صراع الحقائق والاتهامات في فيلم إيلون ماسك
في مهرجان البندقية تصفيق حار لفيلم "Musk" الوثائقي الذي يكشف جوانب مثيرة من حياة إيلون ماسك وسط جدل قانوني وسياسي حاد. صراع بين الحقيقة والتشويه يفتح نقاشاً حول حرية التعبير ومستقبل الفيلم في الأسواق وورلد برس عربي.

في "قصر السينما" بمهرجان البندقية، وقف الجمهور تصفيقاً متواصلاً استمرّ بين أربع وخمس دقائق، عقب العرض الأول لفيلم "Musk" هذا الشهر. لم يكن الحضور يصفّق لنجمٍ يقف على المسرح إيلون ماسك لم يحضر، ولم يوافق أصلاً على أن يُقابَل في الفيلم بل لصانعٍ وثائقي عُرف بصبره في تفكيك الحكايات الكبرى قبل أن يرويها: أليكس غيبني.
غيبني، الحائز على جوائز أوسكار وإيمي، وصاحب الفيلم الشهير عن انهيار شركة Enron، عمل على "Musk" ثلاث سنوات كاملة. وحين خرج العمل أخيراً إلى النور، لم يكن التصفيق في البندقية سوى الفصل الأول من قصةٍ أكثر تعقيداً: فيلمٌ يواجه إدانة علنية من موضوعه، وضغطاً قانونياً قبل عرضه التجاري، وخلافاً بين موزّعيه على طريقة إطلاقه كل ذلك في لحظةٍ سياسية حسّاسة تسبق الانتخابات الأمريكية.
غيبني يرى "فساد القضية النبيلة"
في مقابلةٍ يوم 9 سبتمبر، لخّص غيبني رؤيته لماسك بعبارة استعارها من تحليله لشخصياتٍ سابقة تتبّعها في أعماله: "ماسك، أعتقد كبعض الشخصيات التي تتبّعتها في الماضي، مصابٌ بما يسمّيه بعض الناس فساد القضية النبيلة." ثم ذهب أبعد في المقارنة: "بطريقةٍ ما، ماسك لا يختلف كثيراً عن رجال Enron. لا يختلف عن إليزابيث هولمز في الطريقة التي طوّع بها الحقيقة لخدمة نزواته." وعن قدرة ماسك التجارية اللافتة، قال غيبني بجملةٍ لاذعة: "عبقريّته هي ضخّ الأسهم."
ماسك، من جهته، لم يترك مجالاً للشكّ في موقفه. كان قد وصف الفيلم بأنه "hit piece" أي عمل تشويهي منذ عام 2023، قبل أن تبدأ الكاميرات بالتصوير أصلاً. وبعد عرض البندقية، عاد إلى منصّته X (تويتر سابقاً) يوم 9 سبتمبر بسلسلة تصريحات لم تخلُ من الحدّة: كتب أن "روث الكلاب يستحق احتراماً أكثر من غيبني"، ووصف الفيلم بأنه "hit piece يفشل في هدفه، ويرتكب الخطيئة القاتلة بأن يكون مملّاً لأربع ساعات." وفي منشورٍ آخر، هاجم منهج غيبني في اختيار من يظهر في الفيلم: "غيبني جمع فقط قائمة من الأشخاص الذين لديهم حسابات شخصية معه أو لا يعرفونه أصلاً (لكن لا يزال لديهم حسابات شخصية). ليس لديه أي نزاهة. إنسانٌ فظيع."
في خضمّ هذا التبادل، دخل حساب يُدعى sa_futurist، يعرّف نفسه بأنه مستثمر في Tesla، ليصف الفيلم بأنه "يجب أن يُسمّى فيلم تابلويد تشويهي لا وثائقياً، بينما كل من قابلَتهم الكاميرا يكره إيلون لأسباب سيئة حقاً"، مضيفاً أن هذا يعكس "كم انحدرت صناعة السينما". ورأى أن "إيلون قدّم للإنسانية أكثر من أي شخص آخر في التاريخ الحديث"، وأن "وثائقياً عن كيف أنقذ إيلون ماسك حرية التعبير عالمياً سيكون نقطة انطلاق رائعة." ماسك ردّ على هذا الحساب مباشرةً، في تفاعلٍ وثّقت تفاصيله Variety.
"لايزرات في الفضاء" ورسالة المحامي
لم يبقَ الخلاف في حدود الكلام على وسائل التواصل. محامي ماسك، أليكس سبيرو، أرسل إلى شركة الإنتاج Jigsaw Productions رسالةً قانونية، كشفت عنها NPR يوم 10 سبتمبر. الرسالة تحدّت مشهداً في الفيلم يتناول ادّعاءً بتأثير Starlink على انتخابات 2024 عبر ما وصفه الفيلم بـ"لايزرات في الفضاء" وهو تعبير أوضح سبيرو أنه يشير في الواقع إلى روابط الاتصال بين الأقمار الصناعية التابعة لشبكة Starlink، لا إلى أي شيء أكثر دراماتيكية. استند سبيرو إلى مصادر متعددة يقول إنها فنّدت هذه الشائعة، وكتب محذّراً: "أنتم إذن على علمٍ، قبل العرض، بأن هذا التلميح كاذب، وأن المادة التي تدحضه علنية، وأنكم اختَرتم ألا تُطلَعوا على بقيّتها."
الفيلم ظهر أيضاً في هذا السياق عبر مقابلة مع آشلي سانت كلير والدة أحد أطفال ماسك تتناول Starlink ونفوذها المحتمل في التأثير على الانتخابات.
ردّ Jigsaw Productions لم يتأخر: أصدرت الشركة بياناً يتحدّث عن "الحق في المشاركة بنقاشٍ مفتوح وفحصٍ قائم على الوقائع للشخصيات العامة القوية"، مضيفةً أن هذا "أمرٌ ينبغي أن يُقدّره ويحميه كل الأمريكيين، بمن فيهم المقرّبون من إيلون ماسك، الذي أعلن عن نفسه أنه 'مطلق حرية التعبير'." العبارة الأخيرة "free speech absolutist" هي وصف ماسك لنفسه، والذي استعادته Jigsaw في ردّها كنوعٍ من المواجهة بسلاح ماسك نفسه.
موزّعان، وموقفان متباعدان
بينما تتصاعد الحرب الكلامية، ينكشف خلافٌ أهدأ لكنه أكثر تأثيراً على مصير الفيلم فعلياً: خلافٌ بين موزّعيه.
في يوليو، أعلنت Bleecker Street الجهة المسيطرة على حقوق التوزيع في أمريكا الشمالية خطتها: عرضٌ في نيويورك ولوس أنجلوس يوم 9 أكتوبر، يتبعه طرحٌ تجاري أوسع يوم 16 أكتوبر. الخطة بقيت ثابتة.
أما Universal Pictures، المسيطرة على حقوق التوزيع العالمي خارج أمريكا الشمالية، فبدت أقل حسماً. تقرير لـHollywood Reporter نُشر يوم 16 سبتمبر أفاد بأن الشركة "يبدو أنها تراجع موقفها" من الفيلم، موضحاً أنها "لم تحدّد له تاريخاً، ولم تتواصل مع فريق الإنتاج بخصوص خططها، وتبدو بشكلٍ عام في طور إعادة التفكير في الإطلاق." هذا التباين في المواقف بين الموزّعين وضع الفيلم في منطقةٍ غامضة قبل أسابيع فقط من موعده المفترض.
في اليوم التالي، 17 سبتمبر، ذهبت النيويورك تايمز إلى سياقٍ أوسع، مشيرةً إلى أن "شركات وسائل الإعلام" تواجه ضغوطاً مرتبطة بإدارة ترامب. في المقابل، أفادت مصادر Variety في نفس التاريخ بأن Universal لا تزال ملتزمة بالتوزيع العالمي، وأن التأخير في تحديد موعدٍ خارجي أمرٌ معتاد بالنسبة للأفلام الوثائقية الطويلة تفسير أكثر هدوءاً من الرواية المثيرة التي طرحها Hollywood Reporter.
توقيتٌ لا يمكن تجاهله
مهما كانت الرواية الدقيقة لتردّد Universal، فإن التوقيت وحده يفسّر جزءاً من حساسية الموقف. موعد الطرح التجاري الأوسع للفيلم 16 أكتوبر يتقاطع مع فترة التصويت المبكر في أمريكا، والذي يبدأ عادةً قبل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من يوم الانتخابات، المحدّد هذا العام الثلاثاء 3 نوفمبر. الناخب الأمريكي يمكنه هذه المرة أن يصوّت بالبريد، أو عبر صندوقٍ مخصّص، أو حضورياً، وتوفّر بوابة Vote.gov معلومات التسجيل والتصويت المبكر لمن يريد التحقق من حقّه في التصويت.
ماسك ليس غريباً عن هذا المشهد الانتخابي. لعب دوراً مالياً ضخماً في انتخابات 2024، ثم قاد مكتب "DOGE" لتقليص النفقات في عهد ترامب حرفياً بمنشارٍ كهربائي رفعه في مناسبةٍ علنية وشارك أيضاً في دورة انتخابات التجديد النصفي هذا العام. وفي هذا السياق، تكتسب معلومةٌ أخرى دلالتها: موقع votesafe.org، الذي يقدّم نفسه كبوابة معلومات انتخابية غير حزبية، وصفته تقارير من بينها تقرير على Substack بأنه في الواقع عملية جمع بيانات، ممولة من America PAC التابع لماسك نفسه.
هذا التشابك بين المال والسياسة والنفوذ الرقمي هو تحديداً ما يحاول فيلم "Musk" أن يفكّكه بالكاميرا لا بالتغريدات. والمفارقة أن الطريقة التي حاول بها ماسك ومحاموه إسكات الفيلم أو تأخيره لم تفعل سوى ما يعرفه صانعو الأفلام الوثائقية جيداً: كل رسالة قانونية، وكل منشورٍ غاضب، يمنح العمل مزيداً من الأضواء التي لم يكن يحتاجها بالضرورة. يبقى السؤال معلّقاً حتى موعد 9 أكتوبر: هل سيصل الفيلم إلى الجمهور الأمريكي في وقتٍ يسمح له بأن يكون جزءاً من نقاشٍ انتخابي حيّ، أم سيتحوّل تأخير Universal العالمي إلى نموذجٍ آخر لكيف يمكن لضغطٍ هادئ أن يعيد تشكيل توزيع حكاية لم يعد أحد قادراً على تجاهلها؟
أخبار ذات صلة

ماهرشالا علي: إلغاء "بليد" أكبر فشل في مسيرة كيفن فايج

الذكاء الاصطناعي والنهاية: كيف توقّع فيلم "WarGames" (1983) سيناريو الكارثة

نجم "Heated Rivalry" هدسون ويليامز يشعل فوضى في مهرجان تورونتو السينمائي ويلمّح لموسم ثانٍ
