الأرض والمريخ تكوّنوا بطرق مختلفة تكشف أسرار الحياة
دراسة جديدة تكشف أن الأرض والمريخ تشكّلا بطرق مختلفة رغم قربهما في النظام الشمسي وهذا قد يغير فهمنا لصلاحية الكواكب الخارجية للحياة عبر تتبع تركيبها الكيميائي بدقة أكبر وورلد برس عربي يقدم التفاصيل.

تشكّلت الأرض والمريخ في الرقعة نفسها تقريباً من السديم الذي أحاط بالشمس قبل نحو 4.5 مليار سنة، وغالباً ما افترض الباحثون أنّ تاريخ تكوّنهما يجب أن يكون متشابهاً إلى حدٍّ بعيد. لكنّ نمذجةً جديدة أجراها فريق من جامعة كوبنهاغن، ونُشرت في 25 سبتمبر في مجلة Nature Astronomy، تقلب هذا الافتراض: يبدو أنّ الكوكبين سلكا مسارَي تكوّنٍ مختلفين رغم جوارهما الفلكي، وهو ما قد يغيّر الطريقة التي نقيّم بها احتمالات الحياة على كواكب تدور حول نجومٍ أخرى.
وصفتان مختلفتان لكوكبَين جارَين
تعتمد الصورة التقليدية لتكوّن الكواكب على سلسلة من التصادمات: حبيبات الغبار تلتصق ببعضها لتُكوّن حصىً صغيرة، ثم تنمو هذه الحصى إلى أجسامٍ يبلغ قطرها كيلومترات تُعرف بـ"الكويكبات الأوّلية" (planetesimals)، التي تتصادم بدورها على مدى عشرات ملايين السنين لتبني الكواكب. السؤال الذي ظلّ عالقاً هو: هل تشكّلت الأرض والمريخ عبر هذا المسار وحده، أم عبر مزيجٍ من عمليتَين متمايزتين؟
نمذجة الفريق الكوبنهاغي لمخزونات العناصر المتطايرة في الكوكبين رجّحت سيناريو هجيناً لكليهما، لكن بنِسَبٍ متعاكسة تماماً. فالأرض، وفق النتائج، يُرجَّح أنّ ما لا يقلّ عن 75% من كتلتها نشأ من كويكبَين أوّليَّين نمَوَا عبر تجميع الحصى (pebble accretion)، فيما ساهمت الكويكبات الأوّلية بنسبةٍ تصل إلى 25% من كتلة الأرض. المريخ، في المقابل، يبدو معكوس الوصفة: نحو ثلاثة أرباع كتلته يُعزى إلى تصادمات الكويكبات الأوّلية، بينما وفّر تجميع الحصى الربع المتبقّي.
يقول أندرس يوهانسن، أستاذ علوم الكواكب في جامعة كوبنهاغن وأحد قائدَي الدراسة: "أكثر النتائج إثارةً للدهشة أنّ الأرض والمريخ يبدوان وقد تشكّلا بطريقتَين مختلفتَين. كان يُفترض أن يتشارك كوكبان نشآ جنباً إلى جنب في النظام الشمسي نفسه تاريخ تكوّنٍ أكثر تشابهاً." ويضيف موضحاً صعوبة إعادة بناء هذا التاريخ: "إنه عملٌ بوليسيّ كبير أن نكتشف ما حدث آنذاك، حين اختفى معظم الأدلّة منذ زمنٍ بعيد. لكن حتى بعد 4.5 مليار سنة، لا يزال تركيب وشاح الأرض ووشاح المريخ محفوظاً كما هو."
لماذا العناصر المتطايرة أكثر مباشرةً من النظائر؟
ركّز الباحثون على كيمياء القشرة والوشاح في الكوكبين، وتحديداً على عناصر "متطايرة" مثل الصوديوم والزنك والبوتاسيوم، وهي عناصر تتبخّر بسهولة عند درجات الحرارة المرتفعة، ما يجعل وجودها أو غيابها مؤشراً حساساً على ظروف التكوّن الأصلية. يصف الفريق هذه الطريقة بأنها أكثر مباشرةً من مقاربات أخرى تعتمد على النظائر، والتي بحسب هايانغ وانغ، شريك يوهانسن في قيادة الدراسة "يمكن تفسيرها غالباً بطرقٍ متعدّدة."
ولأنّ التركيب الكيميائي الدقيق للمادة الخام التي تشكّلت منها الكواكب غير معروف على وجه اليقين، اعتمدت الحسابات على مجموعةٍ من الافتراضات. لكن وانغ يؤكد أنّ تعديل هذه الافتراضات لم يغيّر الاستنتاج الرئيسي للدراسة، وهو ما يمنح النتيجة قدراً من الصلابة المنهجية رغم محدودية المعطيات الأولية.
ما الذي يعنيه هذا لصلاحية الكواكب البعيدة للحياة؟
يتجاوز أثر هذه الدراسة حدود نظامنا الشمسي. فتقييم ما إذا كانت الكواكب الشبيهة بالأرض حول نجومٍ أخرى أي الكواكب الخارجية (exoplanets) قابلةً للحياة، يتطلّب معرفةً دقيقة بتركيبها، وتحديداً بمقدار ما فقدته أو احتفظت به من عناصر متطايرة أثناء تكوّنها. يقول يوهانسن: "إذا فهمنا كيف تفقد الكواكب العناصر المتطايرة أثناء تكوّنها، فسنصبح أيضاً أكثر قدرةً على التنبؤ بمقدار الماء وغيره من المواد الداعمة للحياة التي تحتفظ بها في نهاية المطاف."
بعبارة أخرى، الفارق بين كوكبٍ يحتفظ بغلافٍ مائي وكوكبٍ جافٍ قاحل قد لا يكون مسألة بُعدٍ عن النجم فحسب، بل أيضاً نتيجة مباشرة لـ"الوصفة" التي تشكّل منها نسبة تجميع الحصى إلى تصادمات الكويكبات الأوّلية وهي متغيّرات يمكن، وفق هذه المنهجية الجديدة، تتبّعها كيميائياً.
تبقى هذه النتائج، بطبيعتها، نموذجاً حسابياً يستند إلى افتراضات حول مادةٍ أولية لا يمكن ملاحظتها مباشرة، لا رصداً مباشراً لحظة التكوّن. لكنّ تماسك الاستنتاج أمام تعديل تلك الافتراضات يمنحه وزناً علمياً معتبراً، ويفتح الباب أمام تطبيق المنهج نفسه على كواكب خارج المجموعة الشمسية كلما توفّرت بيانات كيميائية كافية عنها وهو ما قد يحوّل سؤال "هل هناك حياة هناك؟" من تخمينٍ فلكي إلى مسألة قابلة للقياس الكيميائي تدريجياً. لمزيدٍ من التفاصيل، يمكن الاطلاع على بيان جامعة كوبنهاغن حول الدراسة.
أخبار ذات صلة

اكتشاف كهوف القمر السرية: مشروع NASA الجديد

تلسكوب جيمس ويب يرصد أبعد "انفجار راديوي سريع" في الكون، يتجاوز الرقم القياسي السابق

المحيط الهادئ الأوسط يسجل قطيعة قياسية في درجات الحرارة.. وخبراء يرجحون مؤشراً لنوع جديد من النينيو
