اكتشافات جيمس ويب تكشف أسرار ولادة النجوم في السدم
تلسكوب جيمس ويب يكشف لأول مرة تفاصيل ولادة النجوم داخل سديم برعم الزهرة باستخدام الأشعة تحت الحمراء. صورة مذهلة تفتح نافذة على مراحل التكوين الأولى وتكشف أسرار النفاثات النجمية في بيئة غبارية معقدة في الفضاء. وورلد برس عربي

كشف تلسكوب جيمس ويب الفضائي عن مشهدٍ لم تكن العين البشرية، ولا حتى أجيالٌ سابقة من التلسكوبات، قادرةً على رؤيته بهذا الوضوح: عشرات النجوم الفتية وهي في طور التشكّل داخل سحابةٍ كثيفة من الغاز والغبار، في سديم يبعد عن الأرض 3,300 سنة ضوئية. الصورة الجديدة التي التقطها ويب لسديم NGC 7129، المعروف أيضاً باسم «سديم برعم الزهرة»، لا تُقدّم مشهداً جمالياً فحسب، بل تفتح نافذةً علمية على إحدى أكثر مراحل حياة النجوم غموضاً: اللحظات الأولى التي تولد فيها النجوم محجوبةً عن الأنظار بسُحب الغبار الكوني.
لماذا تبقى النجوم الوليدة مخفية عن الأرصاد التقليدية؟
تتشكّل النجوم، بحسب الفهم العلمي الراسخ، من تكاثف الغاز والغبار داخل سحبٍ جزيئية موجودة في السدم. وهذه العملية، رغم كونها كونيةً بامتياز، تحدث في عتمةٍ شبه تامة؛ فسُحب الغبار التي تحيط بالنجوم في سنواتها الأولى تحجب الضوء المرئي وتمنع الرصد التقليدي من التقاط ما يجري داخلها. هذا بالضبط ما يجعل سديم NGC 7129 حالةً مثيرة للاهتمام العلمي: يُعتقد أنه يحتضن أكثر من مئة نجم يقلّ عمرها عن مليون سنة، وهي فترة زمنية قصيرة جداً على المقياس الفلكي، ما يجعل السديم بمثابة مختبرٍ طبيعي لدراسة النجوم في أطوارها الجنينية، من النجوم الأولية (protostars) وصولاً إلى نجومٍ أكثر تقدّماً في النمو.
المشكلة التقنية التي واجهت الفلكيين لعقود هي أن الرصد بالأطوال الموجية المرئية لا يخترق هذا الحجاب الغباري. الرصدات السابقة لسديم برعم الزهرة اعتمدت على أطوال موجية مختلفة ومراصد مختلفة، وقدّمت صوراً مفيدة لكنها لم تكشف التفاصيل الدقيقة لما يجري داخل السحب الكثيفة.
كيف غيّر «نيركام» قواعد اللعبة؟
الفارق الذي أحدثه جيمس ويب يكمن في قدرته على الرصد بالأشعة تحت الحمراء القريبة والمتوسطة، وهي أطوال موجية تخترق الغبار بدل أن تُحجب به. الصورة الجديدة التُقطت تحديداً باستخدام أداة NIRCam، اختصاراً لـ Near-InfraRed Camera، وهي الكاميرا المخصصة لرصد الأشعة تحت الحمراء القريبة على متن التلسكوب. هذا النطاق الطيفي يلتقط أيضاً ضوء النجوم والمجرّات الخافتة التي يصعب رصدها بوسائل أخرى، ما يمنح الصورة عمقاً إضافياً يتجاوز مجرد توثيق السديم.
النتيجة، كما وصفتها وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، أقرب إلى «مِرجل من الخلق الكوني»، في إشارة إلى الحركة الدؤوبة والتفاعلات المعقّدة بين النجوم الوليدة وبيئتها الغازية. هذا الوصف ليس بلاغياً فقط؛ فالصورة تُظهر فعلياً نجوماً وأجناناً نجمية (protostars) متداخلة مع الغاز والغبار في مشهدٍ ديناميكي يعكس مراحل تطوّر متفاوتة ضمن السديم نفسه.
ما الذي يمكن أن تكشفه هذه الدقة غير المسبوقة؟
القيمة العلمية لهذه الملاحظات لا تقتصر على التصوير وحده. الرؤية الأوضح بالأشعة تحت الحمراء القريبة تتيح للباحثين دراسة النفاثات النجمية القوية (stellar jets) التي تُطلقها النجوم الفتية، وهي تيارات من المواد شديدة الحرارة تندفع من النجم أثناء تشكّله. فهم آلية هذه النفاثات وتفاعلها مع المحيط الغازي من شأنه أن يساعد الفلكيين على بناء نموذج أدق لكيفية تطوّر النجوم من كتلة غازية منتشرة إلى جرمٍ مكتمل، وكيف تُعيد هذه العمليات تشكيل البيئة المحيطة بها داخل السديم.
بهذا المعنى، تمثّل ملاحظات جيمس ويب الجديدة لسديم NGC 7129 إضافةً نوعية إلى سجل الرصدات الفلكية، إذ تنقل الصورة من مجرد توثيقٍ بصري إلى أداة بحثية قادرة على تتبّع سيرة النجوم منذ لحظاتها الأولى المحجوبة عن الأنظار. وبينما تستمر المراصد الأرضية والفضائية في جمع بيانات تكميلية عن سدمٍ أخرى، يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت هذه النفاثات النجمية تتبع نمطاً مشتركاً عبر مختلف السدم، أم أن لكل بيئة نجمية قواعدها الخاصة في صياغة ولادة النجوم. لمزيد من التفاصيل والصور الكاملة، يمكن الاطلاع على صفحة ناسا الرسمية لمهمة ويب.
أخبار ذات صلة

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

الإمارات تكشف عن مسبار لمهمة طموحة لاستكشاف 7 كويكبات في 2028
