رحلة أوائل البشر إلى أمريكا بين الأدلة واللغز المستمر
اكتشف أحدث الدراسات حدود وصول أوائل البشر إلى الأمريكتين بين 14 و21 ألف سنة مضت مع استمرار الجدل حول الأدلة الجينية والأثرية وخريطة الهجرة التي تربط بين آسيا والساحل الهادئ في قصة استيطان القارة عبر الزمن وورلد برس عربي

متى وطئت أقدام أوائل البشر أرض القارة الأمريكية لأول مرة؟ سؤالٌ يشغل الأركيولوجيين منذ أكثر من قرنٍ من الزمن، ولا تزال الإجابة عنه بعيدة المنال رغم تراكم الأدلة الجينية والأثرية. مراجعة علمية جديدة، نُشرت إلكترونياً في 23 سبتمبر في مجلة Current Opinion in Genetics & Development (وترد تحت اسم Current Topics in Genetics & Development في فهرس الاستشهادات بالسنة 2026)، تخلص إلى أنّ أسلاف الشعوب الأصلية الحالية وصلوا القارة في موعدٍ لا يتجاوز 21,000 سنة مضت، مع الإقرار بأنّ هجراتٍ أسبق قد تكون حدثت فعلاً. الدراسة، بعنوان « "جينومية تتعلق بالهجرات المبكرة إلى الأمريكتين"»، أعدّها كلٌّ من Bethany Potter من هيئة المسح الجيولوجي في كنساس (Kansas Geological Survey)، وSavannah Hay من جامعة كنساس، إلى جانب Anurag Singh وJennifer Raff.
ما يميز هذا العمل ليس اكتشافاً جديداً بقدر ما هو جردٌ نقدي لما هو متاح من أدلة، ومحاولة لترتيب النماذج التفسيرية الثلاثة التي يتبناها الباحثون تقليدياً لتفسير توقيت الاستيطان البشري الأول في الأمريكتين.
ثلاثة نماذج، وإجماعٌ غائب
النموذج الأول، المعروف بـ«نموذج ما قبل الذروة الجليدية الأخيرة» (Pre-LGM)، يفترض دخول الإنسان إلى القارة قبل أكثر من 25,000 سنة. النموذج الثاني، «خلال الذروة الجليدية» (During-LGM)، يضع الدخول بين 25,000 و14,000 سنة مضت. أما النموذج الثالث، المعروف أحياناً باسم «كلوفيس أولاً» (Clovis First)، فيفترض وصولاً أحدث من 14,000 سنة. والذروة الجليدية الأخيرة (Last Glacial Maximum) هنا تشير إلى أبرد فترة في العصر الجليدي الأخير، وهي نقطة مرجعية حاسمة في كل هذه النماذج.
الباحثتان لا تحسمان الجدل لصالح نموذجٍ واحد، بل تضعان حدوداً زمنية بحسب ما تسمح به الأدلة الحالية: دخول الإنسان كان ممكناً منذ 14,000 سنة على الأقل، وربما يمتد إلى 21,000 سنة إذا اعتُمد الاستقراء الجيني الذي توصّلت إليه الدراسة. أما الحضور البشري المؤكد فلا جدال حوله: «نعرف أن البشر كانوا موجودين بالتأكيد في الأمريكتين منذ حوالي 13,500 سنة. ما زلنا لا نعرف إن كانوا وصلوا قبل ذلك، وإن كان الأمر كذلك، فإلى أي مدى سبق ذلك التاريخ»، كما تقول Potter وHay.
السبب في استمرار هذا الجدل، وفق الباحثتين، ليس علمياً بحتاً بقدر ما هو منهجي: «السبب في أن هذا الموضوع مثيرٌ للجدل بين علماء الأنثروبولوجيا هو أن الأركيولوجيين لا يتفقون جميعاً على أي المواقع الأولى شرعية، وهذا يؤثر في النموذج الذي يعتبرونه الأدق».
خريطة الهجرة: من بيرينجيا إلى الساحل الهادئ
وفق السيناريو الذي ترجحه الدراسة، انقسمت مجموعة سكانية كانت تعيش قرب سيبيريا أو بيرينجيا المنطقة التي تضم الجسر البري الذي ربط آسيا بألاسكا إلى عدة فروع خلال الذروة الجليدية، أي قبل نحو 25,000 سنة. شملت هذه الفروع ما يُعرف بـ«الأمريكيين الأصليين القدامى» و«البيرينجيين القدامى»، إضافة إلى سلالة واحدة أو أكثر «شبحية» غير موثقة مباشرة في السجل الجيني. تحركت هذه المجموعات بسرعة نسبية على طول الساحل الهادئ، ثم ربما انقسمت إلى فرعين إضافيين أمريكيين أصليين شماليين وجنوبيين قبل نحو 16,000 سنة.
هذا التسلسل، رغم تماسكه النظري، يصطدم بمشكلة واحدة جوهرية: قلة الأدلة الجينية المباشرة. أول جينوم كامل لإنسانٍ أصلي قديم يعود إلى شخصٍ عاش في جرينلاند قبل نحو 4,000 سنة، وقد جرى فك شيفرته الجينية عام 2010. منذ ذلك التاريخ، نُشر نحو 250 جينوماً كاملاً إضافياً، إلى جانب بيانات جينية جزئية (genome-wide) لنحو 1,200 شخصٍ أصلي قديم. أقدم جينوم مُسجَّل حتى الآن يعود لطفل «Anzick-1»، الذي عُثر على عظامه في ولاية مونتانا، ويرجع تاريخه إلى 12,800 سنة.
لغز آثار أقدام «وايت ساندز»
من أكثر الأدلة إثارة للجدل آثار أقدام اكتُشفت في موقع وايت ساندز بولاية نيو مكسيكو، وأُرِّخت إلى 23,000 سنة مضت أي قبل الذروة الجليدية الأخيرة إذا صحّ هذا التأريخ. يعترف السكان الأصليون من قبيلة أكوما بويبلو (Acoma Pueblo) القاطنين قرب الموقع بهذه الآثار باعتبارها بصمات أسلافهم.
لكن المفارقة أن الأدلة الجينية المتاحة لا تُظهر مساهمة سكانية ملموسة من وايت ساندز في النسب الوراثي لأسلاف الشعوب الأصلية الحالية. تفسر Potter وHay هذا التناقض باحتمالين: «قد يكون من الممكن أننا لم نأخذ عينات من سلالة أحفادهم، أو أنهم ساهموا بنسبة منخفضة من النسب الجيني في سكان أمريكا الشمالية القدامى»، مضيفتين: «ربما ببساطة لم نعثر بعد على الحمض النووي الخاص بسكان وايت ساندز».
فجوات في الخريطة الجينية
يبقى العائق الأكبر أمام حسم الجدل هو اتساع الفجوات الجغرافية في قاعدة البيانات الجينية. تقول الباحثتان بوضوح: «هناك فجوات هائلة في مجموعة بياناتنا الجينية»، مشيرتين إلى مثالٍ دالّ: «لا تزال لا توجد جينومات قديمة منشورة من منطقة السهول الكبرى (Great Plains)، رغم أن مجموعة مختبرنا متمركزة هناك بالذات». هذه الفجوة تعني أن تقييم سيناريوهات الهجرة السابقة للذروة الجليدية يتطلب مزيداً من البيانات الجينية التي لم تُجمع بعد، وأن أي نقص في التغطية قد يُخفي أدلة على هجراتٍ أقدم مما هو موثق حالياً.
ورغم إقرارهما بأن توسيع التغطية الجغرافية للعينات سيكون مفيداً للغاية، تضع الباحثتان اعتباراً أخلاقياً فوق سرعة الإنجاز العلمي: «كثيرون منا يتعمدون التمهل في مقارباتنا للحمض النووي القديم لضمان أن يكون البحث المتعلق بمجتمعات الأحفاد أخلاقياً وتشاركياً». هذا التمهل، كما تشرحان، ليس عائقاً بل شرطاً لصحة العلاقة بين الباحثين والمجتمعات الأصلية المعنية مباشرة بهذا التاريخ.
في المحصلة، لا تقدّم الدراسة إجابة نهائية، بل تضع إطاراً منهجياً يحدد بدقة ما هو معروف وما هو غامض. وكما تخلص الباحثتان: «الأدلة الأركيولوجية والجينية لا تحسم إجابة واحدة قاطعة»، لكن «نشر بيانات جينومية قديمة جديدة من الأمريكتين أمرٌ بالغ الأهمية، إذ يحمل إمكانية سد هذه الفجوات وإعادة صياغة فهمنا لأحداث الاستيطان البشري المبكر» في القارة. والسؤال المفتوح الآن هو: أي موقعٍ أثري قادم، أو أي جينومٍ قديم جديد، قد يعيد ترتيب هذا التسلسل الزمني برمته؟
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
