وورلد برس عربي logo

اكتشاف ومض راديوي يكشف أسرار الكون البعيد

في اكتشاف فلكي مذهل رصد العلماء إشارة راديوية عمرها 11 مليار سنة من مجرّة صغيرة تنشئ نجوماً بسرعة عالية، ما يفتح نافذة لفهم تطور الكون وأصل الانفجارات الراديوية السريعة عبر أدوات رصد متقدمة وورلد برس عربي.

خريطة كونية ملونة توضح توزيع الانفجارات الراديوية السريعة عبر الكون، مع التركيز على اكتشاف FRB 20240304B الذي يساعد في دراسة تطور المادة والمجرات.
تُظهر الرسوم المتحركة ظهور نبضات الراديو السريعة (FRBs) بشكل عشوائي عبر السماء. (حقوق الصورة: قسم التوعية في NRAO / ت. جاريت (IPAC/كالتيك)؛ ب. ساكستون، NRAO/AUI/NSF)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في لحظة لم تتجاوز بضع مللي ثوانٍ، وصلت الأرض إشارةٌ راديوية كانت قد انطلقت منذ أن كان عمر الكون نحو 3 مليارات سنة فقط أي قبل أن تتشكّل الشمس والأرض بمليارات السنين. هذه الإشارة، التي يُطلق عليها الفلكيون اسم FRB 20240304B، ليست مجرّد رقمٍ قياسي جديد في سجلّ الانفجارات الراديوية السريعة (Fast Radio Bursts)، بل أداة رصدٍ غير مسبوقة تتيح للعلماء "قراءة" تاريخ الكون عبر 11 مليار سنة من تطوّره.

نُشرت نتائج الدراسة يوم الخميس الموافق 8 أكتوبر في مجلة Science، وهي من المجلات العلمية المحكّمة الأكثر اعتباراً في الفيزياء الفلكية، ما يمنح الاكتشاف وزناً علمياً يتجاوز حدود الخبر الصحفي العابر.

كيف يُستخدم ومضٌ راديوي عمره مليارات السنين لدراسة الكون؟

الانفجارات الراديوية السريعة ظاهرةٌ فلكية غامضة نسبياً؛ وهي ومضاتٌ من موجات الراديو تحدث عادةً مرّة واحدة ولا تتجاوز مدّتها بضع مللي ثوانٍ، لكنّها تُطلق في تلك اللحظة القصيرة طاقةً تفوق بأضعاف ما تشعّه الشمس في عامٍ كامل. هذه الخاصية بالذات الطاقة الهائلة والقصر الشديد هي ما يجعلها أدوات رصدٍ قيّمة: فالإشارة وهي تعبر الغاز والغبار داخل المجرّات، ثم الوسط بين المجرّي (intergalactic medium)، تتباطأ بمقادير يمكن قياسها بدقّة. من خلال قياس هذا التباطؤ، يستطيع الباحثون تقدير كتلة الغاز بين المجرّي ورسم خريطة لتوزّع المادة عبر الكون، وفهم كيف تستخدم المجرّات الغاز والغبار لتكوين نجومها والنمو.

نجمة نيوترونية مغناطيسية تبعث ومضات راديوية سريعة في الفضاء، تمثل أداة لرصد تاريخ الكون وتطور المجرات عبر مليارات السنين.
Loading image...
تُظهر الصورة التوضيحية نجماً مغناطيسياً يطلق انفجاراً سريعاً في موجات الراديو (حقوق الصورة: روبرت ليا، تم الإنشاء باستخدام كانفا/ناسا)

رُصد FRB 20240304B لأول مرّة بواسطة تلسكوب MeerKAT الراديوي في جنوب أفريقيا، قبل أن يتولّى تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) مهمة تتبّع مصدر الإشارة وتحديد مجرّتها الأم. هذا التعاون بين الرصد الراديوي والرصد بالأشعة تحت الحمراء يُعدّ بحدّ ذاته إنجازاً منهجياً؛ إذ تُثبت الدراسة، بحسب ما ورد في البحث، جدوى استخدام JWST مقترناً بالتلسكوبات الراديوية لتحديد منشأ هذه الانفجارات بدقّة، وهي خطوة منهجية ستُستثمر على الأرجح في اكتشافات مقبلة.

تقول مانيشا كاليب (Manisha Caleb)، المشاركة في قيادة الفريق البحثي من معهد سيدني لعلم الفلك (Sydney Institute for Astronomy): "هذه لمحة استثنائية عن الكون البعيد". وتضيف: "لقد رصدنا انفجاراً راديوياً سريعاً من زمنٍ كان فيه عمر الكون نحو 3 مليارات سنة فقط، واستخدمنا ذلك الومض الراديوي القصير لنتعرّف على المادة التي عبرها على مدى مليارات السنين".

مجرّة صغيرة فقيرة بالمعادن... وسؤال عن أصل الانفجارات الراديوية

ما يلفت الانتباه في هذا الاكتشاف ليس فقط المسافة القياسية التي تتجاوز ضعف الرقم القياسي السابق لأبعد انفجار راديوي سريع مرصود بل طبيعة المجرّة المضيفة نفسها. فقد تبيّن أنّ مجرّة FRB 20240304B صغيرة الحجم، فقيرة بالمعادن، وتشهد نشاطاً مكثّفاً لتكوين النجوم، وهو ما يُعرف علمياً بظاهرة "الانفجار النجمي" (starburst)، أي فترة تكوين نجوم بمعدّلات استثنائية.

إشارة راديوية سريعة من مجرة بعيدة عمرها 11 مليار سنة تصل إلى الأرض، توضح تطور الكون عبر الزمن باستخدام تلسكوب جيمس ويب.
Loading image...
رسم توضيحي لانفجار راديوي سريع ينتقل من مجرة بعيدة ليصل إلى الأرض (حقوق الصورة: روبرت ليا (تم الإنشاء باستخدام كانفا))

هذه الخصائص ليست تفصيلاً عابراً؛ إذ تدعم أحد الفرضيات المطروحة حول أصل الانفجارات الراديوية السريعة، وهي أنّ مصدرها قد يكون المغناطيسات النجمية (magnetars) نجوماً نيوترونية تتشكّل بعد انهيار النجوم الضخمة وموتها في انفجارات مستعرات عظمى، وتتميّز بامتلاكها أقوى الحقول المغناطيسية المعروفة في الكون. وتتضمّن الفرضيات المقترحة لنشأة هذه المغناطيسات اندماج نجوم نيوترونية قديمة، أو تشكّلها في بيئاتٍ تشهد نشاطاً متصاعداً في تكوين النجوم وهو تحديداً ما تُظهره مجرّة FRB 20240304B.

تقول لورا دريسن (Laura Driessen)، عضو الفريق البحثي من جامعة سيدني: "المجرّة المضيفة لهذا الانفجار صغيرة بشكل مفاجئ، فقيرة بالمعادن، وتمرّ بمرحلة نشطة جداً من تكوين النجوم". وتضيف: "هذا يمنحنا دليلاً مهماً عن البيئات التي تُولد فيها الانفجارات الراديوية السريعة، ويُظهر أنّ هذه الومضات الراديوية القصيرة لا تخبرنا فقط عن الكون البعيد، بل أيضاً عن كيفية تطوّر المجرّات وتجمّعاتها النجمية".

تمثيل فني لانفجار راديوي سريع FRB 20240304B من مجرة بعيدة يستخدم تلسكوب جيمس ويب لدراسة تطور الكون عبر مليارات السنين.
Loading image...
رسم توضيحي لتلسكوب ميركات الراديوي وهو يكتشف أبعد نبضة راديوية سريعة تم رصدها على الإطلاق. (حقوق الصورة: كارل نوكس، أوزغراف، جامعة سوينبرن للتكنولوجيا)

نافذة على عصر تشكّل أولى النجوم والمجرّات

يرى الباحثون أنّ هذا النوع من الاكتشافات يمكن أن يساعد في دراسة أولى النجوم والمجرّات التي تشكّلت في الكون، بما أنّ الانفجارات الراديوية السريعة قد تكشف تفاصيل عن 11 مليار سنة من التطوّر الكوني. ويذهب كافيا شاجي (Kavya Shaji)، أحد أعضاء الفريق البحثي، إلى أبعد من ذلك، قائلاً: "من حيث المبدأ، يمكن رصد انفجارات قوية بما يكفي من الكون المبكّر جداً".

أمّا ثيميا ناناياكارا (Themiya Nanayakkara)، من جامعة سيدني، فيربط الاكتشاف بقدرات الرصد الحديثة، موضحاً: "نتائجنا تُظهر أيضاً القدرة المذهلة لتلسكوب جيمس ويب الفضائي، حيث يمكننا دفع الحدود إلى ما هو أبعد ممّا كان ممكناً سابقاً".

ما يطرحه هذا الاكتشاف، إذن، ليس مجرّد رقمٍ قياسي جديد يُضاف إلى سجلّ الفيزياء الفلكية، بل منهجية رصدٍ مُختبرة تجمع بين التلسكوبات الراديوية الأرضية ومراصد الفضاء، قادرة على مواصلة الدفع نحو أعماقٍ أبعد من الكون. فإذا كانت ومضةٌ واحدة من مجرّة صغيرة نائية قد كشفت عن بيئة ولادتها المحتملة وعن توزّع المادة على مدى مليارات السنين، فإنّ السؤال الذي يطرحه الفريق البحثي نفسه هو: كم من الانفجارات الأقدم والأبعد ما تزال تنتظر أن تُرصد، لتعيد كتابة ما نعرفه عن فجر الكون؟

يمكن الاطّلاع على تفاصيل الدراسة كاملة عبر الرابط العلمي للبحث المنشور في مجلة Science: doi: 10.1126/science.adz2675.

أخبار ذات صلة

Loading...
جانب من كبسولة أوريون الفضائية تقترب من القمر المضاء جزئياً، ضمن مهمة Artemis II لاستكشاف سطح القمر وتوثيق ألوانه وتضاريسه.

ألوان غريبة على القمر: تقرير NASA يكشف مشاهد غير متوقّعة من مهمة Artemis II

اكتشف روّاد Artemis II ألواناً مذهلة على سطح القمر قد تغير مستقبل استكشافه. تعرّف على تفاصيل التقرير العلمي الأولي واكتشف كيف تساهم الملاحظات البشرية في اختيار مواقع الهبوط القادمة. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
نجم نيوتروني مشع وموقع الوميض الغريب EP250704a في الفضاء البعيد، مرتبط برصد أشعة سينية طويلة بعد اندماج نجوم نيوترونية.

اصطدام نجمين ميتين: تفسير جديد لومضة أشعة سينية غريبة من مجرة بعيدة

في اكتشاف فلكي مذهل، رصد مرصد أينشتاين ومضة أشعة سينية استمرت عشر دقائق من اندماج نجوم نيوترونية، ما يعيد تعريف تكوين الذهب والبلاتين في الكون. اكتشف المزيد عن ظاهرة المغناطار النجمية وتأثيرها الفريد. اقرأ التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائدة الفضاء الأمريكية كيلي جيراردي ترتدي بدلة فضاء وتستعد لرحلة بحثية تدرس تأثير الجاذبية الصغرى على حليب الأم والصحة الإنجابية في الفضاء.

رائدة فضاء خاصة تكشف حقائق الأمومة قبل رحلتها الثانية إلى الفضاء

تجربة الباحثة Kellie Gerardi في ضخ حليب الأم بالجاذبية الصغرى تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمومة في الفضاء. اكتشف كيف تؤثر بيئة الفضاء على الصحة الإنجابية واستعد لمستقبل الحياة خارج الأرض. تابع القراءة لتعرف المزيد.
علوم
Loading...
غواص يكتشف خاتم برونزي منقوش بمنارة الإسكندرية داخل أنقاض قصر غارق قبالة سواحل المدينة المصرية.

منارة الإسكندرية على خاتمٍ برونزي: اكتشافٌ أثري في قصرٍ تحت الماء بمصر

اكتشاف خاتم برونزي نادر بنقش منارة الإسكندرية في قصر غارق يكشف أسراراً تاريخية عن السلطة والرمزية في العصر البطلمي. اكتشف المزيد عن هذه القطعة الفريدة التي تربط بين عظمة المنارة ومركز الحكم القديم.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية