وورلد برس عربي logo

بحيرة باول بين جمال الطبيعة وأزمة المياه المتصاعدة

صورة فضائية مذهلة لبحيرة باول تكشف تفاصيل نادرة وظاهرة سنغلنت التي تضيء طول الخزان بينما يثير فقدان مياه نهر كولورادو نقاشاً بيئياً حول مستقبل هذا الخزان العملاق في جنوب غرب أمريكا في وورلد برس عربي.

بحيرة باول في يوتا تظهر بوهج معدني نادر وظاهرة الانعكاس الشمسي "سنغلنت" مع حلقة داكنة "الرينكون" على طول الخزان الاصطناعي.
فسيفساء مكونة من صور رواد الفضاء الملتقطة من محطة الفضاء الدولية تُظهر جزءًا كبيرًا من بحيرة باول في يوتا، حيث تحولت البحيرة إلى ثعبان فضي عملاق بفضل خدعة بصرية تعرف بـ "لمعان الشمس". (حقوق الصورة: ناسا/برنامج محطة الفضاء الدولية)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تكشف صورة فسيفسائية التقطها روّاد فضاء من المدار تفصيلاً نادراً لبحيرة باول (Lake Powell) في ولاية يوتا الأمريكية: شريطاً من الضوء المعدني اللامع يمتدّ على طول الخزان بأكمله، بينما تظهر إلى جانب أحد منحنياته الواسعة حلقةٌ داكنة تُعرف باسم «الرينكون» (The Rincon). الصورة، التي نشرتها منصّة الرصد الأرضي التابعة لناسا (NASA’s Earth Observatory)، ليست مجرّد مشهدٍ جمالي؛ فهي تعيد فتح نقاشٍ بيئي قديم حول مصير هذا الخزان الاصطناعي الذي غمر أجزاءً واسعة من أحد أكثر الأودية جمالاً في الجنوب الغربي الأمريكي، في وقتٍ يفقد فيه نهر كولورادو كمياتٍ كبيرة من مياهه.

كيف أنتجت ظاهرة «سنغلنت» هذا المشهد؟

بحسب منصّة الرصد الأرضي التابعة لناسا، فإنّ الفسيفساء تجمع بين عدّة صور التقطها روّاد فضاء خلال تحرّك ظاهرة تُعرف باسم «سنغلنت» (sunglint) على طول البحيرة. هذه الظاهرة تحدث حين ينعكس ضوء الشمس مباشرةً في خطّ رؤية الراصد المداري، فيُنتج وهجاً معدنياً شبيهاً بالمرآة على الأسطح العاكسة. بتجميع عدّة لقطات التُقطت في لحظاتٍ متعاقبة، أمكن إضاءة طول البحيرة بالكامل في صورةٍ واحدة، بينما بقيت بعض الأودية الجانبية الأصغر المتفرّعة من البحيرة غارقةً في الظلّ.

تصف منصّة ناسا المشهد المحيط بأنه «متاهة من الجروف المتدلّية، والحدائق المعلّقة، ومنعطفات النهر الممتدّة، والأقواس الطبيعية وسط خلفيةٍ من التلال والهضاب الملوّنة». وتبرز ضمن هذا المشهد «الرينكون»، وهو انخفاضٌ يشبه شكل الدونات يظهر كحلقةٍ داكنة بجوار أحد أوسع أقسام البحيرة، بقطرٍ يصل إلى 3 أميال (5 كيلومترات). هذا التكوين الصخري ذو اللون الصدئي هو في الأصل جزءٌ قديم من مجرى نهر كولورادو جفّ منذ آلاف السنين، بعد أن انهار جزءٌ من الوادي وسمح لمياه النهر بتجاوز الحلقة الصخرية التي أصبحت لاحقاً «الرينكون». ظاهرةٌ مشابهة تُلاحَظ أيضاً في أجزاء من نهر غرين (Green River)، أحد روافد كولورادو، وهو نهرٌ حيّر الجيولوجيين طويلاً لأنه يبدو، في بعض مقاطعه، وكأنه يجري «نحو الأعلى».

سد غلين كانيون الخرسانى الضخم محاط بصخور حمراء في وادي غلين كانيون بولاية يوتا، مصدر رئيسي لتخزين مياه بحيرة باول.
Loading image...
تكوّن بحيرة باول نتيجة سد جلن كانيون في شمال أريزونا، واستغرق ملء الخزان بالكامل نحو 17 عامًا بعد الانتهاء من بناء السد عام 1966.

وادي غموره الماء: من رحلات باول إلى سدّ غلين كانيون

تقع بحيرة باول في جنوب يوتا، على بُعد نحو 70 ميلاً (110 كيلومترات) جنوب غرب مدينة موآب، وتمتدّ لتنتهي على مسافة تقارب 60 ميلاً (100 كيلومتر) شمال شرق الغراند كانيون في أريزونا. وهي، عند امتلائها الكامل، تستوعب ما يصل إلى 1.2 مليار قدم مكعّب (33.3 مليون متر مكعّب) من المياه، ما يجعلها ثاني أكبر خزان في الولايات المتحدة، تالياً مباشرةً لبحيرة ميد (Lake Mead) الممتدّة على الحدود بين أريزونا ونيفادا، والتي أُنشئت خلف سدّ هوفر (Hoover Dam).

البحيرة تحمل اسم المستكشف جون ويسلي باول (John Wesley Powell)، الذي رسم خرائط وادي غلين كانيون ومناطق أخرى من نهر كولورادو في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر، وكان مدير المسح الجيولوجي الأمريكي لاحقاً. في كتابه «وديان كولورادو» (Canyons of the Colorado) الصادر عام 1875، سجّل باول انبهاره بوادي غلين كانيون بعبارةٍ لا تزال تُستشهد بها حتى اليوم: «خلف هذه النصب الشاهقة، وخلف هذه التلال المكدّسة من الحجر الرملي البرتقالي، وخلف هذه الوديان المظلّلة بالبلوط، وخلف هذه الكهوف المكسوّة بالسرخس، وخلف هذه المنحنيات الجدارية، نمضي ساعةً بعد ساعة، نتوقّف بين الفينة والأخرى كلّما استرعى انتباهنا عجبٌ جديد».

منحنى نهر كولورادو حول تكوين صخري ضخم في وادي غلين كانيون بولاية يوتا، يعكس جمال الطبيعة الجيولوجية في الجنوب الغربي الأمريكي.
Loading image...
يضم وادي غلين العديد من الظواهر الجيولوجية التي غمرتها مياه بحيرة باول لاحقًا. تُظهر هذه الصورة جزءًا من الوادي أسفل السد، حيث لا تزال هذه الظواهر ظاهرة إلى حد كبير.

لكنّ هذا الوادي الذي وصفه باول لم يَعُد كما شهده؛ ففي ستينيات القرن العشرين، أدّى بناء سدّ غلين كانيون (Glen Canyon Dam) إلى ارتفاع منسوب مياه البحيرة بما يقارب 200 قدم (60 متراً) خلال العقدين التاليين، فغمرت المياه كثيراً من المعالم الجيولوجية التي وثّقها باول، بما فيها (Music Temple)، وهو واد جانبي عُرف بخصائصه الصوتية اللافتة قبل أن يختفي تحت الماء. ومع ذلك، فإنّ فترات الجفاف التي يشهدها الخزان من حينٍ لآخر تكشف مؤقّتاً عن بعض هذه المعالم المفقودة؛ ففي عام 2023 عثر باحثون على أحافير نادرة أسفل خط المياه المرتفع للبحيرة، تعود لمخلوقٍ شبيه بالثدييات من العصر الجوراسي.

هل يُصبّ نهر كولورادو مياهه في سؤال مصير البحيرة؟

إلى جانب دورها في توليد الطاقة الكهرومائية واجتذاب السياح، تحوّلت بحيرة باول في السنوات الأخيرة إلى محور نقاشٍ بيئي متصاعد. فمع فقدان نهر كولورادو كمياتٍ كبيرة من مياهه خلال العقود الأخيرة، قدّمت جماعات بيئية عرائض تطالب بتفريغ البحيرة بالكامل بهدف إعادة وادي غلين كانيون إلى حالته الطبيعية. غير أنّ خبراء نقلت عنهم مجلّة Newsweek التي وصفت الخزان بأنه «قلب نهر كولورادو» يرون أنّ تفريغ البحيرة أمرٌ مستبعدٌ عملياً. هذا التمايز مهمّ: ما تطرحه الجماعات البيئية هو موقفٌ سياساتي يرتبط بإدارة الموارد المائية وأولويات التنمية، وليس توصيةً علمية حاسمة بشأن مستقبل النظام البيئي للوادي، وما يزال النقاش مفتوحاً بين من يرى في البحيرة ضرورة طاقية وسياحية ومن يراها عائقاً أمام استعادة واد تاريخي فريد.

ولمن يتابع ظواهر مشابهة في أنحاء العالم، وثّقت صور الأقمار الصناعية والفضاء في السنوات الأخيرة مشاهد مقارِبة: في عام 2020 التقطت صورة من الفضاء نقطة التقاء بحيرتين متباينتي اللون في باتاغونيا، كانتا في الأصل جسماً مائياً واحداً قبل أن يفصلهما جسرٌ أرضي ضيّق. وفي عام 2024، أظهرت صورة أخرى تصدّع السطح الجليدي لبحيرة بانغونغ (Pangong Lake) في هضبة التبت، حيث تتطابق تقريباً الحدود بين الجليد والماء مع الحدود المتنازع عليها بين الصين والهند. وفي العام نفسه، رصدت صورة بالأقمار الصناعية اندماج بحيراتٍ موسمية في الإقليم الشمالي بأستراليا في تكوينٍ زمرّدي واحد، إثر عامين من الأمطار الغزيرة الاستثنائية.

تبقى بحيرة باول، في ضوء كلّ هذا، شاهداً حيّاً على التوتّر بين البنية التحتية التي شُيّدت لخدمة الطاقة والسياحة والزراعة، وبين واقعٍ مناخي ومائي متغيّر يفرض على المنطقة إعادة النظر في الحسابات القديمة. وسواء بقيت البحيرة على حالها أم تغيّر مسارها مستقبلاً، فإنّ صورة «سنغلنت» الأخيرة أعادت، على الأقل، تذكير العالم بما غمره الماء من وادٍ وصفه مستكشفٌ قبل أكثر من قرن ونصف بأنه موطنٌ لعجائب لا تنتهي.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية