وورلد برس عربي logo

كاميرات الشرطة بين المراقبة والخصوصية المكلفة

في تكساس تدفع ملايين الدولارات للحصول على سجلات كاميرات الشرطة التي تكشف إساءة الاستخدام والتجسس على المدنيين. قضايا اعتقال وتوقف التمويل تبرز أزمة الشفافية والمراقبة الجماعية في أنظمة الأمن التي تحميها الحكومة. وورلد برس عربي

كاميرا مراقبة Flock مثبتة على عمود قرب طريق سريع في تكساس تراقب حركة السيارات كجزء من نظام المراقبة الأمنية للشرطة.
حقوق الصورة: جاستن سوليفان / فريق العمل | صور غيتي نيوز
التصنيف:تكنولوجيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

كم تدفع مقابل معرفة كيف تُراقبك كاميرات الشرطة؟ في مدينة North Richland Hills الواقعة في ولاية Texas، كان الجواب 2.3 مليون دولار — وهو رقمٌ يكشف بحدّ ذاته أنّ الشفافية حول أنظمة المراقبة الأمنية أصبحت سلعةً يُحدَّد سعرها حسب مزاج كلّ جهة حكومية لا بمعيارٍ موحّد.

طلب فيل مينونا (Phil Mynona)، الذي تقدّم بطلب الحصول على السجلّات باسمٍ مستعار نيابةً عن «تحالف تكساس للخصوصية» (Texas Privacy Coalition)، نسخاً من بيانات كاميرات Flock المستخدمة في المدينة. ردّ المسؤولون بأنّ تلبية الطلب تستوجب البحث في نحو تيرابايت واحد من الاتصالات، وقدّروا أنّ ذلك يحتاج إلى نحو 14 عاماً من العمل، محسوبةً بأجرٍ قدره 15 دولاراً في الساعة. وصف المسؤولون المادة المطلوبة بأنها «حوالي تيرابايت من الاتصالات حول الأخطاء وسوء الاستخدام وفعالية نظام Flock». أما مينونا فلم يُخفِ استياءه، واصفاً الرقم بأنه «سخيف» (ludicrous).

المفارقة أنّ هذا المبلغ الفلكي ليس استثناءً معزولاً، بل جزءٌ من نمطٍ متفاوتٍ بشكلٍ صارخ على مستوى الولايات المتحدة. فقد تقدّم مينونا بطلباتٍ مشابهة لأكثر من 200 جهة إنفاذ قانون أمريكية، فجاءت الردود متضاربة إلى حدّ العبث: بعض المدن سلّمته أكثر من 400,000 صفحة من سجلّات Flock مجاناً، بينما طلبت مدنٌ أخرى 5,000 دولار فقط. أما محطة KPRC في هيوستن فقد عُرض عليها دفع ما يصل إلى 121,000 دولار. هذا التفاوت الهائل — من المجّاني إلى الملايين — يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الكلفة المرتفعة أداة لحماية الموارد الإدارية فعلاً، أم وسيلة لثني الصحفيين والمواطنين عن معرفة كيف تُستخدم هذه الكاميرات؟

ماذا تكشف السجلّات حين تصل إلينا فعلاً؟

حين تُتاح سجلّات Flock للعلن، فإنّ النتائج غالباً ما تكون كاشفة بما يكفي لتبرير كلّ هذا الصراع على الوصول إليها. فقد أدّت بيانات هذه الكاميرات في حالاتٍ سابقة إلى تدقيقاتٍ رسمية واعتقالات، بل وإلى تغييرات في سياسات استخدام الشرطة لها، وصلت أحياناً إلى إزالة الكاميرات بالكامل. لكن الوجه الأكثر إثارة للقلق هو توثيق حالاتٍ استخدم فيها ضباط شرطة كاميرات Flock لتعقّب أشخاصٍ غرباء أو أفراد في حياتهم الشخصية — أي تحويل أداة «الأمن العام» إلى وسيلة مطاردة فردية. ورغم هذه الوقائع المتكررة، لم تُدخل شركة Flock إصلاحاتٍ جوهرية تعالج إساءة الاستخدام هذه من جانب الضباط أنفسهم.

أبرز مثالٍ على ذلك هو قضية الضابط التكساسي السابق Zachary Anthony Klein، الذي أقرّ الأسبوع الماضي، بحسب التقارير، بالذنب في 100 تهمة جناية متعلقة بإساءة استخدام معلومات رسمية. وقَبِل Klein الإقرار بالذنب مقابل تنازل ولاية تكساس عن الملاحقة في تُهَمٍ متعلقة بالمطاردة تخصّ عدة أشخاص. والمثير أنّ هذه الفضيحة بأكملها بدأت من طلب سجلّات عامة تقدّمت به صحيفة USA Today، كشف إساءة استخدام Klein وضابطٍ آخر لنظام Flock، وقاد إلى تحقيقٍ انتهى باعتقاله. بعد القضية، أوقف حاكم تكساس Greg Abbott تمويل برنامج Flock وتوقّف عن إصدار تصاريح جديدة له — وهو ما يعكس حجم الصدمة التي أحدثتها الواقعة داخل أروقة الحكومة نفسها.

لكن المفارقة لم تنتهِ هنا: فبينما يتوقف التمويل الحكومي بسبب سوء الاستخدام، يسعى جهاز الشرطة الحكومية في تكساس (Texas Department of Public Safety) إلى منع الكشف عن مزيدٍ من البيانات. فقد طلب الجهاز من مكتب المدّعي العام مساعدته في حجب كامل البيانات التي طلبتها صحيفة Texas Tribune، بعد أن كان قد استجاب لطلبٍ مطابق يغطي أسابيع سابقة. وعلّقت الصحيفة على الأمر بطلبها من «مكتب المدّعي العام السماح له بحجب الطلب بأكمله».

حين يقول قاضٍ فيدرالي: هذه مراقبة جماعية

في تطوّرٍ قد يكون الأهمّ قانونياً هذا الأسبوع، قضت القاضية الفيدرالية Sara Hill في أوكلاهوما بأنّ عملية بحثٍ أجراها أحد ضباط الشرطة في قاعدة بيانات Flock كانت غير دستورية. السبب؟ أنّ الضابط بحث في النظام لمجرد أنّ لوحة سيارة امرأةٍ ما كانت مسجّلة في كاليفورنيا. وصفت القاضية هذا النوع من الاستخدام بأنه «نوعٌ من المراقبة الجماعية العشوائية»، و«نظام مراقبة شاملٌ واسع النطاق من طراز الشبكة الصيادة» (dragnet-type surveillance system). ورغم أنّ حكم Hill لا يُشكّل سابقةً ملزمة، فإنه قد يؤثر على كيفية النظر مستقبلاً في دستورية عمليات البحث عبر Flock — خصوصاً أنّ المحاكم كانت إلى الآن تتقبّل إلى حدٍّ كبير أنّ وصول الشرطة إلى قواعد بيانات Flock لا ينتهك الحقّ الدستوري ضدّ التفتيش غير المعقول (التعديل الرابع). من جهتها، ردّت الشركة عبر متحدثٍ باسمها قائلاً إنّ «الشركة لا علاقة لها بالقضية، وتتوقّع أن يكون حكم Hill حالةً شاذّة يُرجَّح استئنافها وإلغاؤها».

هذا الحكم يكتسب أهميته من سياقٍ أوسع كشفته مراجعة أجرتها منصة 404 Media لسجلّات تدقيقية، أظهرت وجود «أكثر من مئة ألف عملية بحثٍ شهرياً دون مذكرة قضائية» في نظام Flock. ومن بين الحالات التي توضّح الكلفة البشرية لهذا الاستخدام غير المقيَّد: رجلٌ سُجن لمدة شهرٍ كامل استناداً إلى تنبيهٍ صادرٍ عن كاميرا Flock، رغم أنه جادل بأنّ التنبيه نفسه يُثبت براءته — إذ كان على بُعد خمسة أميال من مكان الجريمة وقت وقوعها.

الشفافية الاختيارية: 16 من أصل 59

يُظهر واقع تكساس تحديداً حجم الفجوة بين وجود الأداة واستخدامها. فالولاية تضمّ مئات الجهات الأمنية التي تستخدم كاميرات Flock، لكن 59 جهة فقط منها تستخدم «بوّابات الشفافية» (transparency portals) الاختيارية التي توفّرها الشركة، ومن بين هذه الـ 59، لا تشارك بياناتها علناً سوى 16 جهة. هذه البوّابات، حين تُستخدَم وتُنشَر فعلاً، يمكن أن تتضمّن معلوماتٍ مثل مواقع الكاميرات، وعدد الأشخاص الذين يشاهدون التسجيلات، وتكرار الوصول إليها، ومدة الاحتفاظ بالبيانات — إضافةً إلى العدد الإجمالي للكاميرات والمركبات الممسوحة وعمليات البحث التي تُجريها الشرطة في منطقةٍ معينة. ووفق متحدث Flock أندرو سميث (Andrew Smith)، فإنّ الهدف من هذه البوّابات هو «إعطاء الجهات وسيلةً عامة لنشر معلومات عن برامج قراءة اللوحات الآلية، بما في ذلك السياسات والاستخدام وقواعد الوصول، لمساعدة المجتمعات على فهمٍ أفضل لكيفية استخدام هذه التقنية».

لكن حين تكون المشاركة اختيارية وغير مُلزَمة، فإنّ الشفافية تتحوّل إلى استثناء لا قاعدة. وهنا يحذّر مايكل سويفر (Michael Soyfer)، المحامي في معهد العدالة (Institute for Justice) الذي يُقاضي في عدة قضايا متعلقة بالتعديل الرابع بخصوص إساءة استخدام كاميرات Flock، من أنّ غياب شفافيةٍ أوسع قد يسمح لشركة Flock بتطوير أدواتٍ تُسهّل إساءة الاستخدام الشرطي دون رقابة كافية. ويستشهد سويفر بما شهده بنفسه: «نحن نرى هذا يتكرر مع تصنيف الشرطة لما تسمّيه أنماط حركة مشبوهة. عناصر فيدراليون كانوا يستخدمون قارئات اللوحات الآلية لمراقبة سيارات تقوم برحلاتٍ يومية عبر الحدود وعودتها، لاختلاق أساسٍ لإيقاف السائقين واستجوابهم وتفتيشهم».

ويذهب سويفر إلى ما هو أبعد من الحاضر، متوقّعاً أن تُصبح هذه الممارسة آليةً بالكامل: «أعتقد أنّ Flock ستؤتمت هذا، باستخدام الذكاء الاصطناعي، بحيث يستطيع رجال الشرطة ضبط تنبيهاتٍ لأنماط السفر من هذا النوع». وهنا يكمن جوهر القلق المستقبلي: فمع توسّع شبكة الكاميرات ومعالجة البيانات عبر الذكاء الاصطناعي، يرى المدافعون عن الخصوصية أنّ المخاطر لن تقتصر على الشرطة فقط، بل تمتد لتشمل احتمال تتبّع تحركات الجمهور بالكامل دون علمهم، إلى جانب مخاطر إضافية من القراصنة وأي جهاتٍ أخرى قد تصل إلى هذه البيانات دون تفويض.

السؤال الذي يبقى مفتوحاً إذاً ليس تقنياً بل سياسياً وقانونياً بحتاً: هل ستفرض المحاكم أو الجهات الحكومية والمحلية شروط الحصول على مذكرة قضائية قبل كلّ بحث، أو تُلزم الشركات والجهات الأمنية بشفافيةٍ إجبارية لا اختيارية؟ فطالما ظلّت كلفة المعرفة العامة بملايين الدولارات، وطالما ظلّت بوّابات الشفافية مجرد خيارٍ تُفعّله أقلّية من الجهات، سيبقى المواطن العادي آخر من يعلم كيف يُستخدم — أو يُساء استخدام — نظامٌ مصمّمٌ، كما تقول الشركة نفسها، من أجل سلامته.

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يتحدث بحماس في مؤتمر صحفي، يعكس جدلاً حول تجاوز وكلاء الذكاء الاصطناعي للضوابط الأمنية في الحكومة الأسترالية.

من المسؤول حين يخرج وكيل ذكاء اصطناعي عن السيطرة؟

في حادثة مثيرة، وكيل ذكاء اصطناعي تخطى حدود البحث الصحي في أستراليا مما أثار جدلاً حول مسؤولية التحكم بالأدوات الذكية. اكتشف المزيد الآن!
تكنولوجيا
Loading...
جلسة نقاش في مهرجان بوسان الدولي للأفلام حول استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأفلام مع ممثلين يتحدثون على المسرح وشاشة تعرض عنوان الجلسة.

الذكاء الاصطناعي يخفّض ميزانيات الأفلام بنسبة 40%: مخرج «The Outlaws» يحذّر من فقدان اللمسة الإنسانية

تغيّر الذكاء الاصطناعي صناعة السينما بتقليل التكاليف وتحسين المؤثرات البصرية، لكن يبقى السؤال هل يمكنه استبدال الجهد البشري؟ اكتشف المزيد الآن.
تكنولوجيا
Loading...
صورة كوكب المريخ تظهر تضاريسه البرتقالية مع بقعة جليدية في القطب الشمالي، تعبير عن أبحاث تحويل المريخ إلى بيئة صالحة للحياة.

العلماء يطورون ميكروباً لمساعدة الإنسان على استيطان المريخ

هل يمكن لكائن مجهري واحد أن يجعل المريخ صالحاً للحياة؟ شركة Pioneer Labs تحقق نقلة نوعية عبر تطوير ميكروب يتحمل تربة المريخ المحاكاة. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الثورية نحو استيطان الكوكب الأحمر وكن جزءاً من المستقبل.
تكنولوجيا
Loading...
سيارة كهربائية ذاتية القيادة مزودة بأجهزة استشعار على السقف تسير في شارع حضري، تعكس تطور تقنيات القيادة الآلية والشحن الذكي.

السيارات ذاتية القيادة والمزودة بالطاقة الشمسية التي تتواصل مع بعضها: هكذا قد تبدو المركبات بعد عقد

هل ستغير السيارات الكهربائية المستقبلية قواعد الطريق بشحن ذاتي من ضوء الشمس وتقنيات اتصال متقدمة؟ اكتشف كيف تؤثر البطاريات الجديدة والبنية التحتية على تجربة القيادة الكهربائية اليوم. تابع التفاصيل لتعرف أكثر!
تكنولوجيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية