ثورة الساعات الذرية ودقة قياس الزمن الجديدة
ساعة ذرية جديدة بدقة مذهلة وثبات فائق في قياس الزمن قد تعيد تعريف الثانية وتحدث ثورة في أنظمة GPS والاتصالات. هل نقترب من معيار ذهبي جديد للزمن؟ اكتشف تفاصيل هذا التطور في وورلد برس عربي.

تعتمد شبكات تحديد المواقع (GPS)، والإنترنت، وأنظمة الاتصال العسكري حول العالم على ساعاتٍ ذرّية لا يراها أحد، لكنّ أيّ خللٍ طفيف فيها قد يُربك هذه المنظومات كلّها. هذا ما يجعل الإعلان عن ساعةٍ ذرّية جديدة، أكثر دقّةً من أيّ ساعةٍ سبقتها، خبراً يتجاوز أروقة المختبرات ليطرح سؤالاً عملياً: هل نحن على موعدٍ مع إعادة تعريف وحدة الزمن نفسها، "الثانية"؟
كشف فريق بحثي عن ساعةٍ ذرّية قياسية تعمل بذبذبات نظير اللوتيشيوم-176، تقيس الزمن بدقّةٍ تصل إلى 19 رقماً عشرياً، أي بتحسّنٍ نسبته 41% مقارنةً بحامل الرقم القياسي السابق. نُشرت النتائج في 23 سبتمبر في مجلّة Nature، ضمن دراسةٍ مؤرّخة 2026 شارك فيها كلٌّ من Arnold وLee وZhao وQin وZhang وJayjong وMurray Barrett، الباحث في جامعة سنغافورة الوطنية. ولمن يريد الرجوع إلى النصّ الأصلي، فإنّ الدراسة متاحة عبر معرّف DOI الخاص بمجلة Nature.
لماذا يتفوّق اللوتيشيوم على العناصر الأخرى؟
الميزة الحاسمة في هذه الساعة ليست فقط في رقم الدقّة، بل في ثباتها أمام الظروف البيئية. فبينما تحتاج عناصر أخرى مستخدمة في الساعات الذرّية إلى معايرة حرارية دقيقة جداً، بحدود أجزاء من الألف من الدرجة، يواصل اللوتيشيوم-176 عمله بثباتٍ حتى مع تذبذبٍ في درجة الحرارة الخارجية يصل إلى 5 درجات. هذا التفاوت الكبير في حساسية العناصر المختلفة للحرارة هو ما دفع باريت إلى وصف اللوتيشيوم بأنه "رياضيّ تحمّلٍ وُلد بالفطرة"، مضيفاً في تصريحه لمنصّة Live Science: "مهمّتنا أن نضمن قدرة هذا 'العدّاء' على قطع المسافة كاملة، واللوتيشيوم، كما تبيّن، رياضيّ تحمّلٍ وُلد بالفطرة."
وراء هذا الثبات تقنيةٌ طوّرها مختبر باريت تُعرف بـ"المتوسط فائق الدقّة" (Hyperfine Averaging)، صُمّمت خصيصاً لتقليل أثر العوامل البيئية على القياس، بما في ذلك تذبذبات المجال المغناطيسي، والجاذبية، ودرجة الحرارة. فالساعات الذرّية الحديثة، مهما بلغت دقّتها النظرية، تبقى عرضةً لانحرافاتٍ دقيقة ناتجة عن هذه العوامل مجتمعة، وهو ما تحاول هذه التقنية تحييده إلى أدنى حدٍّ ممكن.
من السيزيوم إلى اللوتيشيوم: كيف تطوّر تعريف الثانية؟
لفهم حجم هذا التطوّر، يفيد العودة قليلاً إلى الوراء. في عام 1900، كانت الثانية تُعرَّف فلكياً بوصفها 1/31,556,925 من طول السنة الشمسية، وهو تعريفٌ مرتبطٌ بدوران الأرض لا بظاهرةٍ ذرّية ثابتة. ثم جاءت خمسينيات القرن الماضي لتشهد ظهور أولى الساعات الذرّية باستخدام نظائر مشعّة من السيزيوم، تلتها في الستينيات تجاربُ استخدام معادن أخرى كالإيتربيوم والسترونتيوم. وفي عام 1968، عدّل المكتب الدولي للأوزان والمقاييس (BIPM) تعريف الثانية رسمياً ليرتكز على الإشعاع الصادر عن ذرّة السيزيوم-133، إذ تمثّل 9.19 مليار ذبذبة من هذا النظير ثانيةً واحدة وهو التعريف المعتمد حتى اليوم.
يقول الفريق البحثي إنّ اللوتيشيوم بات "الأوفر حظاً" ليكون المعيار الذهبي الجديد في النظام الدولي للوحدات، في وقتٍ يُتوقَّع فيه أن يُعيد مكتب الأوزان والمقاييس الدولي تعريف الثانية بحلول عام 2030 اعتماداً على تقنيات الساعات الذرّية الحديثة. ويُذكر أنّ هذا الرقم القياسي يأتي بعد أقلّ من عامين من إعلان المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية (NIST) عن ساعةٍ ذرّية قياسية أخرى في يوليو 2025، ما يعكس تسارع المنافسة العلمية في هذا الحقل خلال سنواتٍ قليلة فقط.
هل تتغيّر ثوابت الكون نفسها؟
يتجاوز طموح هذا البحث مسألة ضبط الساعات. يشير باريت إلى أنّ "هناك بعض التكهّنات بأنّ الثوابت الأساسية في الكون قد تكون في الواقع متغيّرة"، في إشارةٍ إلى قيمٍ فيزيائية يُفترض عادةً ثباتها، مثل الثابت الجذبوي (G). وهنا تحديداً تكمن القيمة المضافة لساعةٍ بهذا المستوى من الدقّة: "الساعات فائقة الدقّة تمنحنا الأدوات اللازمة لاستكشاف هذا الاحتمال"، كما يقول باريت.
هذا الطرح يبقى في خانة التكهّن العلمي لا الإجماع المثبت، وهو تمييزٌ يستحقّ التوقّف عنده: فالقول إنّ الثوابت الكونية "قد" تتغيّر لا يعني أنّ ثمّة دليلاً قاطعاً على ذلك، بل يعني أنّ أدوات القياس باتت الآن دقيقة بما يكفي لطرح السؤال بجدّية أكبر من أيّ وقتٍ مضى.
تبقى الأشهر المقبلة، وصولاً إلى موعد مراجعة المكتب الدولي للأوزان والمقاييس عام 2030، محطّةً حاسمة لمعرفة ما إذا كان اللوتيشيوم-176 سيحلّ فعلياً محلّ السيزيوم-133 كأساسٍ لتعريف الثانية، وهو قرارٌ لن يغيّر فقط كيفية ضبط الساعات، بل قد يعيد صياغة الأدوات التي نستخدمها لاختبار ثبات قوانين الفيزياء ذاتها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
