سر طول عمر سلحفاة جوناثان واكتشافات جينية مذهلة
في جزيرة سانت هيلينا سلحفاة عمرها 194 عامًا تحمل أسرارًا جينية قد تفسر بطء الشيخوخة عند بعض الكائنات الباحثون اكتشفوا أنماط جينية فريدة مرتبطة بوظيفة الميتوكوندريا قد تساهم في طول عمرها استكشفوا معنا هذه القصة الفريدة على وورلد برس عربي

-في جزيرة سانت هيلينا النائية وسط المحيط الأطلسي الجنوبي، تعيش سلحفاةٌ عمرها 194 عاماً قد تحمل في خلاياها جزءاً من الإجابة عن سؤالٍ يشغل باحثي الشيخوخة منذ عقود: لماذا تهرم بعض الكائنات ببطءٍ شديد بينما يتسارع الزمن البيولوجي في كائناتٍ أخرى؟ جوناثان، السلحفاة العملاقة من نوع ألدابرا (Aldabra)، يُوصف بأنه أقدم حيوانٍ بري حيّ على وجه الأرض، وقد تجاوز العمر المتوقع لنوعه بنحو قرنٍ كامل. فريق بحثي نشر، الأربعاء 7 أكتوبر، في مجلة Science Advances (المجلد 12، 2026) نتائج دراسةٍ جينية ووبائية-جينية (Epigenetic) حول جوناثان، كشفت عن أنماطٍ غير معتادة في تنظيم الجينات المرتبطة بوظيفة الميتوكوندريا لكنها توقفت عند حدود الإشارة، ولم تُثبت علاقة سببية بين هذه الأنماط وطول عمره.
كيف أُخذت العيّنات من سلحفاةٍ يُمنع سحب دمها؟
القصة العلمية هنا لا تقلّ أهمية عن نتائجها. فقد استعان الباحثون بطبيب جوناثان البيطري، جو هولينز (Joe Hollins)، لجمع العيّنات منذ ما يقرب من عقدٍ من الزمن، لكن سلطات الجزيرة منعت سحب الدم خشية مخاطر العدوى. المحاولة الأولى مسحات من الخد لم تُسفر إلا عن DNA بكتيري بدلاً من الحمض النووي الخاص بالسلحفاة، وتعطّلت أجهزة الحاسوب مراراً أثناء محاولة تسلسل تلك العيّنات الفاسدة. يروي ستيفن كلارك (Stephen Clark)، المشارك في الدراسة وكبير العلماء في مؤسسة Kallel غير الربحية في ناشفيل، أنه اضطر إلى "العودة والتوسّل" للحصول على إذنٍ بجمع عيّنات جديدة، مضيفاً: "لم أكن أريد أن أكون الطبيب الذي قتل جوناثان". أرسل هولينز لاحقاً كشطاتٍ من أنسجة الخد تضمّنت DNA جوناثان فعلياً، رغم أنها كانت أكثر تجزؤاً من عيّنة دمٍ عادية. ولسدّ الفجوات في التسلسل الجيني، استعان الباحثون بالجينوم المرجعي لسلحفاة أخرى تُدعى تانك (Tank)، عمرها 36 عاماً، كما قارنوا حمض جوناثان النووي بذلك الخاص بـ"لونيسم جورج" (Lonesome George)، سلحفاة غالاباغوس الشهيرة التي يُعتقد أنها تجاوزت المئة عام عند وفاتها سنة 2012.
287 طفرة وجينات الإصلاح والتيلومير
كشفت المقارنة الجينية أن جوناثان يحمل 287 طفرةً فريدة في جيناتٍ سبق ربطها بمسارات الشيخوخة، من بينها جينات إصلاح الحمض النووي وجينات وظيفة التيلومير تلك الأطراف الواقية لأطراف الكروموسومات التي تميل إلى القِصَر مع التقدّم في العمر. وتقول غرير دولبي (Greer Dolby)، الأستاذة المساعدة في علم الأحياء بجامعة ألاباما في برمنغهام، إن هذه المسارات ذاتها تُثير القلق في سياق شيخوخة الإنسان أيضاً، واصفةً إياها بأنها جزء من "توقيعٍ أوسع للشيخوخة".
الميثيلة: ساعةٌ بيولوجية تكشف فوضى العمر
الجزء الأكثر إثارةً في الدراسة يتعلّق بظاهرة الميثيلة (DNA Methylation)، وهي ارتباط مجموعاتٍ كيميائية تُسمى "مجموعات الميثيل" بالحمض النووي، بما ينظّم تفعيل الجينات ودرجة نشاطها. أنماط الميثيلة يمكن أن تعكس العمر البيولوجي الفعلي للكائن، وتُستخدم في أبحاث الشيخوخة البشرية كـ"ساعة" تقريبية لقياس التقدّم في السن، وهو ما تناولته أبحاثٌ سابقة حول ساعات الميثيلة الجينية.
عند مقارنة ميثيلة جوناثان بميثيلة سلاحف ألدابرا الصغيرة والمسنّة، لاحظ الباحثون أن السلاحف الأكبر سناً أظهرت أنماطاً أكثر اضطراباً من السلاحف الصغيرة وهي ظاهرة يُطلق عليها الباحثون اسم "إنتروبيا الميثيلة" (Methylation Entropy)، في إشارة إلى التغيّرات العشوائية المرتبطة بالعمر، وهو مفهومٌ تناولته دراساتٌ حول إنتروبيا الميثيلة المرتبطة بالشيخوخة. جوناثان نفسه أظهر اضطراباً أعلى من السلاحف الصغيرة في معظم جيناته، كما هو متوقّع من كائنٍ في مثل عمره. لكن اللافت أن الجينات المرتبطة بوظيفة الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة اللازمة لعمل الخلايا وإصلاحها والحدّ من تلف الحمض النووي أظهرت في مناطق تفعيلها أنماطاً أكثر تنظيماً وانضباطاً مقارنةً ببقية جينومه. يفترض الباحثون أن هذا الانضباط قد يساعد في الحفاظ على تعبيرٍ ثابت ومتّسق لجينات الميتوكوندريا. ويقول كلارك إن "الحفاظ على انخفاض الإنتروبيا في هذه الجينات الميتوكوندرية، أو الحفاظ على ميتوكوندريا سليمة، يُرجَّح أن يكون عاملاً مساهماً في طول العمر".
ما الذي لا تثبته الدراسة بعد؟
رغم جاذبية هذه النتائج، يبقى السؤال السببي معلّقاً: هل الأنماط المنظّمة في جينات الميتوكوندريا هي سبب طول عمر جوناثان، أم مجرّد انعكاسٍ لحالته الفسيولوجية الاستثنائية؟ مؤلفو الدراسة أنفسهم لم يُثبتوا رابطاً سببياً بين الاثنين، ويرى كلارك أن عيّنة دمٍ حقيقية لو أمكن الحصول عليها يوماً قد تمنح صورةً أشمل عن جينوم جوناثان.
فنسنت لينش (Vincent Lynch)، أستاذ علم الأحياء في جامعة بوفالو، يذهب أبعد في التحفّظ: يرى أن الملف الجيني الكامل لا يمكن معرفته إلا بجمع DNA من أنسجةٍ متعددة بعد وفاة الحيوان، موضحاً أن "بعض الأعضاء أكثر عرضةً لأمراض الشيخوخة المختلفة من أعضاء أخرى، ويحدث ذلك لأن الطفرات تتراكم مع الزمن" وأن "الأمثل هو أن نعرف ما هي تلك الطفرات في تلك الأنسجة تحديداً". كما يشكّك لينش في مدى فائدة مفهوم "الإنتروبيا" نفسه لوصف أنماط الميثيلة المرتبطة بالعمر، وإن كان يتّفق مع الفريق على أن الجينات التي حُدّدت تشكّل معطياتٍ مفيدة لأبحاث طول العمر المستقبلية. وقد يكون جوناثان، بحسب الباحثين أنفسهم، مجرّد حالةٍ استثنائية خارجة عن القاعدة وهو احتمالٌ يلخّصه لينش بعبارةٍ لافتة: "ربما يكون جوناثان بارعاً فقط في أن يكون كبيراً في السن".
ما يستحقّ التوضيح هنا بوصفه مبدأً أساسياً في قراءة أي دراسةٍ من هذا النوع أن البحث أُجري على فردٍ واحد استثنائي ومقارناتٍ محدودة العدد (تانك ولونيسم جورج وعيّنات من سلاحف ألدابرا الصغيرة والمسنّة)، وليس على عيّنةٍ سكانية واسعة تسمح بتعميم النتائج. كما أن الجهة الممولة، مؤسسة Kallel، هي منظمة غير ربحية تبحث عن أهدافٍ دوائية لتعزيز طول العمر البشري وهو ما يستوجب من القارئ التمييز بين فضول علمي مشروع حول آليات الشيخوخة، وبين مسارٍ تجاري محتمل يسعى لاحقاً إلى تطوير علاجات. الباحثون أنفسهم يقرّون بأن تجارب إضافية ضرورية لاختبار ما إذا كانت هذه الجينات تؤثر فعلياً على طول العمر في سلاحف ألدابرا أو في كائناتٍ أخرى، بما فيها الإنسان في نهاية المطاف. حتى ذلك الحين، يبقى جوناثان أكثر شاهدٍ حيّ على شيخوخةٍ غامضة أكثر مما هو برهانٌ علمي مكتمل.
أخبار ذات صلة

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

الإمارات تكشف عن مسبار لمهمة طموحة لاستكشاف 7 كويكبات في 2028
