السينما الفرنسية تستعيد ألقها في سباق الأوسكار
فرنسا تطلق استراتيجية جديدة لتعزيز حضور أفلامها في الأوسكار عبر دعم مالي مضاعف ومنسق خاص للحملات بهدف كسر حاجز الثلاثين عاماً بدون فوز وترسيخ مكانتها في كل فئات الجوائز السينمائية وورلد برس عربي

-في الأرشيف الفرنسي للسينما، هناك رقمٌ يتكرّر كلّما اقترب موسم الأوسكار: 43 ترشيحاً في فئة أفضل فيلم دولي، أكثر من أيّ بلدٍ آخر في العالم. لكن إلى جانب هذا الرقم اللامع يقف رقمٌ آخر أكثر صمتاً: فوزٌ واحد فقط منذ عام 1993، حين حصد فيلم "Indochine" لريجيس فارنييه تمثال الأوسكار. ثلاثة عقودٌ من الترشيحات المتكرّرة والانتظار غير المكتمل وهو الفارق الذي قرّر المركز الوطني الفرنسي للسينما (CNC) أخيراً أن يتعامل معه لا كقدَر، بل كمشكلةٍ قابلة للحلّ.
يوم الاثنين، وفي مؤتمرٍ مخصّص لصادرات السينما والتلفزيون الفرنسية، أعلن المركز استراتيجية جديدة لرفع حضور الأفلام والمواهب الفرنسية في سباق الأوسكار، تقوم على مضاعفة الدعم المالي المخصّص لحملات الترشّح، واستحداث منصبٍ جديد كلياً: منسّق خاص بجوائز الأوسكار، أُسند إلى سيباستيان كوشون، ليقود أولى مهامه مع حملة فيلم "Minotaur" لأندريه زفياغينتسيف، الفيلم الذي سيمثّل فرنسا هذا العام.
من هو الرجل المكلّف بردم فجوة ثلاثين عاماً؟
كوشون ليس اسماً جديداً في هذا الحقل الضيّق من الصناعة. فهو مؤسّس شركة الاستشارات الباريسية "Cinema Collectors"، وعمل مؤخراً على الحملة التي توّجت بالأوسكار لفيلم "Two People Exchanging Saliva" لناتالي موستياتا وألكسندر سينغ، كما كان مستشاراً ومسؤول علاقات عامة دولية لحملة منصّة Mubi لفيلم "The Substance" لكوراليا فارجيه. وتمتدّ شراكته الطويلة مع المخرج فلوريان زيلر لتشمل فيلم "The Father"، الذي فاز بجائزتَي أوسكار.
يصف كوشون طبيعة عمله بوضوح: "استراتيجي الجوائز مهنةٌ غير منتشرة كثيراً في فرنسا، ولا حتى في أوروبا"، في إشارةٍ إلى الفجوة التي يحاول المركز الوطني سدّها الآن. ويوضّح أن الحملة الناجحة ليست مجرّد إعلان، بل مزيجٌ من العلاقات العامة والتسويق والتأثير، يهدف إلى الوصول إلى أعضاء الأكاديمية والحفاظ على وعي الناخبين طوال الموسم. ويضيف كوشون ملاحظةً تكشف عن تحوّلٍ في فلسفة الحملة الفرنسية هذا العام: "في فرنسا، نركّز أحياناً كثيراً على فئة أفضل فيلم دولي، لكن لدينا من التنوّع في الإنتاج والمواهب ما يجعلنا ممثَّلين على نطاقٍ أوسع بكثير عبر كلّ الفئات" إشارة إلى أن المركز لا يريد حصر الجهد في فئةٍ واحدة، بل تنسيق الحملات الفرنسية عبر الإخراج والتمثيل والسيناريو والفئات الحرفية معاً.
وتبرز هذه الرؤية في قائمة الأفلام التي رشّحتها اللجنة الفرنسية هذا الموسم إلى جانب "Minotaur": فيلم "La Gradiva" لمارين أتلان، الفائز بجائزة أسبوع النقّاد في كان، والمرتبط بشركة "1 2 Special"؛ والفيلم المتحرّك "Iron Boy" للويس كليشي، الفائز بجائزةٍ في قسم "نظرة ما" بكان، والمرتبط بشركة SPC؛ وفيلم "De Gaulle" لأنطونان بودري، المرتبط بشركة Samuel Goldwyn Films. كما تظهر الممثلة ليا سيدو في فيلمَين هذا الموسم: "The Unknown" لآرثر هراري، الموزَّع عبر Neon، و"Gentle Monster" لماري كروتزر، الموزَّع عبر Netflix. ويذكّر المركز أيضاً بأن أفلاماً فرنسية لمعت في مواسم جوائز سابقة من دون أن تمثّل فرنسا رسمياً في سباق الأوسكار، مثل "The Substance" و"The Father" و"Flow" لغينتس زيلبالوديس و"Anatomy of a Fall" لجوستينترييه وهو ما يفسّر رغبة المركز في تجميع موارد الحملات مبكّراً والعمل جنباً إلى جنب مع الموزّعين الأميركيين، بدل ترك كلّ فيلمٍ يخوض معركته منفرداً.
لماذا يأتي كل هذا الآن؟
الحملة الجديدة لا تُقرأ بمعزل عن أرقامٍ أقل بريقاً، كشف عنها المركز الوطني واتحاد "Unifrance" الشهر الماضي في فعالية الهافر: تراجعت مبيعات البرامج السمعية البصرية الفرنسية دولياً بنسبة 21.6%، لتصل إلى 164.3 مليون يورو (190.8 مليون دولار) أدنى مستوى لها منذ عقد. رقمٌ يضع التحرّك الأوسكاري في سياقه الحقيقي: ليس احتفاءً بموسم جوائز، بل محاولة لإعادة تموضع صناعةٍ تشعر أن الأرض تتحرّك تحتها.
رئيس المركز الوطني، غايتان بروييل، وصف المفارقة بدقّة: "قضينا سنواتٍ، وبحقّ، نحتفل بأننا نملأ قوائم أفضل مئة عمل تلفزيوني في العالم، من دون أن نرى أننا كنّا نخسر معركة البثّ المباشر". ويحتلّ بروييل المرتبة الثالثة لفرنسا عالمياً في حضور المحتوى على التلفزيون التقليدي لعام 2025، خلف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لكنه يقرّ بأن النجاح نفسه لم يتكرّر على منصّات البثّ. ويشرح الفارق بمثالٍ لافت: "لنكن واضحين، المشتركون الإسبان في Netflix يشاهدون المسلسلات الإسبانية أولاً، قبل الأميركية"، بينما "المشتركون الفرنسيون يشاهدون المسلسلات الأميركية أولاً، ثم مسلسلاتٍ إسبانية وكورية أكثر من الفرنسية".
ويرى بروييل أن إسبانيا وكوريا الجنوبية، بوصفهما سوقَين لا تستطيع صناعتهما المحلية وحدها تحمّل الإنتاج، اضطرّتا للتفكير دولياً منذ البداية، بينما اعتمدت فرنسا تاريخياً على "نظامٍ داخلي قويّ بشكلٍ غير معتاد للتمويل والإنتاج والتوزيع". ويصف هذا النظام بأنه "قوّةٌ هائلة، ولا مجال بالطبع للتخلّي عنها، لكن أظنّ أن هذه القوّة تفسّر لماذا احتجنا، أقلّ من غيرنا، للتفكير دولياً منذ انطلاق المشاريع. وهذا ما يجب أن يتغيّر الآن، لأن العالم تغيّر".
سوقٌ تتغيّر قواعدها بسرعة
رئيس اتحاد "UniFrance"، جيل بليسون، يذهب أبعد في تشخيص التحوّل، واصفاً شركات التكنولوجيا الكبرى بأنها "باتت ناشرة محتوى، بدرجاتٍ متفاوتة بحسب الشركة، وتستحوذ على السلطة"، مضيفاً أن "كلّ هذا يحدث في سياق تطوّر الذكاء الاصطناعي، الذي يمسّ كلّ قطاعٍ تقريباً". ودعا بليسون إلى تعديل أنظمة دعم تصدير الأفلام والبرامج التلفزيونية والأعمال القصيرة، وإلى دعمٍ موازٍ للموزّعين الأجانب الذين يطلقون الأفلام الفرنسية في أسواقهم، مشدّداً على أن البيانات باتت "المفتاح الكامن وراء قيمة الأعمال"، وهو ما يفسّر، على حدّ قوله، سبب تمنّع المنصّات عن مشاركتها: "هي بالضبط ما يحدّد قيمة أعمالنا وقيمة أعمالكم". ويختصر موقفه برسالةٍ واحدة: "علينا أن نفكّر على نطاقٍ أوسع من حدودنا الفرنسية".
أما على مستوى وكلاء البيع، فالصورة أكثر تعقيداً ممّا تظهره الأرقام الكبرى. بيار مازار، الشريك المؤسّس لشركة Charades والرئيس المشارك لاتحاد المصدّرين الفرنسيين ADEF، يفخر بأن "لدى فرنسا أفضل شبكة تصدير وأكثفها وأكثرها فعالية في العالم، ومنتجون من كلّ أنحاء العالم يأتون إلى فرنسا لبيع أفلامهم" وقد باعت شركته فعلاً فيلم "Club Kid" لشركة A24 في مهرجان كان، فيما تولّت MK2 Films بيع "Minotaur"، وتولّت Goodfellas بيع "La Bola Negra" و"Fjord". لكن مازار يكشف مفارقةً أعمق: "الواقع الذي علينا قوله هو أنه غالباً ما يكون أكثر جاذبيةً داخل منظومة التصدير أن تبيع فيلماً أجنبياً بدلاً من فيلمٍ فرنسي. النظام لا يحفّزنا بما يكفي لبيع الأفلام الفرنسية"، مشيراً إلى أن البائعين الفرنسيين يُطالَبون اليوم بضماناتٍ دنيا كبيرة الحجم، بينما يطوّر المنافسون البريطانيون أنظمةً تقلّل من مخاطر المصدّرين. ويقترح مازار حلاً: جذب استثمارات الأسهم الخاصة إلى تمويل السينما الفرنسية، بالتنسيق بين المصدّرين والمركز الوطني وربما بنك Bpifrance، مستشهداً بشراكة MK2 مع صندوق IPR.VC، ومقرّه هلسنكي ولندن، كنموذجٍ محتمل: "أظنّ أن هناك عملاً يجب إنجازه... نعرف جميعاً الصعوبات التي يواجهها المنتجون في تمويل أفلامهم".
كلارا فلاجوليه شميت، مديرة المبيعات في SND والرئيسة المشاركة لـ ADEF، تؤكّد أن دور وكلاء البيع تغيّر جذرياً: "لم نعد مجرّد وسطاء. نحن اليوم ممولّون حقيقيون للسينما، وخصوصاً السينما الفرنسية. ننخرط في المشاريع باكراً أكثر فأكثر، أحياناً منذ مرحلة التطوير"، وتضيف أن الوكلاء "يشاركون أيضاً في عمليات اختيار الممثلين، ويقدّمون ضماناتٍ دنيا كبيرة بشكلٍ متزايد، غالباً على أفلامٍ أولى أو ثانية". لكن هذا الانخراط المبكّر يأتي بكلفة: "بات معقّداً أكثر فأكثر مرافقة الأفلام إلى الخارج، خصوصاً الفرنسية منها، حيث نستثمر أكثر فأكثر"، وتختصر المعادلة بجملة: "دعم المخاطرة يعني دعم الاستثمار، ودعم الاستثمار يعني دعم النمو الدولي".
وبحسب أرقام UniFrance الأولية، يُتوقَّع أن تصل الأفلام الفرنسية إلى نحو 42.5 مليون مشاهدة حول العالم خلال عام 2025، بإيراداتٍ دولية تُقدَّر بـ272 مليون يورو. أرقامٌ تبدو إيجابية للوهلة الأولى، لكن فلاجوليه شميت تضعها في سياقها الحقيقي: "القطاع لا يزال أقلّ بنحو 26% من مستويات ما قبل الجائحة"، فيما ارتفعت تكلفة ممارسة النشاط بشكلٍ كبير.
بين حملة أوسكار تنتظر أن تكسر صمت ثلاثة عقود، وصناعةٍ تعيد حساب موقعها أمام عمالقة البثّ والذكاء الاصطناعي، يبدو أن السينما الفرنسية تخوض معركتَين في آنٍ واحد: واحدة على السجادة الحمراء، وأخرى في دفاتر الحسابات. والسؤال الذي سيُجيب عنه الموسم المقبل ليس فقط ما إذا كان "Minotaur" سيضع حدّاً للانتظار منذ 1993، بل ما إذا كانت هذه الاستراتيجية الجديدة قادرة فعلاً على تغيير العلاقة الأعمق بين فرنسا والعالم تلك التي وصفها بروييل بأنها لم تعد تحتمل الاكتفاء بالنظر إلى الداخل.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
