كان لودفيغ فون دريك، بلكنته المصطنعة وضحكته المرسومة، شاهداً على لحظةٍ انتقالية نادرة، جمعت فيها الترفيه والعلم والسياسة على شاشةٍ واحدة، قبل أن يفرض سباق الفضاء الحقيقي وقائعه التي لم يعد بإمكان أي بطّةٍ كرتونية، مهما بلغت حكمتها المفترضة، أن تجاريها.
أخبار ذات صلة

بانيجاي للإنتاج: اكتشف المواهب أولاً، ثم مول الأفكار

افتتاحية مبهرة لفيلم "Primetime" من إنتاج A24 بـ 192 مليون دولار تثبت قوة روبرت باتينسون في شباك التذاكر

الجزيرة المنسية : احتفاءٌ رسوم متحركة بالصداقة والثقافة الفلبينية
