وورلد برس عربي logo

اكتشاف مايكروبلازار داخل مجرتنا يغير مفاهيم الفلك

علماء الفلك يقتربون من اكتشاف أول مايكروبلازار داخل مجرتنا وهو جسم فريد ينطلق منه نفاثات طاقة عالية نحو الأرض ما قد يغير فهمنا للثقوب السوداء النشطة ويكشف أسرار الجسيمات عالية الطاقة في الكون تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

جسم IRAS 18293-0941 في مجرة درب التبانة مع ثقب أسود ونجم عملاق ينتجان نفّاثاً عالي الطاقة باتجاه الأرض كمرشح لمايكروبلازار.
تصور فني لـ IRAS 18293−0941، حيث يعتقد العلماء أن هذا هو أول مثال يُكتشف على الإطلاق لما يُعرف بالميكروبلازار. (حقوق الصورة: ب. ماركوتي (JIVE/ASTRON).)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يبحث علماء الفلك منذ عقود عن ظاهرة نظرية لم يسبق رصدها فعلياً: نسخة مصغّرة من «البلازار» (Blazar)، أحد أكثر الأجسام طاقةً في الكون، لكن بحجم أصغر وداخل مجرّتنا نفسها. والآن، يعلن فريق بحثي دولي أنه ربما عثر على أقوى مرشّح حتى اليوم لهذه الظاهرة، في جسمٍ يحمل الاسم «IRAS 18293-0941»، لكنّ القصة الحقيقية ليست في الاكتشاف وحده، بل في الفجوة التي ما تزال قائمة بين ما تنبّأت به النظرية وما أثبتته الأرصاد فعلياً.

قاد الدراسة باحثون فلكيون من إسبانيا وهولندا والأرجنتين، ووصفوا الجسم بأنه «مرشّح مايكروبلازار» (microblazar) أي بلازار صغير الحجم يتّجه نفّاثه نحو الأرض مباشرة. الدراسة، التي قُبلت للنشر في مجلة Astronomy and Astrophysics تحت عنوان «A Galactic microblazar as a potential accelerator of ultra-high-energy particles»، وقّعها 13 باحثاً، ومن المقرّر أن تصدر رسمياً عام 2026 بمعرّف DOI: 10.1051/0004-6361/202661105.

لماذا يثير هذا الجسم كل هذا الاهتمام؟

لفهم أهمية الاكتشاف، لا بد من العودة إلى التدرّج الكوني في عالم الثقوب السوداء النشطة. الكوازارات (Quasars) أجسامٌ شديدة السطوع تتكوّن حين تنتزع الثقوب السوداء الهائلة الكتلة مادةً من مجرّاتها المضيفة، وتقذف جزءاً من هذه المادة في نفّاثين متعاكسين من الجسيمات والإشعاع. حين يتّجه أحد هذين النفّاثين مباشرةً نحو الأرض بسرعةٍ قريبة من سرعة الضوء، يُسمّى الجسم «بلازاراً». وقد اكتشف العلماء سابقاً نسخاً أصغر تُعرف باسم «الكوازارات الصغرى» (microquasars)، لكنّ النظرية ظلّت تتنبّأ منذ زمنٍ طويل بوجود «مايكروبلازارات» مماثلة دون أن يُرصد أيٌّ منها فعلياً.

يقع IRAS 18293-0941 داخل مجرّة درب التبانة، على بُعد نحو 12,000 سنة ضوئية من الأرض، خلف سحابةٍ كثيفة من الغبار تحجبه جزئياً عن الرصد المباشر. وهو نظامٌ ثنائي يضمّ ثقباً أسوداً ونجماً عملاقاً حاراً يدور الثقب الأسود حوله كل 11 يوماً. ومع سقوط المادة من النجم إلى الثقب الأسود، يتشكّل نفّاثان متعاكسان، يتّجه أحدهما نحو الأرض وهذا بالضبط ما يحتاجه البلازار كي يُصنَّف كذلك.

للتأكّد من هذه الخصائص، استعان الباحثون بمجموعة من أكبر مرافق الرصد الفلكي: مرصد كالار ألتو الفلكي في إسبانيا، وشبكة VLBI الأوروبية لتلسكوبات الراديو، ومصفوفة MeerKAT للراديو في جنوب أفريقيا، إضافة إلى بياناتٍ أرشيفية من المصفوفة الكبيرة جداً (Very Large Array) في نيومكسيكو. وبحسب الفريق، أظهر الجسم جميع الخصائص المتوقّعة لمايكروبلازار باستثناء واحدة.

رسم توضيحي لرصد مرشح مايكروبلازار IRAS 18293-0941 في مجرة درب التبانة يظهر نفاثاً يتجه نحو الأرض وبقعة ساخنة محتملة خلفه.
Loading image...
مقارنة بين الصور الفلكية لـ IRAS 18293-0941 (على اليسار) والانطباع الفني (على اليمين).

الأدلة التي لا تزال ناقصة

العلامتان المتبقّيتان في قائمة المايكروبلازار النظري هما وجود «بقعة ساخنة» (hotspot) تتشكّل حين يسخّن النفّاث المعاكس الوسط النجمي البعيد عن الأرض، وتقلّبات سريعة وملحوظة في السطوع ناتجة عن ظاهرة «تضخيم دوبلر» التي تحدث حين يواجه النفّاث الأرض مباشرة. يعمل الباحثون حالياً على التحقّق مما إذا كانت منطقةٌ مرصودة خلف الجسم تمثّل فعلاً تلك البقعة الساخنة المنتظرة، لكن النتيجة لم تُحسم بعد.

أما غياب التقلّبات السريعة في السطوع، فيفسّره جوزيب مارتي، عالم الفلك في جامعة خاين والمؤلّف الأول للدراسة، بوجود سحابة غاز كثيفة محيطة بالنظام قد تعمل على تنعيم أي تذبذبات في السطوع قبل أن تصل إلينا. ويقول مارتي معلّقاً على أهمية الاكتشاف: «إنها المرة الأولى التي نحظى فيها بمرشّح جادّ». ويضيف موضّحاً صعوبة رصد مثل هذه الأجسام: «بسبب التطوّر النجمي، يجب أن تضبط توقيت رصد النظام في اللحظة المناسبة تماماً»، ويُكمل: «مرحلة الكوازار الصغير في التطوّر قصيرةٌ جداً، لذا من الصعب العثور على نظامٍ في تلك المرحلة بالذات».

ماذا يقول علماء مستقلّون عن النتائج؟

التحفّظ العلمي الذي طبّقه الفريق نفسه حين امتنع عن الجزم باكتمال جميع الشروط، وجد صدىً إيجابياً لدى باحثين من خارج الدراسة. يقول كينوا وو، الفيزيائي الفلكي النظري في كلية لندن الجامعية (UCL): «الادّعاءات والنتائج الواردة في الورقة البحثية منطقية ولا توجد فيها افتراضات خفية مثيرة للشك»، مضيفاً أن «المصدر في هذه الدراسة أظهر مؤشّرات على تفاعلاتٍ بين النفّاثين والمادة المحيطة، وهو ما يقود بشكل طبيعي إلى تفاعل الجسيمات».

من جهتها، وصفت سفيتلانا يورستاد، الباحثة العلمية الأولى في معهد الأبحاث الفيزيائية الفلكية بجامعة بوسطن، الدراسة بأنها «مثيرة جداً للاهتمام ومهمّة وشاملة». أما إيتوميليلنغ موناغينغ، عالمة الفلك في جامعة كيب تاون، فرأت أن البحث «يقدّم آليةً كانت مُهمَلة سابقاً لتوليد بعض أعلى الانبعاثات الطاقوية المرصودة»، وأن مثل هذه الأجسام «قد تُشغّل بعضاً من أكثر العمليات طاقةً في الكون».

تحقيقٌ كهذا، لو تأكّد لاحقاً، لن يضيف فقط جسماً جديداً إلى سجلّ الفلك، بل سيفتح مساراً لفهم كيفية تسارع الجسيمات فائقة الطاقة في بيئاتٍ أصغر بكثير من مراكز المجرّات النشطة التي اعتاد العلماء دراستها. لكن يبقى السؤال معلّقاً حتى تُحسم مسألتا البقعة الساخنة والتقلّبات السريعة: هل نحن فعلاً أمام أول مايكروبلازار مؤكَّد في التاريخ، أم أن الحسم ما يزال ينتظر رصداً أدقّ يخترق سحابة الغبار الكثيفة التي تحجب هذا الجسم عن أعين التلسكوبات؟

أخبار ذات صلة

Loading...
حفرة ماريوس هيل على سطح القمر، مدخل محتمل لنفق بركاني قد يوفر مأوى طبيعيًا لرواد الفضاء وفق مشروع ناسا GIMLI.

اكتشاف كهوف القمر السرية: مشروع NASA الجديد

تسعى ناسا لاكتشاف ملاذ طبيعي في حفرة ماريوس هيل على القمر لحماية رواد الفضاء من الإشعاع والبرد القارس. اكتشف كيف يفتح مشروع GIMLI آفاق الاستيطان القمري المستقبلية وكن جزءاً من الرحلة العلمية المثيرة.
علوم
Loading...
وميض راديوي سريع قادم من مجرة بعيدة على بعد أكثر من 10 مليارات سنة ضوئية، يمثل أبعد إشارة رُصدت باستخدام تقنيات الفلك الحديثة.

تلسكوب جيمس ويب يرصد أبعد "انفجار راديوي سريع" في الكون، يتجاوز الرقم القياسي السابق

في اكتشاف فلكي مذهل، رصدت فرقة دولية أبعد ومضة راديوية سريعة من مجرة بعيدة عمرها 3 مليارات سنة، باستخدام تلسكوب جيمس ويب. تعرف على أسرار الكون المبكر وكن جزءاً من رحلة البحث المستمرة. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
خريطة حرارة سطح المحيط الهادئ تُظهر ارتفاع درجة حرارة منطقة نينيو 3.4 إلى أكثر من 30 درجة مئوية، مما يشير إلى ظاهرة نينيو قوية وغير مسبوقة.

المحيط الهادئ الأوسط يسجل قطيعة قياسية في درجات الحرارة.. وخبراء يرجحون مؤشراً لنوع جديد من النينيو

تسجل منطقة نينيو 3.4 ارتفاعاً قياسياً في حرارة سطح المحيط الهادئ، ما ينبئ بقوة غير مسبوقة لظاهرة النينيو وتأثيرها الكبير على الطقس العالمي. اكتشف المزيد عن هذه الظاهرة وتأثيراتها الآن!
علوم
Loading...
بانوراما لشروق الشمس على منحدرات جبل شارب في المريخ، تُظهر تضاريس صخرية تكشف تاريخ المريخ المائي.

شروق الشمس على المريخ | صورة الفضاء ليوم 8 أكتوبر 2026

تلتقط مركبة Curiosity على المريخ مشاهد ساحرة لجبل شارب تكشف أسرار المياه القديمة وتاريخ التضاريس. اكتشف كيف يغير هذا المشهد فهمنا للكوكب الأحمر واستمر في متابعة الرحلة العلمية!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية