اكتشاف ضرس كابيبارا يكشف سر صحراء أتاكاما
اكتشاف ضرس أحفوري في صحراء أتاكاما يكشف أن الصحراء الأكثر جفافاً على الأرض كانت رطبة في الماضي وعاشت فيها حيوانات شبه مائية مما يعيد كتابة تاريخ المناخ ويطرح أسئلة عن طرق هجرة الكابيبارا القديم عبر أمريكا الجنوبية وورلد برس عربي

حين يعثر فريق بحثي على ضرسٍ أحفوري واحد في قلب أكثر بقاع الأرض جفافاً، فإنّ هذا الاكتشاف الصغير قد يعيد كتابة فصلٍ كاملٍ من تاريخ المناخ. هذا بالضبط ما حدث في صحراء أتاكاما شمال تشيلي، حيث وجد باحثون ضرساً متحجّراً عمره نحو 9 ملايين سنة يعود لحيوانٍ شبه مائي من أقارب خنزير الماء (الكابيبارا)، في طبقةٍ رسوبية بحرية ضمن منطقةٍ توصف بأنّها ربما الصحراء الأقدم على كوكب الأرض.
القطعة الأحفورية الوحيدة هذه تعود لنوعٍ منقرض يُعرَف علمياً باسم Hydrochoerus Cardiatherium، وهو من أسلاف الكابيبارا الحديث (Hydrochoerus hydrochaeris)، أكبر القوارض في العالم اليوم، والذي لا يعيش إلّا بالقرب من مصادر مياه عذبة مستقرة، ويتغذّى على نباتاتٍ تحتاج بدورها إلى الماء كي تنمو. ووفق قاعدة بيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، فإنّ الكابيبارا نوعٌ أصيل في أمريكا الجنوبية، لكنّه غير موجود حالياً في تشيلي على الإطلاق.
ضرسٌ واحد يهزّ يقيناً جيولوجياً
تقول الباحثة بريسيلا مارتينيز، عالمة الجيولوجيا في جامعة أريزونا والمشاركة في الدراسة: «العثور على ضرس كابيبارا في رسوبٍ بحري في ما يُعدّ اليوم من أكثر المناطق جفافاً على الأرض أمرٌ غريبٌ حقّاً». والطبقة التي عُثر فيها على الضرس تحفظ بيئة بحرية ضحلة يعود تاريخها إلى ما بين 7 و 10 ملايين سنة، وهو ما يجعل الضرس نفسه، المقدَّر عمره بنحو 9 ملايين سنة، واقعاً ضمن هذا المدى الزمني بدقّة.
الدراسة، التي نُشرت في 5 سبتمبر في مجلة Scientific Reports تحت عنوان «Late Miocene capybara in the Atacama Desert reveals a wetter climate and a transcontinental dispersal pathway» (DOI: 10.1038/s41598-026-67368-2)، شارك فيها عددٌ من الباحثين من بينهم C. S. Gutstein و P. R. Martinez و B. Carrapa و M. T. Clementz و J. J. Cherem و M. A. Cozzuol و C. A. E. Strömberg و M. E. Suárez و C. C. Chavarría و J. P. L. Roux، وهي تُقدَّم كدليلٍ إضافي على أنّ أتاكاما شهدت فتراتٍ رطبة متكرّرة خلال العصر الميوسيني المتأخّر، لا جفافاً مستمراً كما كان يُفترض.
كيف تكوّنت الصحراء الأكثر جفافاً على الأرض؟
تشغل أتاكاما الثلث الشمالي من تشيلي، ويحدّها من الغرب سلسلة جبال الساحل التشيلي التي تحجب أمطار المحيط الهادئ، ومن الشرق جبال الأنديز التي تحجب بدورها أمطار المحيط الأطلسي. في قلبها الأكثر جفافاً، لا تتجاوز معدّلات الهطول المطري 0.08 إنش (2 ملم) شهرياً، وفق أبحاثٍ سابقة حول المناطق شديدة الجفاف.
لكنّ ما تكشفه الأبحاث الحديثة يُعقّد الصورة التقليدية: تشير التقديرات إلى أنّ النواة شديدة الجفاف في أتاكاما بدأت تتكوّن في فترةٍ تمتدّ بين 47.8 و 33.9 مليون سنة مضت، أي في العصر الإيوسيني المتوسّط إلى المتأخّر — أي قبل نحو 20 مليون سنة من تشكّل جبال الأنديز نفسها. هذا الترتيب الزمني يحمل دلالةً مهمّة: فالأبحاث تشير إلى أنّ سلاسل الجبال لم تكن السبب في جفاف الصحراء الأوّلي، بل ربما ساهمت لاحقاً في تكثيف هذا الجفاف بعد تشكّلها، لا في إطلاقه.
وإلى جانب الضرس، تراكمت أدلّة أخرى تدعم فكرة أتاكاما الرطبة دورياً: عُثر على بقايا نباتية مجهرية تُعرَف باسم الفيتوليتات (phytoliths)، تشير إلى نمو أشجار نخيل وأعشاب وزنجبيل ونباتاتٍ مزهرة أخرى، ما يرجّح وجود غابةٍ شبه استوائية في مرحلةٍ من تاريخ المنطقة. كما كشفت أدلّة سابقة عن وجود تماسيح وأسماك مياه عذبة ونخيل في الصحراء ذاتها — وهي مؤشّراتٌ لا تجتمع عادةً إلّا في بيئةٍ رطبة ومستقرّة نسبياً من حيث مصادر المياه.
سؤالٌ معلّق: كيف وصل القارض إلى هناك؟
يبقى اللغز الأكبر في هذه القصّة هو كيفية وصول سلف الكابيبارا إلى موقعٍ يفصله اليوم عن موائل هذا الحيوان حاجزٌ جبلي يبلغ ارتفاعه 18,000 قدم (5,500 متر) تمثّله جبال الأنديز. لم يحدّد الباحثون بعد المسار الدقيق لهذه الهجرة، لكنّهم اقترحوا أنّ الحيوان ربما سلك طريقاً ساحلياً على طول الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، متتبّعاً الأراضي الرطبة والأنهار ومصادر المياه الأخرى المتاحة آنذاك.
هنا تُقدّم سامانثا هوبكنز، أستاذة علوم الأرض في جامعة أوريغون، قراءةً منطقية تستبعد بدائل أخرى. تقول هوبكنز: «إن أردت أن تجد طريقةً يمكن بها لهذا الكابيبارا أن يكون هنا بينما ظلّت أتاكاما جافّة كما هي اليوم، فستواجه عقبةً صعبة حقّاً». وتضيف أنّ حجم الضرس نفسه يجعل فرضية النقل لمسافاتٍ طويلة عبر الرياح مستبعدة تماماً، إذ لا يمكن للرياح أن تنقل قطعةً بهذا الحجم لمثل تلك المسافة. أمّا الاحتمال المتبقّي — أي مجرى مائي كبير بما يكفي لنقل الضرس — فتعلّق عليه بالقول: «إن كنت ستفترض وجود مجرى مائي كبير بما يكفي للقيام بذلك، فأنت بذلك تكون قد أثبتت أنّ أتاكاما لم تكن جافّة كما هي عليه اليوم أصلاً».
هذه الحجّة المزدوجة — استبعاد الرياح وتأكيد الحاجة لمجرى مائي ضخم — تُغلق الدائرة على الاستنتاج ذاته من زاويتين مختلفتين: أياً كانت الآلية، فإنّها تفترض بيئةً أكثر رطوبة ممّا تعكسه أتاكاما اليوم.
تنضمّ هذه الدراسة إلى سلسلة متنامية من الأدلّة التي تشكّك في وصف أتاكاما بأنّها ظلّت جافّةً باستمرار طوال الأربعين مليون سنة الماضية، وهو ما كانت أبحاثٌ سابقة قد ألمحت إليه دون حسم. ويبقى السؤال الأهمّ مفتوحاً أمام الباحثين: ما مسار الهجرة الدقيق الذي سلكه هذا الكائن شبه المائي عبر القارّة، وكم مرّة تناوبت أتاكاما بين الجفاف القاسي والرطوبة العابرة قبل أن تستقرّ على هويّتها الحالية كواحدةٍ من أكثر الصحارى جفافاً على وجه الأرض؟
أخبار ذات صلة

اصطدام نجمين ميتين: تفسير جديد لومضة أشعة سينية غريبة من مجرة بعيدة

رائدة فضاء خاصة تكشف حقائق الأمومة قبل رحلتها الثانية إلى الفضاء

منارة الإسكندرية على خاتمٍ برونزي: اكتشافٌ أثري في قصرٍ تحت الماء بمصر
