فوا حكاية جنوى بين الذاكرة والخيال السينمائي
فيلم "فوا" يحكي قصة طفولة محاصرة بين العنف والذاكرة في جنوى عبر حكاية خرافية تجمع بين التاريخ والخيال. إنتاج باولو سورّينتينو يدعم أولى خطوات المخرجة مارغريتا فيراري في سرد مؤثر عن أثر الماضي على حاضر ومستقبل الأجيال. وورلد برس عربي

في 20 يوليو 2001، كانت مارغريتا فيراري في الرابعة من عمرها حين أُغلقت نوافذ منزل عائلتها في جنوى، لا بردًا، بل حماية من الدخان والضجيج الذي اجتاح المدينة. تتذكّر الصيف ذاك: الحرّ الخانق، والعائلة متحصّنة داخل البيت، والعالم خارج النافذة يتحوّل إلى شيء لا يمكن فهمه على نحو كامل في سنٍّ مبكرة كهذه. تلك الذكرى الطفولية، التي عادت إليها بقوة خلال جائحة كورونا حين اختبرت من جديد معنى العزلة والعجز، صارت اليوم فيلمًا سينمائيًا كاملًا يُعرض في مهرجان بوسان السينمائي الدولي تحت عنوان "Föa – Once Upon a Future".
الفيلم، وهو أول عمل روائي طويل لفيراري، يحمل أهمية مضاعفة: إنه أيضًا أول تجربة إنتاجية للمخرج الإيطالي الشهير باولو سورّينتينو، الذي اختار أن يدخل عالم الإنتاج من بوابة قصة شابة إيطالية صغيرة السن لم يسبق لها إخراج فيلم طويل من قبل.
ما حكاية "فوا"؟
كلمة "فوا" مصطلح من لهجة جنوى يعني "حكاية"، بما في ذلك الحكاية المختلَقة أو الأقصوصة أو الخرافة. وهذا الاختيار ليس عرضيًا؛ فالفيلم يقارب أحداثًا تاريخية موثّقة قمة الدول الثماني الكبرى التي عُقدت في جنوى في يوليو 2001، والتي أعقبتها مواجهات دامية بين المحتجين والشرطة تحوّلت لاحقًا إلى محطة فاصلة في تاريخ حركة مناهضة العولمة لكنه يفعل ذلك من خلال شخصية متخيّلة بالكامل، وبنبرة أقرب إلى الحكاية الخرافية منها إلى إعادة البناء الوثائقي الصارم.
بطلة الفيلم نيكول، فتاة في الثامنة عشرة من عمرها وحامل في شهرها الثامن، تستقبل في بيتها ثلاثة من المحتجين هربًا من العنف المندلع في الشوارع. الشخصية لا وجود لها في الواقع؛ أكدت فيراري أن نيكول اختراع كامل، لكنها اختراع يحمل سؤالًا حقيقيًا. الطفل الذي تحمله نيكول في أحشائها كان سيبلغ اليوم 25 أو 26 عامًا، لو كان قد وُلد فعلًا في ذلك الصيف الملتهب وهو تفصيل تستخدمه فيراري لتذكير المشاهد بأن ما حدث في جنوى لم يكن مجرد عنوان إخباري عابر، بل بداية لجيل كامل لا يزال يحمل أسئلته.
يضم فريق التمثيل غايا رافينا، وكلارا ترامونتانو، وإيكر أورغويتي، وغابرييلي فالسيتّا. أما الإنتاج، فتشارك فيه شركة Numero 10 التابعة لسورّينتينو، إلى جانب The Apartment و PiperFilm، في حين تتولى شركة PiperPlay مبيعات الفيلم على المستوى الدولي.
لماذا اختارت فيراري الحكاية الخرافية بدل الواقعية الصارمة؟
تقول فيراري إن الحكايات الخرافية، رغم أنها غالبًا ما تُحكى في أزمنة بعيدة، قادرة على مخاطبة الحاضر بدقة لافتة. أرادت قصة تقع في 2001 لكنها مشغولة بالمستقبل والحاضر في آنٍ معًا، فجمعت هي وفريق الكتابة بين التاريخ الموثّق وشخصية خيالية، مقاربةً الأحداث من منظور عاطفي أقرب إلى الحلم منه إلى السرد التاريخي المباشر. وتصف أحداث جنوى بأنها تركت أثرًا وجرحًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
وفي تعليقها على الفيلم، تطرح فيراري السؤال الذي يختصر مشروعها بأكمله: "ما الذي سيكون عليه المستقبل الذي ينتظرنا فعلًا؟" وهو سؤال، كما تقول، يحمله الطفل الذي تنتظره نيكول نيابة عن جيل كامل من الإيطاليين الذين ولدوا في ظل تلك الأحداث أو بُعيدها.
ورغم قتامة الخلفية التاريخية، أعربت فيراري عن أملها في أن تترك نهاية الفيلم مساحة لاحتمال أكثر تفاؤلًا، بدل أن تُغلق الحكاية على يأس كامل.
كيف أنتج سورّينتينو فيلمًا لم يُخرجه؟
لم يكن طريق "فوا" إلى الشاشة بسيطًا. بدأت فيراري العمل على الفكرة في مشروع تخرّجها من مدرسة Centro Sperimentale السينمائية في روما، قبل أن تطوّرها لاحقًا إلى مشروع كامل تعرضه على سورّينتينو نفسه. ووفق ما نقلته مجلة Variety، ساهم سورّينتينو في مراحل الكتابة الأولى والمونتاج، لكنه لم يكن حاضرًا على موقع التصوير، باستثناء زيارة واحدة عابرة لإلقاء التحية. وصفت فيراري دوره بأنه داعم وحامٍ لرؤيتها الإخراجية طوال مراحل العمل، بينما قال سورّينتينو إنه حاول ألا يتدخّل في العمل الميداني، تاركًا للمخرجة ولمحرّرة الفيلم مساحة للبحث عن حلولهما الخاصة.
وفي تصريحاته حول الفيلم، قال سورّينتينو: "يبدأ 'فوا' بجرح لم يفلح التاريخ أبدًا في إغلاقه تمامًا"، مضيفًا أن "مارغريتا فيراري تحوّل ذاكرة جنوى إلى شيء حميمي أقرب إلى الحلم، حيث يعود الماضي بهدوء ليسائل المستقبل". وأشار إلى أن دعم أصحاب الرؤى الفنية المتفرّدة يكتسب أهمية خاصة "في وقتٍ يحتاج فيه الخيال إلى الحماية أكثر من أي وقت مضى". وختم بالقول: "أنا فخور بشكل خاص بأن تبدأ Numero 10 هذه الرحلة بفيلم يُروى من خلال نظرة أنثوية قوية إلى هذا الحد قصة تذكّرنا بأنه حتى بعد أن يبدو المستقبل وكأنه اختفى، فقد يكون لا يزال ينتظرنا".
تبقى "فوا" في جوهرها محاولة لمساءلة ما خلّفته جنوى في الذاكرة الجماعية الإيطالية، عبر عينَي امرأة لم تكن قد تجاوزت الرابعة من عمرها حين وقع ذلك الجرح. وبين الحكاية والتاريخ، يترك الفيلم سؤاله معلّقًا: كم من الأجيال اللاحقة لا تزال، دون أن تدري، تحمل صدى ذلك الصيف الذي أُغلقت فيه النوافذ على الدخان والضجيج؟
أخبار ذات صلة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

ثلاث بيوت: كيف يوثّق الفن الأفارقة والسكّان الأصليّين على هامش فنزويلا

ميريل ستريب ترفع الستار عن «My Undesirable Friends»: من المشاهدة العابرة إلى الإنتاج التنفيذي
