دراما قانونية تكشف صراعات العائلة بين الثقافات المختلفة
في فيلم Fjord قصة أب رومانى تواجه عائلته قرارًا قانونيًا قاسيًا في النرويج بين قيم متضاربة وقضايا حماية الطفل. تجربة إنسانية تدفع للتساؤل عن العدالة والتسامح في مجتمعات تُعتبر من الأسعد في العالم وورلد برس عربي.

في بيتٍ خشبيٍّ على ضفاف أحد الفيوردات النرويجية النائية، يُفتح الباب ذات صباحٍ على موظفي خدمة حماية الطفل. لا جريمة مؤكَّدة، ولا اعترافٌ، فقط كدماتٌ خفيفة لوحظت على جسدَي الابنَين الأكبر سنّاً من بين خمسة أطفال. بعد ساعات، تُنتزع العائلة بأكملها من بيتها، ويبدأ سؤالٌ لن يُغلق بسهولة: هل كان القرار عدلاً، أم افتراضاً تسرّع في الحكم على أبٍ انتقل من رومانيا إلى بلدة زوجته النرويجية الصغيرة، ووجد نفسه فجأةً موضع شكٍّ دينيّ لا يمتّ بصلةٍ مباشرة إلى ما حدث فعلاً داخل جدران بيته؟
هذه هي اللحظة التي ينطلق منها فيلم «Fjord»، الدراما العائلية القانونية التي تتابع أباً رومانياً تزوّج امرأةً من بلدةٍ نرويجية تُوصف بالتقدّمية، تؤدّي دورها الممثلة Renate Reinsve، بينما يحمل هو تاريخاً وقيماً أقرب إلى مجتمعٍ محافظ. الفجوة بين الخلفيتين لا تبقى تفصيلاً عابراً في السيناريو، بل تتحوّل إلى المحرّك الفعلي للحكاية حين يتدخّل القانون في أكثر العلاقات حساسيةً: علاقة الأهل بأطفالهم.
كيف استقبل كان وجمهور نيويورك هذه الحكاية؟
في مهرجان كان السينمائي، نال الفيلم تصفيقاً وقوفياً استمرّ عشر دقائق في مايو الماضي، ومنح شركة التوزيع Neon سابع سعفةٍ ذهبيةٍ متتالية لها. وفي مساء الأحد، عُرض «Fjord» ضمن فعاليات مهرجان نيويورك السينمائي، حيث قدّمه الممثل Sebastian Stan في قاعة Alice Tully Hall، قبل أن ينضمّ إلى المخرج Cristian Mungiu في جلسة نقاشٍ مفتوحة مع الجمهور.
لم يتحدّث Stan عن الفيلم بوصفه عملاً تقنياً فحسب، بل طرحه كمرآةٍ لزمنٍ يعيشه الجميع. قال خلال تقديمه: «هذه وجهة نظري، فقط حول الأفلام والزمن الذي نجد أنفسنا فيه حالياً». ثم أضاف كلاماً أقرب إلى الاعتراف الجماعي منه إلى التعليق النقدي: «علينا أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بعيوبنا، أياً كانت منظومتنا الإيمانية كبشر، وكيف يمكن لذلك أن يؤثر على حكمنا على بعضنا بعضاً، وأيضاً كيف يتعلّق الأمر بتربية الجيل القادم، أطفالنا، الذين نحن في خدمتهم في نهاية المطاف. علينا أن نتذكّر أن هناك ما هو أبعد من مجرّد أن نكون على حقّ، وأن الشكّ لا يزال يخدم غرضاً، وأن الدقّة والتمييز متأصّلان في طبيعتنا».
هل تستحقّ الدول الإسكندنافية سمعتها بوصفها الأسعد في العالم؟
خلف هذه الحكاية الفردية يقف بحثٌ طويل قام به Mungiu نفسه. فالمخرج لم يكتب الفيلم من وحي حادثةٍ واحدة، بل من نمطٍ تكرّر أمامه أثناء تحرّياته في عدّة قضايا واقعية في دولٍ إسكندنافية. يقول: «هذا الفيلم لم يُصنع بعد التحقيق في حالةٍ واحدة فقط. حقّقت في عدّة حالات، ولاحظت هذا النمط حيث كانت عائلاتٌ قادمة من مجتمعاتٍ أكثر محافظةً إلى إسكندنافيا».
وما لفت Mungiu أكثر هو أن أغلب هذه الحالات لم تُثبت فعلياً وقوع عنفٍ من عدمه، بل بُنيت القرارات على انطباعاتٍ مسبقة. يقول: «في معظم هذه الحالات، لا تعرف حقاً أيّ نوعٍ من العنف كان، أو إن كان هناك عنفٌ أصلاً. معظم هذه القرارات التي يحتاج الناس إلى اتخاذها بشأن الأطفال تُبنى على افتراضات، وحين تبني قراراتك على افتراضات، فإن قوالبك النمطية الخاصة حول قيم الآخر يمكن أن تُخلّ بتوازنك في اتجاهٍ واحد».
هذا ما يدفع Mungiu إلى التشكيك في السمعة التي تحيط ببلدان الشمال الأوروبي بوصفها الأسعد في العالم، وهي تصنيفات السعادة الإسكندنافية التي يرى أنها تُحتفى بها أحياناً من دون إنصاف. ما يأمله من فيلمه ليس إدانة مجتمعٍ بعينه، بل دعوةٌ مفتوحة إلى «تسامحٍ تجاه الأشخاص الذين يشكّلون أقلّية، حتى حين لا يتفقون مع رأي الأغلبية».
لماذا عاد الممثل الذي صنعته هوليوود إلى اللغة التي وُلد بها؟
لكنّ العلاقة بين Stan وMungiu لم تبدأ مع «Fjord». قبل عقدٍ من الزمن، جلس Stan، الممثل المولود في رومانيا والذي هاجر إلى الولايات المتحدة وهو في الثانية عشرة من عمره، إلى جانب والدته في القاعة نفسها بمهرجان نيويورك السينمائي، لمشاهدة العرض الأول لفيلم Mungiu «Graduation» عام 2016 وهو أيضاً عملٌ يدور حول أبٍ رومانيّ. تلك اللحظة تركت أثراً لم يختفِ. يروي Stan: «التفتّ إليها وقلت: يجب أن أعود. يجب أن أصنع فيلماً بالرومانية، وأريد أن أعمل معه. أظنّ أننا جعلنا ذلك يحدث».
وحين تحقّق الأمر فعلاً بعد سنوات، لم يكن غائباً عن ذهنه أن والدته تتابعه من مكانٍ ما. يقول: «كنت أفكّر في أمّي هناك تقول: أخيراً مثّلت دور جدّك!». جملة تختصر مسافةً طويلة قطعها ممثلٌ عُرف للجمهور العريض بأدواره في عالم Marvel، قبل أن يختار العودة إلى لغته الأولى ليروي، ولو عبر حكايةٍ متخيّلة، شيئاً من سيرة عائلته الخاصة.
يفتح «Fjord» أبوابه في دور العرض بدءاً من 9 أكتوبر، حاملاً معه سؤالاً لا يُطرح عادةً في الأفلام العائلية: حين يلتقي قانونٌ بثقافةٍ لا يفهمها تماماً، من يحمي الطفل، ومن يُحاكم الأب لمجرّد أنه مختلف؟
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
