علاج السرطان بالبكتيريا داخل الورم يحقق نتائج واعدة
تجربة جديدة تستخدم بكتيريا مهندسة لعلاج سرطان القولون والمستقيم عبر حقنها داخل الورم لإنتاج دواء كيميائي ومحفزات مناعية مباشرة، مما يحد من السمية ويعزز فعالية العلاج ويبطئ نمو الأورام في فئران التجارب وورلد برس عربي.

يجمع السرطان بين طبيعتين متناقضتين حين يتعلّق الأمر بالعلاج: فهو نسيجٌ ينبع من خلايا الجسم نفسها، وهذا ما يجعل التمييز بينه وبين الخلايا السليمة تحدّياً بيولوجياً لم يُحسم بعد. العلاج الكيميائي التقليدي، رغم فعاليته، لا يُميّز جيداً بين الخلايا السرطانية والخلايا الصحية أثناء دورانه في مجرى الدم، فيُصيب أنسجةً لا علاقة لها بالمرض. العلاج المناعي بدوره قد يهاجم أنسجةً سليمة ويُسبّب التهاباً جهازياً خطيراً، وفق ما توثّقه مراجعات علمية حول السُّمّية الجهازية للعلاج المناعي. في هذا السياق، تأتي دراسةٌ جديدة نُشرت في مجلة Science Translational Medicine بفكرةٍ مختلفة: بدلاً من إرسال العلاج عبر الدم لكل الجسم، لماذا لا نُسكّن العلاج داخل الورم نفسه؟
فريقٌ بقيادة عالم المناعة نيكولاس أرپايا (Nicholas Arpaia) من جامعة Columbia هندس بكتيريا بروبيوتيك من سلالة Escherichia coli Nissle 1917 سلالة معروفة جيداً في الأبحاث الطبية وغير مُمْرِضة لتنتج داخل أورام القولون والمستقيم مزيجاً من الدواء الكيميائي والمُحرِّضات المناعية، في تجربةٍ أُجريت على فئران تحمل أوراماً مزروعة صناعياً. النتيجة: اختفاء ثلاثة من سبعة أورام معالجة بالكامل، أي ما نسبته 43%، إلى جانب تباطؤٍ ملحوظ في نمو أورام أخرى لم تُعالَج مباشرة.
كيف تجد البكتيريا طريقها إلى الورم وتستقرّ فيه؟
تعتمد الفكرة على خاصيةٍ معروفة لبعض أنواع البكتيريا: قدرتها على التراكم والتكاثر تفضيلياً داخل الأورام بعد إدخالها إلى مجرى الدم. بيئة الورم قليلة الأكسجين، غنية بالمغذّيات، ومناعتها المحلية مكبوتة توفّر ملاذاً مثالياً لهذه البكتيريا للنمو بمعزلٍ عن دفاعات الجسم. أكّد الباحثون أولاً أنّ البكتيريا المحقونة تختفي بسرعة من الأعضاء الرئيسية، ثم رصدوا تراكمها داخل نسيج الورم بمعدلٍ تجاوز مليار خلية بكتيرية في الغرام الواحد من نسيج الورم في غضون خمسة أيام فقط.
لضبط هذا التكاثر ومنع البكتيريا من الانتشار خارج نطاق الورم، زُوِّدت السلالة المُهندَسة بدارةٍ جينية تُعرف بـ«دارة التحلّل المتزامن» (synchronized lysis circuit)، تجعل البكتيريا تنفجر تلقائياً عند وصولها إلى كثافة سكانية معينة داخل الورم آلية أمان مبرمجة تحدّ من انتشار الكائن المُهندَس.
من التحويل الكيميائي إلى كسر منظومة الدفاع المناعي للورم
المرحلة التالية كانت تحويل سلائف غير سامّة إلى دواءٍ فعّال داخل الورم نفسه. صُمِّمت البكتيريا لتحويل مركّب 5-fluorocytosine (المعروف اختصاراً بـ 5-FC) إلى العلاج الكيميائي 5-fluorouracil (5-FU)، وهو دواءٌ يُستخدم بالفعل في علاج سرطان القولون والمستقيم المتقدّم. في التجارب المرجعية، أدّى 5-FU التقليدي المُعطى جهازياً كما هو معتاد في البروتوكولات السريرية إلى تباطؤ نمو الأورام، لكنه أيضاً تسبّب في فقدان الفئران نحو 7% من وزن أجسامها، وهو مؤشرٌ نموذجي على السُّمّية الجهازية التي يحاول هذا النهج تجاوزها.
لم تسِر الأمور بسلاسة من المحاولة الأولى. اكتشف الباحثون أنّ التصميم الأولي للبكتيريا فَشِل لأنّها كانت تُدمِّر الدواء الذي تُنتجه بنفسها. الحل جاء بحذف مجموعة جينات بكتيرية تُعرف بـ preTA، وهي المسؤولة عن تكسير 5-FU داخل الخلية البكتيرية، مما حسّن أداء العلاج بشكلٍ ملموس.
لكن العلاج الكيميائي المحلي وحده لم يكن كافياً. فتفعيل الخلايا التائية (T cells) والخلايا القاتلة الطبيعية (NK cells) داخل الورم، وإن كان مفيداً، دفع الورم إلى الردّ بآلية دفاعية معروفة: زيادة الخلايا التائية التنظيمية (regulatory T cells) والبروتين الكابت للمناعة PD-L1. لمواجهة هذا الرد، أضاف الفريق مكوّنين إضافيين إلى ترسانة البكتيريا: عاملاً مُحرِّضاً فائق النشاط من نوع IL-15 لتحفيز الخلايا المناعية المضادة للسرطان، ونانوبادي (nanobody) يحجب مسار PD-L1 الكابت للمناعة موضعياً داخل الورم. بهذا اكتملت المنظومة الثلاثية: علاجٌ كيميائي، وتحريضٌ مناعي، وحجبٌ موضعي لنقاط التفتيش المناعية كلّها في حزمةٍ بكتيرية واحدة.
نتائج التجربة: ماذا حدث فعلياً في الفئران؟
في التصميم النهائي، تلقّت الفئران التي تحمل أوراماً راسخة حقنةً واحدة مباشرة من البكتيريا المُهندَسة داخل الورم، تلتها جرعات من 5-FC. أظهرت المقارنات أنّ العلاج المُركَّب تفوّق على العلاج الكيميائي البكتيري وحده وعلى العلاج المناعي البكتيري وحده، حين استُخدم كلٌّ منهما منفرداً.
النقطة الأكثر لفتاً للنظر في الدراسة جاءت من تجربةٍ على فئران تحمل أورامٍ ثنائية ورمٌ في كل جانب من الجسم عولج فيها جانبٌ واحد فقط. تجاوبت الأورام المعالجة كما هو متوقّع، لكن الأورام غير المعالجة في الجانب الآخر نمَت أيضاً بمعدلٍ أبطأ بشكلٍ ملحوظ، رغم أنّ الباحثين لم يرصدوا وجود أي بكتيريا مُهندَسة في تلك الأورام غير المعالجة. هذا يشير إلى أثرٍ مناعي جهازي غير مباشر استجابة مناعية تنشأ من مكان العلاج وتمتدّ تأثيراتها إلى مواقع أخرى في الجسم، من دون أن تحمل السُّمّية الجهازية المرتبطة بالعلاج الكيميائي أو المناعي التقليدي المُعطى عبر الوريد.
ما الذي يفصل هذه النتائج عن غرفة العيادة؟
يبقى التمييز الذي يُصرّ عليه أي قارئ للأدلّة العلمية جوهرياً هنا: هذه دراسةٌ على فئران تحمل أوراماً مزروعة صناعياً، وليست تجربةً سريرية على مرضى بشر. حجم العيّنة صغير سبعة أورام في المحور الأساسي للتجربة وطريقة الحقن المباشر داخل الورم لم تكن دائماً متاحة أو عملية في اختبار العلاج، وهي عقبةٌ محتملة أمام التطبيق البشري، حيث لا يمكن الوصول بسهولة إلى كل الأورام بالحقن المباشر. يقرّ الباحثون أنفسهم بهذه الفجوة، ويقولون إنّ الخطوة التالية تتطلّب نماذج سرطانية أقرب إلى الحالة البشرية، وطرق توصيل مناسبة سريرياً.
مع ذلك، يصف الباحثون في ورقتهم المنشورة الإطار العام لما توصّلوا إليه بقولهم: «مع فهمٍ أعمق لمناعة الأورام والمؤشرات الحيوية الناشئة، من المفترض أن يساعد هذا النظام في تطوير العلاج الكيميائي المناعي للسرطان، من خلال تقديم مقاربة قابلة للتكيّف بدرجة كبيرة، ومُوجَّهة، ومتآزرة، للتغلّب على تباين الأورام، والسُّمّية، ومقاومة العلاج، عبر أنواعٍ متعددة من السرطانات».
لماذا يهمّ هذا القارئ العربي بشكل خاص؟
سرطان القولون والمستقيم يظلّ من أبرز أسباب الوفاة بالسرطان عالمياً، وعلاجه في المراحل المتقدّمة لا يزال يعتمد بشكلٍ كبير على العلاج الكيميائي، بما فيه 5-FU نفسه الدواء الذي حاولت هذه الدراسة إعادة توجيهه بطريقةٍ أكثر استهدافاً. والأمر الأكثر إلحاحاً هو أنّ معدّلات الإصابة بهذا السرطان ترتفع بين فئاتٍ أصغر سناً، لأسبابٍ لم تُفهم بعد بشكلٍ كامل اتجاهٌ يُقلق الأنظمة الصحية في مناطق عديدة، وليس فقط في الدول مرتفعة الدخل التي تُجرى فيها معظم هذه الأبحاث المبكرة.
هذه ليست القصة الوحيدة التي تُبشِّر بمقاربات علاجية غير تقليدية للسرطان؛ فقد سبق أن اختفى سرطانٌ نقيلي (metastatic) عند طفلة تبلغ من عمرها 3 سنوات بعد جرعتين فقط من علاجٍ تجريبي، وهو مثالٌ آخر على السرعة التي تتطوّر بها هذه المقاربات المناعية والجينية، حتى وإن كانت لا تزال بعيدة عن الاستخدام الروتيني.
أهمية هذا النوع من الأبحاث لا تكمن في نتائجه المباشرة على الفئران، بل في السؤال الذي يفرضه على مستقبل علاج السرطان: هل يمكن تصميم علاجاتٍ «موضعية جهازياً» تعمل محلياً داخل الورم لكن تأثيرها يمتدّ لأورامٍ أخرى بما يقلّل من الأعراض الجانبية المرتبطة بالعلاج الكيميائي والمناعي التقليدي؟ الإجابة لا تزال في مراحلها الأولى، وتتطلّب سنواتٍ من الدراسات قبل أن تصل، إن وصلت، إلى غرفة الطبيب.
أخبار ذات صلة

العلماء يكتشفون "بصمة بروتينية" في الدم تنبئ بالشيخوخة الصحية

حمّى الضنك في فلوريدا: لماذا ارتفعت الإصابات هذا العام؟

تفشّي الحصبة في بنسلفانيا يتجاوز الألف إصابة، الأكبر منذ القضاء على المرض
