وورلد برس عربي logo

الرافعات الكهربائية تغير قواعد تشغيل الموانئ الثقيلة

تتحول الرافعات الشوكية الضخمة في الموانئ إلى الكهرباء بفضل طبيعة عملها المميزة، مما يقلل التكاليف بنسبة كبيرة ويحافظ على الأداء. تعرف كيف تغير هذه التكنولوجيا قواعد تشغيل الموانئ وتفتح آفاق توفير الطاقة مع وورلد برس عربي.

رافعة شوكية كهربائية كبيرة ترفع حاوية شحن في ميناء، تمثل تحول موانئ العالم نحو استخدام معدات كهربائية صديقة للبيئة وفعالة من حيث التكلفة.
تبدو رافعات التكديس وكأنها تطبيقات بطارية صعبة، لكن دورة عملها القصيرة المدى وعالية الطاقة وفرص الشحن الطبيعية تجعل التحول إلى الكهرباء خيارًا متزايدًا.
التصنيف:تكنولوجيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-آلةٌ يتجاوز وزنها 70 طنّاً قبل أن تحمل أي شيء، تقترب من حاوية شحنٍ يبلغ وزنها بدورها 40 طنّاً أو أكثر، وتُكدّس هذه الحاويات بضعة صفوفٍ عمقاً وبضعة طوابق ارتفاعاً داخل باحات الموانئ. أمام هذا الحجم، يبدو سؤال "كيف يمكن لبطاريةٍ أن تُحرّك كلّ هذا الثقل؟" منطقياً تماماً. لكنّ الإجابة الفعلية تتكشّف اليوم في موانئ من نيوزيلندا إلى فرنسا: الرافعات الشوكية الكبيرة المعروفة بـ"reach stackers" تتحوّل تدريجياً إلى الكهرباء، وبأعدادٍ لم تعد هامشية.

التقديرات التجميعية تشير إلى نحو 1,500 رافعةٍ كهربائية تعمل حول العالم، من أصل أسطولٍ عالمي يُقدَّر بنحو 9,300 وحدة أي ما بين 15% و16% من الإجمالي. والأهمّ أنّ الحصّة ترتفع في خطوط الإنتاج الحالية، إذ تمثّل الآلات الكهربائية ما يقارب خُمس ما يُصنَّع حالياً من هذا النوع من المعدّات.

لماذا تنجح الكهرباء مع آلاتٍ بهذا الحجم؟

التفسير لا يكمن في حجم الآلة بل في طبيعة عملها. هذه الرافعات تتحرّك ببطءٍ ولمسافاتٍ قصيرة فوق أرضيّاتٍ مُعبّدة داخل الميناء، وتحتاج إلى طاقةٍ عالية في لحظاتٍ محدّدة فقط عند التسارع، أو الرفع، أو تشغيل الأنظمة الهيدروليكية. بين هذه اللحظات، هناك كبحٌ وانتظارٌ وتكرارٌ لمسارات ثابتة، وهو نمط تشغيلٍ يجعل استهلاك الطاقة الفعلي أقلّ ممّا توحي به ضخامة الآلة.

هذا النمط المتكرّر هو ما استغلّته شركة Kalmar في تصميم استراتيجية شحنٍ لا تتطلّب توقّف الآلة عن العمل: توزيع ساعة شحنٍ كاملة على فترات استراحة المشغّلين القهوة، الوجبات بدل شحنٍ مخصّص ومنفصل. وفي العمليات الأكثر كثافة، خصوصاً في بعض المعدّات الصينية، يُستخدم خيار استبدال البطاريات كبديل. لكن الاتجاه الغالب في معظم عمليات النشر هو مطابقة سعة البطارية وقدرة الشاحن مع دورة العمل القائمة أصلاً، لا إعادة تصميم العملية من الصفر.

نيوزيلندا تقدّم الأرقام من الميدان

أحد أوضح الأمثلة الميدانية يأتي من شركة Reliance Transport في نيوزيلندا، التي تشغّل آلة SANY كهربائية بوزن 74 طنّاً. تستهلك الآلة نحو 33 كيلوواط/ساعة لكل ساعة تشغيل، وتُنجز نوبات عملٍ كاملة مدّتها ثماني ساعات، وتتعامل مع نحو 100 عملية نقل حاوية في الأيام المزدحمة وهو أداءٌ لا يقلّ عن نظيره بالديزل من الناحية التشغيلية.

الفارق يظهر في الكلفة: تقول الشركة إنّ استهلاكها للطاقة انخفض بنحو 80% مقارنةً بالآلة الديزل التي استُبدلت، وإنّ كلفة الصيانة تراجعت بنسبة 65%. وتشير الشركة إلى أنّ تمويل الآلة الكهربائية كان تجارياً بشكلٍ شبه كامل، أي بلا دعمٍ استثنائي يُشوّه الصورة الاقتصادية. وهذا رقمٌ يستحقّ التوقّف عنده: الرافعات الديزل كثيفة الاستخدام يمكن أن تحرق عشرات آلاف اللترات من الوقود سنوياً، وهو ما يجعل فاتورة الطاقة وحدها دافعاً كافياً لإعادة النظر في الخيار الديزل، بصرف النظر عن أي اعتباراتٍ بيئية.

هل تبرّر الكلفة الإجمالية الانتقال؟

السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس كلفة الشراء بل الكلفة الإجمالية للملكية على مدى سنوات التشغيل. تحليلٌ مشترك لشركتَي APM Terminals و DP World في عام 2023 قدّر أنّ الرافعات الكهربائية أغلى بنحو 15% من نظيراتها الديزل من حيث الكلفة الإجمالية، لكنّه توقّع تحقيق التعادل خلال نحو خمس سنوات، مشروطاً بحجم الأسطول وكفاءة دمج أنظمة الشحن.

في المقابل، تُظهر حسابات Kalmar الحالية، المبنية على افتراضات تشغيلٍ فرنسية، أنّ الكلفة الإجمالية للرافعة الكهربائية على مدى خمس سنوات أقلّ بنسبة 16% من الديزل علماً أنّ هذا النموذج يستثني كلفة البنية التحتية للشحن والموقع، وهو استثناءٌ لا يُستهان به عند تقييم أي ميناءٍ يفكّر في التحوّل. فالمعادلة ليست ثابتة: أسعار كهرباء مرتفعة، أو معدّلات استخدامٍ منخفضة، أو حاجة إلى ترقياتٍ كبيرة في الشبكة الكهربائية، يمكن أن تُغيّر الصورة الاقتصادية جذرياً. الموانئ المزدحمة بأسعار كهرباء معقولة هي الأقدر على تعويض الكلفة الرأسمالية الإضافية عبر التوفير التشغيلي، أمّا الموانئ الأقلّ نشاطاً أو التي تواجه كهرباء باهظة فالحساب مختلف تماماً.

الطلبات المتكرّرة... مؤشّرٌ أوضح من أي تحليل

في نهاية المطاف، سلوك المشترين يقول أكثر ممّا تقوله التقديرات النظرية. ميناء Westport اشترى رافعةً كهربائية واحدة من Kalmar، ثمّ عاد وطلب أربعاً أخرى. Portonave يضيف خمس آلاتٍ كهربائية بعد تشغيل أولى وحداته. ميناء Helsingborg أسّس إطار عملٍ يسمح بشراء ما يصل إلى تسع رافعاتٍ كهربائية. أمّا APM Terminals فتخطّط لشراء أو تحديث نحو 500 رافعة كهربائية خلال العقد المقبل، ضمن برنامجٍ أوسع لكهربة معدّاتها وهو رقمٌ يضع الشركة في موقع المحرّك الرئيسي لهذا التحوّل على مستوى الصناعة.

والهيدروجين؟ لا يزال بلا طلبات أسطول

ثمّة مسارٌ بديل يُطرح بين حين وآخر: خلايا الوقود الهيدروجينية، التي تَعِد بميزة إعادة التزويد السريع مقارنةً بشحن البطاريات الكبيرة أو فترات التوقّف الطويلة. جرّب ميناء Valencia هذا الخيار عام 2023 عبر نموذج Hyster أوّلي ممّول من الاتحاد الأوروبي، لكن التجربة لم تتجاوز بضعة أشهر، وانتهت دون أي طلب أسطولٍ فعلي؛ والتقييم اللاحق للميناء اتّجه نحو الكهرباء لا الهيدروجين. وفي Tilbury، تجري حالياً تجربةٌ ما قبل إنتاجية لنسخةٍ محدّثة من رافعة Hyster الهيدروجينية، لكنّها لا تزال في طور الاختبار، بعيداً عن أي قرار تجاري.

للمزيد من التفاصيل حول هذا التحوّل ومعطيات الكلفة الإجمالية، يمكن مراجعة التحليل الكامل الذي نشرته TFIE حول نشر هذه المعدّات واقتصادياتها.

ما يدفع هذا التحوّل ليس فقط الحساب المالي، بل ضغطٌ متصاعد على الموانئ لخفض انبعاثات الديزل في الباحات لأسباب مناخية وصحية وأيضاً لتقليل الضجيج المحيط بالعمّال. والكهربة هنا لا تُلغي الحاجة إلى الصيانة بالكامل: صحيحٌ أنّها تُزيل المحرّك وناقل الحركة وتغيير الزيوت، لكنّ الأنظمة الهيدروليكية والإطارات والأذرع وغيرها من المكوّنات الميكانيكية الثقيلة تبقى بحاجةٍ إلى عناية. وهذا يعني، من زاوية سوق العمل، تحوّلاً في نوع المهارات المطلوبة داخل ورش الصيانة في الموانئ، لا اختفاءً للوظائف فنّي محرّكات الديزل يُستبدل تدريجياً بفنّي أنظمة كهربائية وهيدروليكية، وهو انتقالٌ يحتاج إلى تدريبٍ لا يقلّ أهمية عن قرار شراء الآلة نفسها. وبينما تتجه موانئ كبرى نحو مئات الوحدات الكهربائية خلال العقد المقبل، يبقى السؤال المفتوح: هل ستصمد تجربة الهيدروجين في Tilbury لتصبح بديلاً حقيقياً، أم أنّ الكهرباء ستحسم المعركة في الموانئ قبل أن يبدأ أي سباقٍ فعلي؟

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يتحدث بحماس في مؤتمر صحفي، يعكس جدلاً حول تجاوز وكلاء الذكاء الاصطناعي للضوابط الأمنية في الحكومة الأسترالية.

من المسؤول حين يخرج وكيل ذكاء اصطناعي عن السيطرة؟

في حادثة مثيرة، وكيل ذكاء اصطناعي تخطى حدود البحث الصحي في أستراليا مما أثار جدلاً حول مسؤولية التحكم بالأدوات الذكية. اكتشف المزيد الآن!
تكنولوجيا
Loading...
جلسة نقاش في مهرجان بوسان الدولي للأفلام حول استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأفلام مع ممثلين يتحدثون على المسرح وشاشة تعرض عنوان الجلسة.

الذكاء الاصطناعي يخفّض ميزانيات الأفلام بنسبة 40%: مخرج «The Outlaws» يحذّر من فقدان اللمسة الإنسانية

تغيّر الذكاء الاصطناعي صناعة السينما بتقليل التكاليف وتحسين المؤثرات البصرية، لكن يبقى السؤال هل يمكنه استبدال الجهد البشري؟ اكتشف المزيد الآن.
تكنولوجيا
Loading...
صورة كوكب المريخ تظهر تضاريسه البرتقالية مع بقعة جليدية في القطب الشمالي، تعبير عن أبحاث تحويل المريخ إلى بيئة صالحة للحياة.

العلماء يطورون ميكروباً لمساعدة الإنسان على استيطان المريخ

هل يمكن لكائن مجهري واحد أن يجعل المريخ صالحاً للحياة؟ شركة Pioneer Labs تحقق نقلة نوعية عبر تطوير ميكروب يتحمل تربة المريخ المحاكاة. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الثورية نحو استيطان الكوكب الأحمر وكن جزءاً من المستقبل.
تكنولوجيا
Loading...
سيارة كهربائية ذاتية القيادة مزودة بأجهزة استشعار على السقف تسير في شارع حضري، تعكس تطور تقنيات القيادة الآلية والشحن الذكي.

السيارات ذاتية القيادة والمزودة بالطاقة الشمسية التي تتواصل مع بعضها: هكذا قد تبدو المركبات بعد عقد

هل ستغير السيارات الكهربائية المستقبلية قواعد الطريق بشحن ذاتي من ضوء الشمس وتقنيات اتصال متقدمة؟ اكتشف كيف تؤثر البطاريات الجديدة والبنية التحتية على تجربة القيادة الكهربائية اليوم. تابع التفاصيل لتعرف أكثر!
تكنولوجيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية