الليدي الشهيرة وكذبة الكاميرا التي تصنع النجوم
في فيلم Lady كوميديا سوداء تسخر من النخبة البريطانية وطموحات الشهرة عبر قصة أرستقراطية تعيش كذبة وثائقية. أداء Sian Clifford يضيف عمقًا إنسانيًا للفيلم الذي يعكس هشاشة الرغبة في النجومية والمكانة الاجتماعية. وورلد برس عربي

في مشهدٍ يتكرّر في افتتاحيات هذا النوع من الأفلام، تصل فرقة تصوير صغيرة إلى عتبة قصرٍ ريفي، وتنتظر داخله سيّدةٌ ترتدي فستاناً فاخراً وتحمل كأس "بلودي ماري" فاترة، واثقةً أنّ الكاميرا التي أمامها ستصنع منها نجمة. هذا هو الكادر الذي يفتتح به المخرج Samuel Abrahams فيلمه الروائي الطويل الأول "Lady"، وهو عملٌ وثائقي زائف (mockumentary) يستعير شكل التوثيق الواقعي ليقول شيئاً أبعد من الواقع نفسه: كيف تتحوّل الحياة اليومية لطبقةٍ أرستقراطية إلى مادةٍ استعراضية حين تجد كاميرا تصدّقها.
بطلة هذا الاستعراض هي الليدي Isabella Ravenhyde، أرستقراطية ثرية جداً تؤدّي دورها Sian Clifford، وقد أقنعت نفسها، ثم أقنعت مَن حولها، بأنّ منصّة Netflix كلّفت شاباً اسمه Sam بصناعة فيلمٍ وثائقي عن سيرتها. المشكلة الوحيدة أنّ هذا التكليف غير موجود أصلاً؛ إنّه كذبة، لكنّها كذبةٌ تُدار بثقةٍ كافية لتصبح حقيقة المشروع بأكمله.
كذبة تصدّقها الكاميرا
Sam، الذي يؤدّي شخصيته Laurie Kynaston بهدوءٍ يناقض صخب مضيفته، شابٌّ من الطبقة الوسطى رتّب له وكيله الأعمال هذا اللقاء مع الليدي Isabella. يصل مع طاقمه إلى قصرها الريفي ليبدأ التصوير، فتستقبله الليدي بعروضٍ متتالية من يومياتها: كؤوس "بلودي ماري" فاترة تُعدّها بنفسها، وخزانة ملابس صاخبة تستعرضها أمام العدسة، وأوامر متواصلة توجّهها إلى خادمتها بيكي، التي تؤدّي دورها Juliet Cowan بصبرٍ طويل يصل إلى حدّ الإنهاك الصامت. الليدي Isabella، التي تصف نفسها بلا تردّد بأنها "إجابة الأرستقراطية على عائلة Kardashian"، مقتنعة تماماً أنّ هذا البثّ اليومي كافٍ لجذب جمهورٍ عريض.
وما يمنح الفيلم مفارقته الأعمق أنّ تطوّراً غريباً غير متوقّع يأتي، في لحظةٍ ما، ليؤكّد ولو جزئياً إيمان الليدي بمشروعها، كأنّ الواقع نفسه يتواطأ مع كذبتها. هذا المنعطف، الذي لا يفصح الفيلم عن تفاصيله بوضوح، يدفع الليدي أكثر نحو هوسها الأصلي: الفوز بمسابقة مواهب إقليمية تمنحها فرصة أداء رقصةٍ حديثة داخل زيٍّ ضخم على هيئة غراب مشهدٌ يختصر، أكثر من أي حوار في الفيلم، المسافة بين طموح الليدي وواقعها.
سيان كليفورد تحمل الكوميديا على كتفيها
يكتب العرض النقدي أنّ أداء Sian Clifford هو ما يمنح هذه الكوميديا طاقتها ووقودها. Clifford ليست غريبة عن هذا النوع من الأدوار المركّبة؛ فقد نالت جائزة BAFTA وترشيحاً لجائزة Emmy عن دورها شقيقة شخصية Phoebe Waller-Bridge في مسلسل "Fleabag"، كما شاركت في أدوارٍ مساندة في فيلمَي "The Ballad of Wallis Island" و"Mother Mary". في "Lady"، تبني Clifford شخصيةً تمشي على خطٍّ رفيع بين الكوميديا الصارخة والهشاشة الإنسانية، فتجعل من الليدي Isabella شخصيةً مضحكة دون أن تفرغها من إنسانيتها تماماً وهذا، في جوهره، ما يحوّل الفيلم من مجرد سخرية سطحية إلى تأمّلٍ في هشاشة الرغبة بالشهرة.
ثمّة طبقة أخرى من المفارقة يرسمها السيناريو بين Sam والليدي: كلاهما، إلى جانب Abrahams نفسه، سبق أن رُشّح لجائزة BAFTA عن فيلمٍ قصير دون أن يفوز بها. Sam لا يفوّت فرصة لتذكير الليدي Isabella بأنّ ترشيحه ذاك لم يقده إلى فوز، في مزحةٍ متكرّرة تكشف هشاشة الطموح المهني لدى الطرفين معاً، وإن اختلفت دوافعهما اختلافاً جذرياً. ومع تقدّم التصوير، تبدأ الليدي Isabella بالتقرّب من Sam بطريقةٍ تتجاوز حدود العلاقة المهنية، في تطوّرٍ يزيد المسافة الطبقية والعمرية بين الشخصيتين تعقيداً كوميدياً.
سخرية من النخبة، ومن الكاميرا التي تخدمها
يُشير العرض النقدي إلى أنّ قصة الفيلم رفيعة أحياناً، بل يصعب تتبّعها في بعض المقاطع، لكنّ هذا الضعف السردي لا يُفقد العمل غرضه الأساسي: السخرية المزدوجة من النخبة البريطانية ومن ثقافة الإعلام التي تغذّي طموحات أفرادها في الشهرة. الفيلم لا يسخر فقط من الليدي Isabella بوصفها فرداً، بل من المنظومة الإعلامية بأكملها التي تمنح أمثالها منصّةً وتصدّق كذباتهم إن كانت مقنعة بما يكفي.
يقارن العرض النقدي بنية "الفيلم الوثائقي داخل الفيلم" في "Lady" بمسلسل "The Comeback" للممثلة Lisa Kudrow، حيث تسعى شخصية Valerie Cherish أيضاً لاستعادة أضواء الشهرة عبر كاميرا توثّق حياتها. لكنّ الفارق الجوهري، كما يوضح العرض، أنّ الليدي Isabella وValerie Cherish تعيشان الامتياز الطبقي بطريقتين مختلفتين تماماً؛ فامتياز الأولى موروثٌ ومضمون، بينما تسعى الثانية لاستعادة امتيازٍ فقدته. وتستحضر الشخصية أيضاً، في هوسها بالكاميرا ورفضها تصديق أنّ نجمها أفل، صدى شخصية Norma Desmond الكلاسيكية تلك النجمة التي تأبى أن ترى نفسها كما يراها العالم.
خلف طاقم التمثيل، يقف فريقٌ صغير ساهم في تشكيل نسيج الفيلم: شاركت Miranda Campbell Bowling في كتابة السيناريو مع Abrahams، وصمّمت Terri Higgins الأزياء ومنها بالطبع زيّ الغراب الذي يتحوّل إلى أحد أكثر مشاهد الفيلم غرابةً وطرافة بينما تولّى Josh Mallalieu المونتاج.
ما الذي يبقى بعد انطفاء الكاميرا؟
يضع العرض النقدي "Lady" في سياقٍ أوسع من التفاوت الاجتماعي المستمر في بريطانيا (U.K.)، حيث لا تزال الامتيازات الموروثة تتعايش، بشكلٍ متناقض أحياناً، مع ثقافة إعلامية تعد الجميع بفرصة الشهرة. وبين كذبة Netflix، وزيّ الغراب، وكؤوس "بلودي ماري" الفاترة، يترك الفيلم سؤاله معلّقاً: حين تلتقي كاميرا تبحث عن قصة بشخصيةٍ تبحث عن مرآة، أيّهما يخدع الآخر فعلاً؟
أخبار ذات صلة

أندرو جارفيلد قد يفوز بالأوسكار عن دوره كسام ألتمان في "Artificial"

الأفلام المستقلة: الصناعة ترد على أزمة الندرة

ستراي كيدز تنضم إلى بي تي إس في مقاطعة جوائز غرامي
