كشف أسرار العنف المدفون في بيوت العصر الحديدي والفايكنج
اكتشف كيف كشفت دراسة أثرية حديثة أن العنف في العصر الحديدي وعصر الفايكنج لم يقتصر على ساحات القتال بل امتد للبيوت نفسها حيث عُثر على جثث أطفال ونساء مدفونة تحت الأرضيات وأماكن غير تقليدية تكشف قصة مجتمع مليء بالعنف والظلم في وورلد برس عربي.

لم يكن كل الموتى في العصر الحديدي وعصر الفايكنج يحظون بمثوى يليق بذكراهم. فبينما تحتفظ كتب التاريخ بصورة المحارب الذي يُدفن في تلّ ضخم محاطاً بسلاحه وعدّته، تكشف دراسة أثرية جديدة أن جثثاً أخرى بينها طفل في الثانية أو الرابعة من عمره وامرأة شابة انتهى بها المطاف مدفونةً أو مُلقاة داخل البيوت نفسها التي كان الناس يعيشون فيها: تحت أرضية منزل، في بئر ماء، أو بجوار قاعة وليمة ملكية. وهذا بالضبط ما يجعل النتائج مقلقة بقدر ما هي مثيرة للاهتمام العلمي: فالعنف، كما توثّقه العظام، لم يكن محصوراً في ساحات القتال.
عندما تتحدث العظام بدل المؤرّخين
نشرت مجلة Journal of Archaeological Method and Theory، في 28 سبتمبر، دراسة شارك في إعدادها فريق من الباحثين من بينهم ماريان هيم إريكسن من المتحف الوطني الدنماركي، وضمّ أيضاً V. Tamorri وV. Louka وE. Tollefsen وK. Kay وJ. Appleby. اعتمد الفريق على تحليل عظمي لـ192 عظمة بشرية استُخرجت من مواقع استيطانية في الدنمارك والنرويج والسويد، وجميعها عظام عُثر عليها في فضاءات منزلية حفر الأعمدة، الآبار، أرضيات المنازل، الساحات وقاعات الولائم لا في المقابر التقليدية أو تلال الدفن الكبرى. هذا الاختيار المنهجي بالذات هو ما يمنح الدراسة قيمتها: فهي لا تبحث فيما نعرفه أصلاً عن مدافن المحاربين، بل فيما أُهمل أو أُخفي عن العين لقرون.
النتيجة الإحصائية الأولى لافتة: 12 فرداً على الأقل من بين عيّنة الدراسة حملت عظامهم آثار إصابات عنيفة وقعت قرب زمن الوفاة. نصف هذه الحالات تضمّن رضوضاً في الرأس، وأربعة أشخاص عانوا من إصابات متعددة. غالبية الضحايا كانوا رجالاً بالغين، لكن من بينهم أيضاً امرأتان وطفل واحد وهذا التفصيل وحده يكسر الصورة النمطية عن العنف بوصفه حِكراً على ساحة المعركة أو على الذكور المحاربين.
جمجمة طفل تحت أقدام الأحياء
أكثر الحالات إثارةً للقلق اكتُشفت في منزل من العصر الحديدي في الدنمارك، بُني في الفترة الممتدة بين عام 500 وعام 1 قبل الميلاد. عُثر على عظمة الجمجمة الأمامية لطفل تُوفي وهو بين سنتين وأربع سنوات من العمر، وأظهر التحليل الجيني أنه كان صبياً. تقول إريكسن: "تُظهر تحليلاتنا الجينية أنه صبيّ صغير تعرّض للقطع بسيف". والأغرب أن التأريخ بالكربون المشعّ أظهر أن عظمة الجمجمة أقدم من المنزل نفسه بما يصل إلى قرنين من الزمن، ما دفع الباحثين إلى افتراض أن العظمة رُبما احتُفظ بها لفترة قبل أن تُوضع في أرضية المنزل.
لكنّ الأكثر إثارة للتأمل ليس فقط وجود الجمجمة، بل أن الحياة استمرت فوقها. تقول إريكسن: "وُضعت جمجمة الطفل على أرضية منزلٍ استمرّ الناس في العيش فيه. وهذا يعني أن شخصاً ما كان يمشي فوق جمجمة طفل يوماً بعد يوم". هذه الصورة الحياة اليومية تتواصل حرفياً فوق رفات طفل قُتل بالسيف هي ما يجعل الباحثين يتحدثون عن "فهمٍ جديد كلياً لمجتمع العصر الحديدي، ولانتشار العنف فيه، ولطريقة التعامل مع الموتى"، على حدّ تعبير إريكسن.
امرأة في بئر، ورجل أمام قاعة الملك
في موقع آخر يعود إلى عصر الفايكنج، بين عامي 750 و1050 تقريباً، عُثر على جمجمة امرأة شابة داخل بئر ماء، بالقرب من مجموعة من أربعة منازل صغيرة. أظهرت الجمجمة آثار ضربات، ورجّح الباحثون أن سلاح الاعتداء كان سيفاً أو فأساً. وتقول إريكسن: "جمجمة المرأة حملت آثار ضربات، ودُفنت في بئر"، مضيفةً أن عظامها، كما في حالة الطفل، قد تكون احتُفظ بها قبل أن تُودَع في البئر نهائياً.
أما الحالة الثالثة فتعود إلى موقع "غاميل ليره" (Gammel Lejre)، أحد أبرز مواقع عصر الفايكنج، حيث يعتقد كثير من الباحثين أن قاعة الوليمة الملكية فيه كانت مصدر إلهام لملحمة "بيوولف" (Beowulf) الإنجليزية القديمة. هناك دُفن رجل مباشرةً جنوب تلك القاعة الملكية، وأظهر هيكله العظمي عدداً من إصابات القوة الحادة، التأمت عدة منها قبل وفاته. استنتج الباحثون أن هذا الرجل عاش حياةً صعبة ومؤلمة على الأرجح لسنوات قبل موته.
عنفٌ لم يكن استثناءً
يطرح الباحثون عدة تفسيرات محتملة لهذا النمط من العنف المنزلي والمجتمعي: العنف الأسري، أو العقاب الجسدي المقبول اجتماعياً في تلك الحقبة، أو أشكال من العدوان المجتمعي. وهم يشتبهون في أن الأفراد الأكثر هشاشة في المجتمع كانوا مستهدَفين تحديداً، في سياق تصاعد عدم المساواة الاجتماعية والعنف الذي ميّز العصر الحديدي وعصر الفايكنج، الممتدَّين تقريباً من 500 قبل الميلاد إلى عام 1050 ميلادية.
يقول الباحثون في الدراسة بوضوح: "الحقيقة أن الجثث لم تنتهِ كلّها في تلال دفن ضخمة في العصر الحديدي وعصر الفايكنج، ولا حتى في مدافن أو مقابر جماعية أكثر تواضعاً". ويضيفون ملاحظة أكثر حدّة: "لم تُنعَ كل الأرواح وتُستذكر بالتساوي في العصر الحديدي وعصر الفايكنج في اسكندنافيا"، ليختموا بسؤال يتجاوز حدود علم الآثار نفسه: "قد نتساءل عمّا إذا كانت بعض الأرواح تُعتبر أصلاً قابلة للتخلّص منها".
تصف إريكسن هذه اللقطات المتناثرة من حيوات عاشها بشر قبل آلاف السنين بقولها: "هذه اللمحات عن حيوات عاشها الناس في الماضي تُظهر مدى الاختلاف المثير للاهتمام في الطريقة التي كان الناس يفكرون بها حينها في الحياة والموت". وتخلص إلى أن "النتائج تُظهر تعقيداً أكبر بكثير في الحياة اليومية وعالم التخيّل في تلك الحقبة مما ننسبه عادةً إلى سكان العصر الحديدي".
ما تطرحه هذه الدراسة، إذن، ليس مجرد إضافة إلى سجلّ معرفي عن حقبة بعيدة، بل سؤالاً عن كيفية قراءتنا للماضي أصلاً: كم من "الحياة اليومية" في المجتمعات القديمة ظلّت غير مرئية لأن أصحابها لم يُدفنوا في المكان "الصحيح"؟ والأرجح أن مزيداً من التنقيب في الفضاءات المنزلية لا المقابر الرسمية وحدها — هو ما سيحدّد حجم هذه الظاهرة فعلياً عبر اسكندنافيا القديمة.
أخبار ذات صلة

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

الإمارات تكشف عن مسبار لمهمة طموحة لاستكشاف 7 كويكبات في 2028
