لماذا تبدو الخرائط القديمة مشوهة وكيف تؤثر على رؤيتنا للعالم
قرار أممي يدعو لاعتماد خرائط تعكس حجم القارات بدقة أكبر لكن Google Maps لن يتغير بسبب حاجته للملاحة العملية. هل نحن مستعدون لرؤية أفريقيا بحجمها الحقيقي رغم التشوهات الجغرافية التي شكلت تصوراتنا؟ وورلد برس عربي.

في 4 سبتمبر 2026، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرارٍ يدعو دول العالم إلى اعتماد خرائط أكثر دقةً في تمثيل أحجام القارات، وذلك بتشجيع استخدام إسقاطات المساحة المتساوية كإسقاط Equal Earth في المواد التعليمية والمؤسسية. صوّتت 164 دولة لصالح القرار، وامتنعت 6 دول عن التصويت، فيما وقفت الولايات المتحدة وحدها في خانة الرفض، واصفةً القرار بأنّه «مشروع أيديولوجي متطرّف». لكنّ السؤال الأهمّ ليس في قاعة الأمم المتحدة بل في هاتفك: فتطبيق Google Maps الذي يستخدمه أكثر من 2 مليار شخص شهرياً لن يتغيّر على الأرجح، ولسببٍ وجيه.
خريطة انشئت في البحر، وعاشت في الفصول الدراسية
القصة تبدأ عام 1569، حين ابتكر الرسّام الجغرافي الفلمنكي Gerardus Mercator إسقاطه الشهير لغرضٍ واحد محدّد: مساعدة البحّارة على رسم مسارات مستقيمة للملاحة. الإسقاط يحافظ على الزوايا بدقّة، مما يجعله مثالياً للتنقّل لكنّه يفعل ذلك على حساب الأحجام. كلّما ابتعدت عن خطّ الاستواء، كلّما بدت المناطق أكبر مما هي عليه في الواقع.
النتيجة؟ غرينلاند تبدو على خريطة Mercator بحجم يقارب أفريقيا، بينما تبلغ مساحة أفريقيا في الحقيقة نحو 14 ضعف مساحة غرينلاند. أوروبا تبدو أضخم مما هي عليه مقارنةً بدول الجنوب العالمي. هذا ليس تفصيلاً أكاديمياً فقد ربطت دراسةٌ صدرت عام 2024 بين تحيّز خريطة Mercator والتصوّرات الجيوسياسية، بما فيها آراء الناس حول مقترح إدارة ترامب لشراء غرينلاند.
المشكلة أنّ هذا الإسقاط البحري انتقل من ظهر السفن إلى جدران الفصول الدراسية في كلّ مكان، وترسّخت في أذهان أجيالٍ كاملة صورةٌ مشوّهة عن حجم العالم. في عام 2017، أثارت مدارس بوسطن العامة جدلاً واسعاً حين قرّرت استبدال خريطة Mercator بإسقاط Gall-Peters الذي يحافظ على النسب الحقيقية للمساحات وكان ردّ الفعل كبيراً، لأنّ الخريطة «الخاطئة» كانت مألوفةً لدرجة أنّ «الصحيحة» بدت غريبة.
ماذا تقول الأبحاث؟
لم تكن مشكلة الخرائط خافيةً على الباحثين. في عام 2010، أنتج المصمّم الألماني Kai Krause تصوّراً بصرياً بعنوان "الحجم الحقيقي لأفريقيا"، يُظهر كيف يمكن أن تتّسع داخل القارة الأفريقية مساحات الولايات المتحدة والصين والهند وأوروبا مجتمعةً. وقد ألهم هذا العمل James Talmage وDamon Maneice لإنشاء موقع The True Size Of… الذي يتيح للمستخدمين سحب أيّ بلد وتحريكه على الخريطة لمقارنة حجمه الحقيقي بما يبدو عليه.
على الصعيد العلمي، خلصت دراسةٌ شملت 130,000 شخص إلى أنّ المعتادين على إسقاط Robinson الذي يوازن بين دقّة الأحجام والأشكال كانوا أكثر دقّةً في تقدير أحجام الدول مقارنةً بمن اعتادوا على خريطة Mercator. وقد جاء في الدراسة المنشورة في ISPRS International Journal of Geo-Information أنّ هذه النتائج «تؤكّد الحاجة إلى استخدام إسقاطاتٍ أقلّ تشويهاً للمساحات في وسائل الإعلام بما فيها الاجتماعية وفي المواد التعليمية».
في مواجهة هذه التشوّهات، طوّر كلٌّ من Bojan Šavrič وBernhard Jenny وTom Patterson عام 2018 إسقاط Equal Earth، الذي يحافظ على النسب الحقيقية لمساحات اليابسة وإن كان يُشوّه الأشكال بدوره، إذ لا يوجد إسقاط مسطّح يجمع بين الدقّة الكاملة في الحجم والشكل معاً. وهذا بالضبط ما يجعل الكرة الأرضية المادية أو Google Earth بنموذجه الكروي ثلاثي الأبعاد الطريقةَ الأدقّ لرؤية العالم كما هو.
لماذا لن تتغيّر Google Maps قريباً؟
القرار الأممي غير مُلزِم، وهو يعترف صراحةً بأنّ إسقاط Mercator يبقى مفيداً للملاحة. وهنا تكمن المفارقة: الخريطة التي تشوّه الأحجام هي الأنسب للتنقّل اليومي، لأنّها تحافظ على الزوايا وتُمكّن من رسم مسارات مستقيمة بدقّة. Google Maps، بأكثر من 2 مليار مستخدم شهري، تعتمد متغيّرات من هذا الإسقاط لسببٍ عملي لا أيديولوجي.
أمّا الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة التي صوّتت ضدّ القرار، فقد وصفته بأنّه «مشروع أيديولوجي متطرّف» وهو توصيفٌ يستحقّ التأمّل، لا سيّما أنّ إسقاط Mercator نفسه ليس محايداً: فتضخيم مناطق الشمال على حساب الجنوب ليس مجرّد خطأ رياضي، بل له أثرٌ في كيفية تصوّر الناس لأهمّية المناطق وأحجامها وثقلها الجيوسياسي.
القرار الأممي لن يُغيّر الخريطة التي تفتحها غداً للبحث عن مطعم. لكنّه يطرح سؤالاً يستحقّ أن يدخل الفصل الدراسي: ماذا تعلّمنا الخريطة عن العالم، وماذا أخفت عنّا؟ وهل نحن مستعدّون لرؤية أفريقيا بحجمها الحقيقي حتى لو بدت الخريطة «غريبة» في البداية؟
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
