وورلد برس عربي logo

رحلة فيلم من الخوف إلى صوت الحياة في فنزويلا

في فيلمه "ثلاثة بيوت" يحكي جيسي ترومبيز قصة فنزويلا من داخل البيوت بعيداً عن الشوارع، مستعرضاً حياة عائلته والتحديات اليومية وسط قمع سياسي وخوف من الابتزاز، ليقدم رؤية إنسانية عميقة من هامش الهامش وورلد برس عربي

جيسي ترومبيز، مخرج فنزويلي، في صورة بورتريه ملونة تعكس تجربته في صناعة فيلم وثائقي عن الحياة اليومية والسياسة في فنزويلا.
جيزي ترومبيز بإذن من جيزي ترومبيز
التصنيف:تسلية
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-في مطبخ أحد البيوت الثلاثة التي اختارها جيسي ترومبيز (Jeissy Trompiz) ليروي عبرها حكاية مدينته، توقّف المخرج الفنزويلي عن التصوير في الشارع لأوّل مرّة منذ بدأ المشروع. لم يكن القرار فنّياً، بل جاء من أمّه التي خافت أن يُبتزّ ابنها وهو يحمل هاتفه المحمول بين أزقّة مرا كايبو. يقول ترومبيز: "لم أعد أستطيع التصوير بكاميرتي في الشارع، لأنّ أمي كانت خائفة من أن أتعرّض للابتزاز". من هذا الخوف الصغير، العائلي، وُلد فيلم "ثلاثة بيوت" (Tres casas)، الذي انتقل من الرصيف إلى غرف الجلوس، ومن الحدث السياسي الكبير إلى التفصيل اليومي الذي يصنعه.

الفيلم، وهو رسالة فيديو توثيقية يوجّهها ترومبيز إلى صديق مخرج برازيلي، عمل عليه صاحبه أربع سنوات، وقد وقع عليه الاختيار أخيراً ضمن منتدى "Business Hub Works-In-Progress" المُطلَق حديثاً في مهرجان فانكوفر السينمائي (Vancouver Film Festival). لكن قبل أن يصل إلى هناك، قطع الفيلم مساراً طويلاً من الغياب والعودة، ومن الخوف إلى ما وصفه صاحبه بـ"العلاج".

من حافة فنزويلا إلى حافة الكاميرا

يصف ترومبيز نفسه بأنّه من أصول أفريقية وأصلانية (Afro Indigenous)، وأنّ مجتمعه في مرا كايبو يقع على "هامش الهامش" جغرافياً وسياسياً وثقافياً. حين يفكّر الغرباء في فنزويلا، كما يقول، تحضر كاراكاس وحدها في الذهن، بينما تبقى مدن مثل مرا كايبو المدينة النفطية الكبرى في البلاد خارج الصورة تماماً. من هنا تأتي قناعته بأنّ الفنون ينبغي أن تفسح المجال لوجهات نظر من أماكن أخرى، لأنّ ذلك، بحسب تعبيره، "يخلق إدراكاً أكثر تعقيداً، وتحليلاً وسرداً أكثر ثراءً".

غادر ترومبيز مرا كايبو عام 2014 ليدرس صناعة الأفلام في كوبا، في المدرسة الدولية للسينما والتلفزيون (International School of Film and TV)، قبل أن تأخذه رحلته إلى إقامة فنية في إيطاليا، ثم إلى تصوير أفلام قصيرة في كوبا وإندونيسيا. استقرّ أخيراً في جمهورية الدومينيكان عام 2019. لكن قيود الجائحة ومشكلات تجديد جواز سفره أبقته بعيداً عن فنزويلا نحو ست سنوات فترة غياب طويلة قارن خلالها، في أحاديثه، بين أزمة بلده وأزمة كوبا التي عرفها عن قرب.

بيت الأم التي اختارت ألّا تخاف

حين عاد ترومبيز أخيراً إلى فنزويلا، قال لنفسه: "الآن أستطيع أن أروي لك". كانت هذه هي اللحظة التي بدأ فيها تصوير "ثلاثة بيوت" فعلياً، في ثلاثة منازل عائلية تضمّ أناساً عاديين يتقاضون رواتب متواضعة، ويواجهون ضغوطاً يومية في ظلّ الحكومة الفنزويلية الحالية.

أمّه نفسها كانت جزءاً من هذه الحكاية قبل أن تصبح خلفها: ناشطة في صفوف المعارضة، تعرف أصدقاء سُجنوا، وتعرّضت لاتهامات، وفقدت وظيفة حكومية بسببها. ومع ذلك، حين سألها عن التصوير، لم تطلب منه التوقّف خوفاً على نفسها، بل قالت له: "إن كنت تظنّ أنّ هذا سيساعد الوضع السياسي في فنزويلا بأيّ شكل، إن كان سيساعد على الأقلّ في مسار البحث عن ديمقراطية في فنزويلا فافعله. لا تخَف عليّ". هذه الجملة، كما يصفها ترومبيز، تلخّص نوع المحادثات التي كانت تدور بينهما طوال تلك الفترة. وإلى جانب خوف الأم من الابتزاز، كانت هناك مخاطر إضافية فرضت التصوير داخل البيوت بدل الشوارع: المافيات المحلية والابتزاز المنتشر في المدينة.

يقول ترومبيز إنّ الوضع كان "محزناً وصادماً حقاً"، لكنّه يضيف أنّ صناعة الفيلم كانت بالنسبة إليه "علاجاً" وإن كان علاجاً مؤلماً. فحين بدأ العمل على الفيلم، بكى في لحظات لم يكن قد بكى فيها من قبل: "حين كنت في فنزويلا، كنت أحاول أن أشعر بالقوّة. جزء مني كان فخوراً، يقول: لا أريد أن أبكي من أجل هذه الحكومة، أو هذا القمع. لكن حين بدأت العمل على هذا الفيلم، بدأت أبكي. شعرت بالحزن، وشعرت بالغضب، ثم يبدأ التفكير من جديد. ماذا يمكنني أن أفعل؟ والفيلم أيضاً جزء من هذا التفكير". أمّا عملية المونتاج نفسها، فيصفها بأنّها كانت "أسوأ من العلاج".

فيلم لا يُحاكم حكومة بعينها

على مدى أربع سنوات، أجبرت التحوّلات السياسية المتلاحقة في فنزويلا ترومبيز على إعادة تشكيل فيلمه مراراً. يقول: "كلّنا نحن صنّاع الأفلام، دائماً نعيد التشكيل وإعادة الكتابة"، مضيفاً بثقة: "الفيلم بنفسه يجد طريقه للبقاء".

كان من أبرز هذه التحوّلات إزاحة نيكولاس مادورو عن السلطة، وهي لحظة احتفل بها أصدقاء ترومبيز وعائلته، لكنّه هو لم يشاركهم الفرح. لم يكن ترومبيز متردداً في موقفه من تدخّل الولايات المتحدة في إزاحة مادورو: "لا أريد أن أشكر ترامب على هذا. كنت أريد رحيل مادورو، لكن ليس عبر تدخّل أميركي، لأنّه لن يكون مجانياً". ويصف المشهد السياسي الحالي بأنّه "وضع فظيع، لأنّه أشبه بحكومة سياسية ذات رأسين. ترامب وهذه الحكومة الأخرى من فنزويلا".

ويرى ترومبيز أنّ جذور الفاشية ما زالت قائمة في كاراكاس، وأنّ الناس اليوم يعيشون بين الغضب والحزن. ومع أنّه بات أقلّ قلقاً من احتمال سجن أمّه، إلا أنّه يلاحظ أنّ التغييرات لم تكن جوهرية: التلفزيون يحمل قدراً أكبر قليلاً من انتقاد الحكومة، لكن من دون أيّ انتقاد للولايات المتحدة، وبعض شخصيات المعارضة أُفرج عنها، وباتت الاحتجاجات الصغيرة ممكنة، لكنّ أشخاصاً آخرين ما زالوا يُسجنون بسبب منشورات نقدية على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما تفاقمت الأوضاع الاقتصادية، ودفعت ملايين الفنزويليين إلى مغادرة بلادهم، تاركين من بقي في حيرة بشأن ما سيأتي لاحقاً.

من هنا تتبلور فكرته المركزية: "حتى حكومة يسارية يمكن أن تكون فاشية"، وبنظرة أوسع يقول إنّ "حكومة يمينية أو يسارية لا يمكن فقط أن تكون فاشية، بل يمكن أيضاً أن تصبح حليفة" إحداها للأخرى. ولهذا السبب تحديداً، يصرّ ترومبيز على أنّ "ثلاثة بيوت" ليس فيلماً موجّهاً لانتقاد حكومة بعينها أو للترويج للمعارضة، بل محاولة لإظهار كيف تتحوّل الحكومات إلى كيانات فاشية وقمعية، وكيف ينعكس ذلك على حياة الناس العاديين الذين لا يملكون صوتاً في الصراع الأكبر.

ينتج الفيلم بالاشتراك بين شركة Alamar Films الفنزويلية، وPiso Tres من جمهورية الدومينيكان، وPeixe Aranha من البرتغال، وقد حظي بدعم معهد الدوحة للأفلام (Doha Film Institute) ومنصّة Eurodoc Caribe. وبينما يتجه "ثلاثة بيوت" الآن نحو منصّة مهرجان فانكوفر، يبقى السؤال الذي يحمله الفيلم أكبر من مساره الإنتاجي: كيف يُروى بيت واحد حين يصبح البلد كلّه على المحكّ؟ وكما يقول ترومبيز نفسه، الفيلم ما زال يجد طريقه ليبقى حياً، تماماً كما يفعل أهل تلك البيوت الثلاثة كل يوم.

أخبار ذات صلة

Loading...
امرأة ترتدي قبعة وزينة لؤلؤية تنظر بحذر في مشهد من فيلم "Caddie" الأسترالي الكلاسيكي المعاد ترميمه لعام 1976.

الفيلم الأسترالي الكلاسيكي "كادي" ينضم إلى Potential Films قبل عرضه في مهرجان لوميير

اكتشفوا قصة كادي المرأة القوية التي تحدت الصعاب في فيلم أسترالي كلاسيكي مرمّم بدقة 4K يعيد إحياء روح الاستقلالية والطبقة العاملة. لا تفوتوا مشاهدة هذا العمل الفني التاريخي!
تسلية
Loading...
سوسن عابس، الممثلة الفرنسية، في صورة مقربة تظهر ملامحها الهادئة مع خلفية أرجوانية، بطلة مسلسل "Sleepless Nights" التجسسي الجديد.

مصورة 'حكاية أَمَة' تُخرج فيلم الإثارة الباريسي 'ليالٍ بلا نوم' .

في قلب باريس المضيء، تكشف "Sleepless Nights" قصة سيلين التي تواجه مؤامرة إرهابية مستخدمة مهاراتها في الإغواء والتجسس. اكتشف أسرار المدينة مع هذا الثريلر المثير ولا تفوت متابعة الأحداث المشوقة!
تسلية
Loading...
شعار IndieWire مع جائزة اختيار النقاد، يعكس تقييمًا إيجابيًا لمسلسل قانوني جديد يتناول قضايا شركات التقنية في وادي السيليكون.

تقييم «كوبرتينو»: درامة قانونية حادّة تفكّك أخلاقيات التكنولوجيا المعاصرة

في مسلسل Cupertino، يكشف محاميان مطرودان أسرار شركات التقنية الكبرى في وادي السيليكون، وسط قضايا تلامس قلق المجتمع من الذكاء الاصطناعي والمراقبة. اكتشف القصة كاملة الآن ولا تفوت التشويق!
تسلية
Loading...
امرأة شابة ترفع قطعة قماش ملطخة بالدماء في مشهد قاتم يعكس رعب الحرب وأجواء فيلم "Krux" الألماني-البولندي.

تقييم «Krux»: صورة قاسية لحياة القرية الألمانية في أفق الحرب العالمية الثانية

في "Krux" تتجسد قصة نهاية الحرب العالمية الثانية في قرية ألمانية محكومة بالخوف والدعاية النازية المستمرة، حيث يصور الفيلم الصراع بين الهلاك والأمل بأسلوب سينمائي قاتم وجميل. اكتشف القصة الكاملة الآن.
تسلية
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية