وورلد برس عربي logo

رحلة كشف أسرار العظام العملاقة بين الأسطورة والعلم

هل كانت العظام الضخمة التي عُثر عليها عبر التاريخ لعمالقة أم لحيوانات منقرضة؟ تعرف على الصراعات العلمية والدينية التي كشفت أسرار هذه الاكتشافات وكيف غيّرت فهمنا لتاريخ الثدييات عبر العصور مع وورلد برس عربي.

هيكل عظمي لفيل ماموث منقرض معروض في متحف التاريخ الطبيعي، يبرز أهمية الحفريات في فهم تاريخ الثدييات القديمة.
حفريات اكتُشفت في كنتاكي في القرن الثامن عشر حيرت بنجامين فرانكلين، الذي ظن أنها تشبه فيلًا، إلا أن أسنانها كانت مختلفة عن أي نوع معروف من الحيوانات.
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-حين تُوفي العالِم الفرنسي جورج كوفييه عام 1832، كشف تشريح جثته أنّ دماغه كان يزن 1830 غراماً 4 أرطال، أي أكثر من متوسط وزن الدماغ البشري بأكثر من 400 غرام 14 أونصة، وأثقل بـ200 غرام 7 أونصة من أي دماغ بشري قيس قبله. لم يكن هذا الرقم مجرّد طرفة تشريحية يتداولها معاصروه؛ فأحد المعجبين به وصفه قائلاً إنّه "أضفى على شخصه كله طابعاً لا يُنكر من الجلال، وعلى وجهه تعبيراً عن تأمّل عميق". كان هذا العقل هو الذي وضع، بعد أكثر من ألفي عام من الجدل الديني والأسطوري، حداً فاصلاً لسؤالٍ ظلّ يُحيّر البشرية: ماذا تفعل حين تجد عظاماً أكبر من أي إنسان أو حيوان تعرفه؟

نعرف اليوم أنّ الثدييات ظهرت على الأرض منذ أكثر من 200 مليون سنة، وأنّ أسلافها الأولى كانت بحجم الفأر تعيش في ظل الديناصورات، وأنّ اصطدام كويكب بالأرض قبل 66 مليون سنة مهّد الطريق لما يُعرف بـ"عصر الثدييات". هذا الإطار الزمني العميق، الذي يبدو بديهياً في كتب العلوم المدرسية اليوم، لم يكن متاحاً للبشر الذين عثروا، عبر قرون طويلة، على عظام وأنياب عملاقة مدفونة في التربة من صقلية إلى سيبيريا، ومن فرنسا إلى وادي نهر أوهايو. هذا السياق التاريخي يستعرضه عالم الحفريات دونالد ر. بروثيرو في كتابه الجديد "The Story of the Mammals in 25 Discoveries: Amazing Fossils and the People Who Found Them"، الصادر عن مطبعة جامعة كولومبيا عام 2026.

حين كانت العظام الضخمة دليلاً على عمالقة ووحوش

قبل أن يُفسَّر حجم العظام الكبيرة بوصفه أثراً لحيوانات انقرضت، كانت كل حضارة تقريباً تربط هذه الاكتشافات بأساطيرها الخاصة عن عمالقة من البشر. الفيلسوف اليوناني إمبيدوكليس (492-432 ق.م) تحدّث عن رفات عمالقة عُثر عليها في صقلية. المؤرخ الروماني بليني الأكبر (23-79 م) أشار إلى عاج أحفوري وُجد في باطن الأرض، بينما كتب سوتونيوس (69-122 م) أنّ الإمبراطور أوغسطس جمع عظاماً ضخمة عُثر عليها في جزيرة كابري قرب بومبي. وفي كثير من هذه الحالات، كانت جماجم الفيلة، بفتحة الخرطوم الكبيرة في وسطها، تُؤخذ خطأً على أنها جماجم لعمالقة وحيدي العين.

في العصور الوسطى الأوروبية، نُسبت هذه العظام إلى بشر أو وحوش غرقوا في طوفان نوح، استناداً إلى تفسيرات استُحضر فيها النص الوارد في سفر التكوين 6:4 عن العمالقة. وفي سيبيريا، فُسّرت الأنياب الضخمة بوصفها قرون وحيد القرن أو أنياب تنانين، بل إنّ أسناناً وفقرات لحيوان الماموث حظيت في بعض الأماكن بتبجيل بوصفها رفاتاً مقدّسة لقدّيسين. واللافت أنّ التفسيرات المبكرة نادراً ما توصّلت إلى الاحتمال الأقرب إلى الصواب: أنّ هذه العظام تعود إلى فيلة منقرضة.

محاكمة علمية حول عظام فرنسية: أطباء في مواجهة الحلاقين-الجرّاحين

في مطلع القرن السابع عشر، عُثر على عظام ضخمة في حفرة رملية قرب بلدة لانغون جنوب شرق فرنسا، فعُرضت على الجمهور باعتبارها رفاتاً للتوتون، تلك القبائل الجرمانية التي يُقال إنها اجتاحت بلاد الغال قبل أن يهزمها الرومان عام 101 ق.م. لكنّ عام 1613 شهد تحدياً علمياً لهذه الرواية حين جادل التشريحي ريولان بأنّ عظام لانغون تعود في الواقع إلى فيل وليس إلى إنسان عملاق.

رسم قديم لوحيد القرن الأسطوري يظهره في مشهد طبيعي مع رجل صغير في الخلفية، يعكس تصورات العصور الوسطى عن المخلوقات الخرافية.
Loading image...
رسم لوحيد القرن من إيطاليا في القرن السادس عشر. في العصور الوسطى، كان الناس يعتقدون أن الأنياب التي تُسحب من الأرض تعود لهذا الكائن الأسطوري. (حقوق الصورة: مجموعة الصور التاريخية من Bildagentur عبر Alamy)

تحوّلت القضية إلى صراع مهني وفكري: اصطفّ الأطباء والتشريحيون في جانب، بينما وقف الحلاقون-الجرّاحون في الجانب الآخر، وتبادل الفريقان الاتهامات حول طبيعة العظام الحقيقية. البعض رأى فيها خدعة أو حيلة، فيما ذهب آخرون إلى أنها نتاج "قوى بلاستيكية" للأرض تُشكّل أجساماً تشبه العظام من تلقاء نفسها. أضيفت إلى ذلك اعتراضات دينية رفضت تفسير العظام بأنها لفيل، لأن ذلك يتعارض مع الصورة المتخيَّلة عن الخليقة. انتهت هذه المساجلات عام 1618 دون حسم، واستمر كثيرون لقرنين من الزمن يعتقدون أنّ تلك العظام تعود فعلاً إلى بشر عمالقة.

العالم الجديد يُشعل الجدل من جديد

لم يكن الخلاف حكراً على أوروبا. فقد نُسبت العظام العملاقة المكتشفة في العالم الجديد، في روايات القبائل الأمريكية الأصلية، إلى وحوش حاربها الأجداد في الماضي، بينما فضّل بعض المستوطنين الأوروبيين تفسيرها بوصفها رفاتاً لبشر عمالقة من العصور التوراتية، بل اعتبر بعضهم الأنياب التي كانت تُجلّها قبائل أمريكية أصلية عملاً من أعمال الشيطان.

عام 1519، استلم المستكشف الإسباني هرنان كورتيز عظمة "عملاقة" من قبيلة تلاسكالان في المكسيك، وأرسلها إلى ملك إسبانيا بوصفها دليلاً على وجود عمالقة في العالم الجديد. وبعد قرابة قرنين، عام 1706، فسّر القس كوتون ماذر، في مستعمرة خليج ماساتشوستس، عظاماً مكتشفة بأنها "رفات عمالقة كافرين غرقوا في طوفان نوح"، وأرسلها إلى الجمعية الملكية في لندن طلباً لاعتمادها دليلاً على وجود "عملاق شرير". في تلك الفترة، كان بعض علماء اللاهوت يحسبون طول آدم عليه السلام بـ123 قدماً و9 إنشات. غير أنّ الجمعية الملكية لم تصدر رأياً قاطعاً، إذ كان كثير من أعضائها متشككين في أي قراءة حرفية لسفر التكوين.

حين بدأت الأدلة تتكاثر: من نهر أوهايو إلى كنتاكي

مع اتساع رقعة الاستكشاف الجغرافي في القرن الثامن عشر، بدأت الصورة تتغيّر تدريجياً. فقد بحث المستكشفون عن "وحوش عملاقة" مختبئة في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وجزر الهند الشرقية فلم يجدوا شيئاً، في حين ظلّت عظام أفراس النهر المكتشفة في باريس ولندن، رغم ارتباطها الواضح بحيوانات استوائية، تُنسب إلى الطوفان العظيم بدلاً من الإقرار بانقراضها. وبحلول أواخر القرن الثامن عشر، بات واضحاً أنّ كثيراً من الأحافير المكتشفة لا نظير حيّ لها على وجه الأرض، لكنّ فكرة الانقراض ظلّت تُعدّ تجديفاً.

عام 1739، عثر الضابط الفرنسي تشارلز لو موين، بارون لونغوي، على رفات تشبه ثلاثة فيلة على ضفاف نهر أوهايو، أثناء حملة عسكرية ضد قبائل الشيكاسو بقوات فرنسية وهندية قادمة من مونتريال. وبعد انتهاء الحرب عام 1740، جمع لو موين العظام وشحنها إلى نيو أورلينز ثم إلى باريس. في الأثناء، كان المستوطنون الإنجليز، خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الثامن عشر، يُرسلون عظاماً من موقع "بيغ بون ليك" في كنتاكي إلى إنجلترا وإلى بنجامين فرانكلين في أمريكا. كانت الأنياب تشبه أنياب الفيلة والماموث، لكنّ أسنان الحيوان اختلفت عن أسنان الفيلة الحية، إذ تبيّن لاحقاً أنّ هذه الأحافير تعود إلى الماستودون الأمريكي (Mammut americanum). اعتقد فرانكلين في البداية أنّ شكل الأسنان يشير إلى حيوان مفترس، قبل أن يستقر هو وآخرون على أنّ الحيوان كان عاشباً.

مشهد تاريخي يُظهر صراعاً بين جنود ورجال حول عملاق محتجز، يعكس الأساطير القديمة عن العمالقة وتأويلات العظام الضخمة في الحضارات القديمة.
Loading image...
كانت العظام الضخمة المكتشفة في جنوب شرق فرنسا تُعتقد سابقًا أنها تعود للعمالقة التيوتونيين.

عام 1769، اقترح التشريحي البريطاني وليام هنتر أنّ هذا الكائن المجهول، الذي أطلق عليه اسم "incognitum" (وهي كلمة لاتينية تعني "المجهول") أو "الفيل الزائف"، نوع مستقل قائم بذاته، وربما كان مفترساً. كتب هنتر بعبارة بالغة التشبيه: "هذا الوحش، بما يمتلكه من رشاقة النمر وضراوته... قاسٍ كالفهد الدموي، سريع كالنسر المنقضّ، مرعب كملاك الليل... وإذا كان هذا الحيوان مفترساً فعلاً، وهو ما لا أظن أن يُشك فيه، فرغم أننا كفلاسفة قد نأسف لذلك، فإننا كبشر لا يسعنا إلا أن نشكر السماء على أنّ نسله بأكمله قد انقرض على الأرجح". لم يتقبّل علماء الطبيعة في عصر هنتر هذا الطرح، رغم أنّ اكتشافات متكررة لجثث ماموث متجمّدة في سيبيريا، محتفظة بشعرها وجلدها، كانت تعزّز فرضية وجود حيوانات ضخمة اختفت من على وجه الأرض.

بوفون يُدخل فكرة الزمن العميق إلى العلم

كان عالم الطبيعة الفرنسي جورج لوي لوكليرك، كونت بوفون، أول من بنى على هذه الأدلة المتناثرة إطاراً نظرياً متماسكاً. في كتابه "Théorie de la terre" الصادر عام 1749، خلص إلى أنّ ثدييات برية ضخمة مثل الماموث والـ"incognitum" انقرضت على الأرجح، رغم أنه ظنّ في البداية أنّ كثيراً من هذه الحيوانات "المنقرضة" ربما لا تزال تعيش في مناطق مجهولة من العالم. بحلول عام 1778 تحوّل موقفه: ربط اختفاء هذه الأنواع بكوارث عنيفة وقعت في تاريخ الأرض المبكر، واقترح أنّ مناخات قديمة أكثر دفئاً سادت القطبين في مرحلة ما، ما سمح لحيوانات الماموث بالعيش في سيبيريا. وقدّر بوفون عمر الأرض بما بين 75,000 و3,000,000 سنة، في قطيعة جريئة مع التقدير الحرفي التوراتي البالغ 6,000 سنة.

قوبلت أفكار بوفون بمعارضة شديدة من لاهوتيي جامعة السوربون، ولم تحمِه من الملاحقة إلا الحماية الملكية التي تمتّع بها، ومع ذلك لم تلقَ طروحاته قبولاً واسعاً في زمنه. كانت المادة الخام جاهزة، لكنّ المنهج الذي يحوّلها إلى برهان علمي قاطع كان لا يزال غائباً.

كوفييه يحسم الجدل بالتشريح المقارن

جاء هذا المنهج على يد جورج كوفييه، أو باسمه الكامل جان ليوبولد فريديريك جورج كوفييه (1769-1832)، الذي اعتمد على تشريح الحيوانات ومقارنة أوجه التشابه والاختلاف في بنيتها التشريحية، فأرسى بذلك علم التشريح المقارن كأحد أسس البيولوجيا الحديثة. توافد عليه علماء الطبيعة والمستكشفون بعظام أحفورية من مختلف أنحاء العالم، فتمكّن من وصف كثير من الحيوانات المنقرضة وصفاً دقيقاً، من بينها تحديده أسنان "المجهول العظيم" (Great Incognitum) على أنها تعود إلى حيوانات شبيهة بالفيل من فصيلة الماستودون، وتفسيره الصحيح لسحالٍ بحرية ضخمة باتت تُعرف اليوم باسم الموزازورات (mosasaurs).

وضع كوفييه أيضاً ما يُعرف بـ"قانون ترابط الأجزاء"، الذي يربط السمات التشريحية بالنظام الغذائي وغيره من الصفات، وهو ما مكّن علماء الحفريات لاحقاً من إعادة بناء هيكل حيوان كامل انطلاقاً من عدد محدود من العظام الأساسية. بفضل هذا المنهج، يُعدّ كوفييه اليوم مؤسّس علم حفريات الفقاريات، إذ حوّل جدلاً استمر أكثر من ألفي عام بين أساطير العمالقة، وتفسيرات الطوفان، وفكرة "العناية الإلهية" التي تمنع انقراض المخلوقات إلى حقيقة علمية راسخة: أنّ أنواعاً كاملة يمكن أن تختفي إلى الأبد من على وجه الأرض.

هذه الرحلة الطويلة، التي يوثّقها دونالد ر. بروثيرو بتفصيل في كتابه الصادر حديثاً، تذكّرنا بأنّ ما يبدو اليوم بديهياً في علم الأحياء والحفريات مفهوم الانقراض نفسه كان ذات يوم فكرة يُنظر إليها بوصفها تجديفاً يهدد نظاماً كاملاً من التفسير الديني للعالم. ولمن يرغب في متابعة بقية فصول هذه القصة، يمكن الاطلاع على تفاصيل الكتاب عبر صفحته على موقع مطبعة جامعة كولومبيا.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية