اكتشاف كائن جوراسي يكشف أسرار تطور الرضاعة
اكتشاف أحفوري في منغوليا الداخلية يكشف عن مخلوق نصف مائي يجمع بين القندس وخلد الماء ويعيد تأريخ بداية الرضاعة عند الثدييات إلى زمن أبكر بكثير مما كان معروفاً سابقاً في سجل تطور الحياة على الأرض وورلد برس عربي

-اكتشاف أحفوري في إقليم منغوليا الداخلية بالصين يعيد النظر في فهمنا لبدايات سلالة الثدييات، إذ يكشف عن مخلوقٍ عاش قبل نحو 168 إلى 163 مليون سنة، جمع بين ملامح القندس وخلد الماء، وامتلك على الأرجح القدرة التشريحية على الرضاعة والبلع في مرحلةٍ أبكر بكثير مما كان يُعتقد سابقاً. الدراسة التي وصفت هذا الكائن، المسمّى Megacauda sungei، نُشرت الأربعاء 7 أكتوبر في مجلة Nature، وهي من النوع الذي يصنَّف ضمن الأبحاث الوصفية المعتمِدة على عيّنة أحفورية فريدة مكتشَفة عام 2016، لا على تحليلٍ إحصائي لعدد كبير من الحالات وهو تمييزٌ مهم عند تقييم ما تؤكده الدراسة وما تطرحه كفرضية.
يُوصف Megacauda sungei بأنه أكبر قريبٍ معروف للثدييات من العصر الجوراسي، بوزنٍ يتراوح بين 2.2 و4.4 رطل (1 إلى 2 كيلوغرام)، أي ما يعادل تقريباً وزن كلبٍ من سلالة الشيواوا. كما يُرجَّح أنه أقدم كائنٍ من طراز الثدييات عُرف بأسلوب حياةٍ شبه مائي حتى الآن، وهو ما يجعل من هذا الاكتشاف نقطة مرجعية جديدة في سجل تطوّر هذه المجموعة.
كائن هجين في تشريحه وسلوكه
وصف عالم الأحافير المشارك في الدراسة Zhe-Xi Luo من جامعة University of Chicago الكائن بعبارةٍ دالّة: "إنه أشبه بكائنٍ هجين (Chimera)." وأوضح أن "النصف الخلفي من هذا الحيوان يشبه إلى حدٍّ كبير خلد الماء، وكذلك الأطراف، التي كانت قادرة على السباحة أو حفر الأنفاق في ضفاف الأنهار." لكنه استدرك بأن الجزء الأمامي من الجسد يختلف تماماً، قائلاً إن الأسنان "ليست بالتأكيد مثل خلد الماء على الإطلاق"، موضحاً أن الكائن "مفترسٌ يمتلك أنياباً ضخمة ومتخصّصة للغاية." وخلص Luo إلى وصفٍ مركّب: "فهو إذن جزئياً أشبه بثعلب الماء (Otter)، وجزئياً أشبه بخلد الماء."
يحمل اسم Megacauda معنى "الذيل الكبير"، نسبةً إلى ذيله العريض والمفلطح الذي يشير إلى قدرة سباحة قوية، إلى جانب أرجله الخلفية القصيرة وقدميه الطويلتين نسبياً، وهي سمات تشريحية تتوافق مع نمط حياةٍ نصف مائي. أما فروته وأنيابه القوية وأسنانه الخدّية القاطعة، فتؤكد طبيعته المفترسة، وإن كانت طريقة قطعه ومضغه للحم تختلف عن الثدييات اللاحمة الحديثة. ووُجدت في منطقة المعدة بقايا عظام فقارية، مقترنةً بما هو موجود في الطبقات الأحفورية المحيطة، ما يرجّح أن غذاءه الأساسي كان السالاماندر (Salamander)، إلى جانب احتمال اصطياده للأسماك واللافقاريات في البحيرات والأنهار. ويُعتقد أنه كان يحتمي في جحورٍ أرضية ضمن مناخٍ معتدل غني بالنباتات.
ما الذي يكشفه الحلق عن تاريخ الرضاعة؟
الجانب الأكثر دلالة في هذا الاكتشاف، من منظور تطوّر الثدييات، يتعلّق بتشريح الحلق. يبدو أن Megacauda sungei كان يمتلك الجهاز اللازم للبلع والرضاعة من حليب الأم، وهو ما يدفع الباحثين إلى إعادة تأريخ هذه السمة إلى زمنٍ أقدم مما كان متداولاً في الأدبيات العلمية.
تمتلك الثدييات الحديثة، بما فيها الإنسان، عظمة لامية (Hyoid) على شكل حرف U في الحلق، تساعد على بلع الطعام الممضوغ في قطعٍ صغيرة بدل ابتلاع فرائس كاملة أو لقماتٍ كبيرة، وتُمكّن الرضّع أيضاً من الرضاعة من حليب أمهاتهم. ويُرجَّح أن هذا الجهاز التشريحي ساعد الثدييات المبكرة على التنوّع إلى آكلات لحوم وآكلات حشرات وعاشبات وكائنات قارتة.
وصف Luo هذا التطوّر بأنه "ابتكارٌ تطوّري بالغ الأهمية"، مضيفاً: "الآن نُرجع تاريخه إلى ما قبل انفصال الجرابيات الحديثة عن الثدييات المشيمية (Eutherian)." وتعليقاً على الدلالة الأوسع للاكتشاف، قالت عالمة الأحافير الفقارية Sue Hand من جامعة University of New South Wales: "كان يُعتقد سابقاً أن سلوك الرضاعة عند حديثي الولادة سمة مميزة للثدييات المتقدمة، لكن يبدو الآن أنه تطوّر قبل ذلك بكثير، في السلف المشترك للدوكودونتات (Docodontans) والثدييات، منذ ما لا يقل عن 165 مليون سنة."
يضع الباحثون جهاز الحلق الثديي ضمن الجوراسي الأوسط، أي بين 174 و164 مليون سنة مضت، في حين يُعتقد أن السلف المشترك البائض للجرابيات والثدييات المشيمية عاش قبل نحو 180 مليون سنة، وأن الانفصال بين الجرابيات (التي تضم الكنغر) والمشيمية (التي تضم الرئيسيات والدببة) حدث قبل نحو 160 مليون سنة. هذا يعني أن القدرة على الرضاعة والبلع المحكم سبقت هذا الانفصال بوقتٍ طويل، وفق ما يشير إليه Luo.
أقارب الثدييات لم يكونوا كائناً واحداً
الدوكودونتات (Docodonts) مجموعة منقرضة من أقارب الثدييات عاشت بين 200 و120 مليون سنة مضت، خلال العصرين الجوراسي والطباشيري حين كانت الديناصورات مهيمنة على اليابسة، وقد تكيّفت مع طيفٍ واسع من البيئات. فإلى جانب Megacauda sungei شبه المائي، تضم هذه المجموعة Microdocodon gracilis، وهو كائنٌ جوراسي شبيه بالزبابة عاش على الأشجار، وDocofossor brachydactylus الذي كان يحفر الأنفاق بمخالب تشبه المجارف. كما شارك Luo نفسه في فريق البحث الذي وصف سابقاً Castorocauda lutrasimilis، "القندس الجوراسي" شبه المائي الذي عاش قبل نحو 164 مليون سنة.
هذا التنوّع البيئي الواسع لم يفاجئ الباحثين. وعلّقت Hand قائلةً إن "هذه الدراسة المفصّلة للغاية تضيف إلى الأدلة المتراكمة على أن أشباه الثدييات (Mammaliaforms) شغلت نطاقاً واسعاً من المنافذ البيئية قبل وقتٍ طويل من تطوّر الثدييات الحية." من جهته، رأى عالم الثدييات Tim Flannery من معهد Australian Museum Research أن "أسلوب الحياة المائي بدا أنه نشأ مراراً في الأنواع المبكرة الشبيهة بالثدييات."
ما يطرحه هذا الاكتشاف إذن ليس حدثاً معزولاً، بل نمطاً متكرراً: كلما ازداد عدد الأحافير المكتشفة من هذه الحقبة، اتضح أن أقارب الثدييات لم يكونوا كائناً واحداً نمطياً يتطوّر خطياً نحو الثدييات الحديثة، بل شبكة متفرّعة من التجارب البيئية المتوازية بعضها على الأشجار، وبعضها تحت الأرض، وبعضها، كما يُظهر Megacauda sungei، في الماء. والسؤال الذي يتركه هذا الاكتشاف مفتوحاً هو كم من هذه التجارب التطورية ما زال مطموراً في الطبقات الصخرية بانتظار من يكشفه.
أخبار ذات صلة

اكتشاف كهوف القمر السرية: مشروع NASA الجديد

تلسكوب جيمس ويب يرصد أبعد "انفجار راديوي سريع" في الكون، يتجاوز الرقم القياسي السابق

المحيط الهادئ الأوسط يسجل قطيعة قياسية في درجات الحرارة.. وخبراء يرجحون مؤشراً لنوع جديد من النينيو
