كيف تعزز الرياضة جهازك المناعي وتغير خلايا الدم
ممارسة الرياضة بانتظام تعزز جهاز المناعة على المستوى الجزيئي والخلايا المناعية تصبح أكثر نشاطاً واستعداداً لمواجهة الأمراض. اكتشف كيف يؤثر النشاط البدني على صحتك بشكل عميق في تحليل شامل من وورلد برس عربي.

لماذا يشعر من يمارسون الرياضة بانتظامٍ بجهازٍ مناعي أكثر تأهّباً، وما الذي يحدث فعلياً داخل خلايا الدم حين يتكرّر المجهود البدني ثلاث مرّاتٍ أسبوعياً على الأقلّ؟ سؤالٌ ظلّ لعقودٍ محصوراً في العلاقة الإحصائية بين النشاط البدني وتراجع مخاطر السكري وأمراض القلب، لكنّ دراسةً جديدة نُشرت في 18 سبتمبر في مجلة «Science Advances» تحاول النزول به إلى مستوى الخلية والجزيء، مقدّمةً بحسب الباحثين أنفسهم "منظوراً جزيئياً على الفوائد الصحية الشاملة" للرياضة.
ماذا قارنت الدراسة تحديداً؟
اعتمد فريق البحث، الذي ضمّ عشرين باحثاً بينهم Song وLv وGe وXu وWu وZheng وZhou وLi وZhang وChen وGao وYin وLiu، على قاعدة بيانات "أطلس المناعة الصيني متعدّد الأوميكس" (Chinese Immune Multi-omics Atlas - CIMA)، وهي مورد بحثي يغطّي 400 شخصٍ بالغ قدّموا عيّنات دمٍ وأجابوا عن استبياناتٍ مفصّلة حول نمط حياتهم. من هذه المجموعة، قارن الباحثون بين طرفَين: مَن يمارسون الرياضة بانتظام أي ثلاث مرّاتٍ أسبوعياً على الأقلّ، بما يتجاوز 150 دقيقة من النشاط المعتدل أو 75 دقيقة من النشاط عالي الشدّة أسبوعياً - ومَن لا يمارسون أيّ نشاطٍ بدني إطلاقاً.
الأداة المنهجية هنا هي ما يُعرف بالتحليل متعدّد الأوميكس (Multiomics)، وهو دمجٌ لبيانات المستقلَبات والدهون والبروتينات والحمض النووي الريبوزي (RNA) ذلك "ابن العمّ" الجزيئي للحمض النووي الذي يساعد في بناء البروتينات ضمن تحليلٍ واحد. هذا النوع من الدراسات لا يكتفي بقياس مؤشّرٍ واحد كسكّر الدم، بل يحاول رسم خريطةٍ متكاملة لما يتغيّر في الجسم على مستوياتٍ بيولوجية متعدّدة في آنٍ واحد.
ما الذي تغيّر في الأيض والمناعة؟
على مستوى الأيض، أظهر أصحاب النشاط المنتظم دلائل على ارتفاع معدّلات استقلاب السكّر والدهون، إلى جانب استقلابٍ عضلي أقوى، ومستوياتٍ أعلى من الجزيئات المضادّة للأكسدة. هذه المؤشّرات ليست مفاجئة في ذاتها فالعلاقة بين الرياضة وتحسّن استقلاب السكّر والدهون معروفةٌ سابقاً لكنّ الجديد يكمن في الطبقة المناعية من التحليل.
فحص الباحثون ما يُعرف بـ"إتاحية الكروماتين" (Chromatin accessibility)، وهي درجة انفتاح تغليف الجينات، والتي تحدّد مدى سهولة تفعيلها لبدء عملية النسخ والترجمة إلى بروتينات تُشغّل وظائف الجسم. وجدوا أنّ الخلايا المناعية "الساذجة" التي وُصفت بأنها بمثابة قوّاتٍ احتياطية يمكن استدعاؤها عند الحاجة تملك عند الرياضيين المنتظمين إتاحية كروماتين أكبر في الجينات اللازمة لمواجهة التهديدات. كما أظهرت خلايا الوحيدات (Monocytes) وخلايا B تعبيراً أعلى عن الجينات التي تُنبّه الجهاز المناعي.
أمّا خلايا T السامّة للخلايا (Cytotoxic T cells) والخلايا القاتلة الطبيعية (Natural Killer cells) - التي شُبّهت بـ"الجنود المشاة" في الجهاز المناعي فقد سجّلت نشاطاً أعلى لدى ممارسي الرياضة مقارنةً بغير النشطين. مجمل هذه المؤشّرات يوحي بأنّ النشاط البدني المنتظم قد يُبقي الجهاز المناعي في حالة تأهّبٍ أفضل لمواجهة التهديدات، وهو ما يفتح، نظرياً، مساراتٍ بحثيةً محتملة لإدارة أمراضٍ مزمنة كالسكري وأمراض القلب وحتى السرطان.
حماسٌ علمي مشروط بحدود واضحة
الدكتور Michael Siebers، الباحث في جامعة University of Duisburg-Essen، وصف الورقة بأنها "جيّدةٌ حقّاً، وتُظهر لأوّل مرّة ما يحدث فعلياً حين تمارس الرياضة على المستوى بين الخلوي"، مضيفاً: "هذا فعلاً عملٌ عميق". هذا التقييم من باحثٍ خارج فريق الدراسة يمنحها وزناً إضافياً، لكنّه لا يُلغي القيود المنهجية التي يجب على أيّ قارئٍ متابعٍ للشأن الصحي أن يأخذها بعين الاعتبار.
فالدراسة، رغم اعتمادها على تحليلٍ متعدّد الطبقات دقيق، لم تُثبت أنّ الرياضة هي سبب التغيّرات المناعية الملاحَظة. الباحثون أنفسهم أشاروا إلى احتمالٍ معاكس: أنّ ضعف التنشيط المناعي قد يكون هو ما جعل بعض المشاركين غير النشطين أقلّ قدرةً على ممارسة الرياضة أصلاً، وليس العكس. إلى ذلك، لم تسجّل الدراسة نوع النشاط الرياضي الذي مارسه المشاركون، كما جمعت معلوماتٍ محدودة جدّاً عن التكوين الجسدي للمشاركين، وهي عناصر قد تؤثّر على تفسير النتائج.
هذا التمييز بين الارتباط والسببية ليس تفصيلاً أكاديمياً هامشياً؛ فالعلاقة بين قلّة الحركة وارتفاع مخاطر الأمراض المزمنة، بما فيها السكري من النوع الثاني، معروفةٌ ومؤكَّدة أصلاً في الأدبيات الصحية، تماماً كما أنّ ممارسة الرياضة معروفةٌ بتقليل هذه المخاطر. ما تضيفه دراسة Song وزملائه (2026) المنشورة في المجلّد 12، العدد 38 من "Science Advances" ليس اكتشاف هذه العلاقة، بل محاولة تفسيرها على المستوى الجزيئي والخلوي.
ما الذي يبقى مفتوحاً؟
بالنسبة لأنظمةٍ صحية في منطقتنا لا تزال تصارع ارتفاع معدّلات السكري وأمراض القلب، تبقى قيمة هذا النوع من الأبحاث في كونها تمهّد الطريق لفهمٍ أعمق لآليات الوقاية، لا في كونها توصيةً علاجيةً جاهزة. الأسئلة المفتوحة كثيرة: هل تختلف الاستجابة المناعية بحسب نوع الرياضة أو شدّتها؟ وهل يمكن ترجمة هذه النتائج، المستمدّة من مجموعةٍ من البالغين في الصين، إلى سياقاتٍ سكانية مختلفة؟ الإجابات تنتظر دراساتٍ ميدانية أوسع، بعيّناتٍ أكبر وتفاصيل أدقّ عن نوع النشاط البدني وتكوين الجسم. وحتى ذلك الحين، يبقى ما هو مؤكَّد هو أنّ الحركة مفيدة، وما هو قيد البحث هو كيف بالضبط تُترجَم هذه الفائدة إلى لغة الخلايا والجينات.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
