دورايمن يحقق حلمه السينمائي في قلب الهند
دورايمن يعود إلى السينما الهندية بفيلم جديد يجمع بين الطفولة والحنين عبر 21 عاماً من البث التلفزيوني بلغات متعددة الفيلم يعيد إحياء قصة محبوبة ويؤكد قوة الشخصية التي تربط أجيالاً من الأطفال والآباء في تجربة عائلية ممتعة ومميزة على الشاشة الكبيرة وورلد برس عربي

في بيتٍ هنديٍّ، أمام شاشة تلفزيون، يجلس طفلٌ يتابع قطّاً آلياً أزرق يخرج من جيبه أداةً تحلّ كلّ مشكلة. المشهد ليس جديداً؛ يتكرّر في الهند منذ 21 عاماً بلغاتٍ هي الهندية والتاميلية والتيلوغوية، حتى صار "Doraemon" جزءاً من ذاكرة جيلٍ كامل قبل أن يصبح جزءاً من ذاكرة أبنائه. لكنّ هذا المشهد المنزلي الصغير يتهيّأ الآن للانتقال إلى صالة السينما: في 2 أكتوبر، يُعرض فيلم "Doraemon the Movie: New Nobita and the Castle of the Undersea Devil" في دور العرض الهندية، بوصفه أول اختبارٍ حقيقي لقدرة الشخصية اليابانية على ملء الشاشة الكبيرة بعد عقودٍ من حضورها على الشاشة الصغيرة.
القائم على هذا الانتقال هو تحالفٌ بين شبكة TV Asahi اليابانية و"PVR Inox Pictures" الهندية، تدعمه شركة "Black White Orange" (BWO) المختصّة بالتفاعل مع الجمهور وتجارب المستهلكين والأنشطة الترويجية، فيما تتولّى "Happening 365 Synergies" الاستشارات الاستراتيجية ودراسة السوق. وهي منظومة لا تبدو عابرة، بل أقرب إلى مشروع طويل النفس تتحدّث عنه سوميدا مايكو، رئيسة قسم الرسوم المتحركة والمبيعات في إدارة الأعمال الدولية بـTV Asahi، بلغةٍ تتجاوز الفيلم الواحد.
لماذا الآن، ولماذا بهذه اللغات الثلاث؟
تقول سوميدا إنّ "النجاح الذي حقّقته الشبكة في الهند هو الاستمرارية"، في إشارةٍ إلى أنّ ما بُني على مدى 21 سنة من البثّ التلفزيوني هو الذي يسمح اليوم بالمغامرة السينمائية. وتوضح أنّ القرار لم يكن متسرّعاً: "كنّا ننتظر أن يتقبّل الجمهور الهندي الأفلام المتحرّكة في دور السينما"، وهو ما تقيس عليه اختيار هذا الفيلم تحديداً بوصفه "عنواناً قوياً جداً يتناسب مع الجمهور الهندي". أما قرار اعتماد اللغات الثلاث نفسها المستخدمة في البثّ التلفزيوني، فتصفه بأنّه امتدادٌ طبيعي: "أردنا الحفاظ على الأمر على هذا النحو من أجل العرض السينمائي".
الطموح، كما تصفه سوميدا، يتجاوز مناسبة العرض: "لدينا 'Doraemon' منذ 21 عاماً، لكننا ننظر إلى 50 و100 عام... ولتحقيق ذلك، نخطّط لتوسيع علامة 'Doraemon' التجارية بمقاربة شاملة من 360 درجة". وتضيف أنّ طفرة أفلام الأنمي عالمياً لن تغيّر من نهج الشبكة تجاه الشخصية، فالجمهور الذي تخاطبه متعدّد الطبقات: الأطفال من جهة، والآباء والبالغون الذين كبروا وهم يشاهدون المسلسل من جهةٍ أخرى. وتصف الشبكة الهند بأنّها من أهمّ أسواقها، مع رغبةٍ معلنة في استكشاف أعمال تجارية جديدة فيها. وحين تُسأل عن احتمال تكرار التجربة مستقبلاً، تترك سوميدا الباب مفتوحاً: "ستظلّ هناك دائماً إمكانية لفعل شيءٍ من هذا القبيل هنا في الهند في السنوات القادمة".
لكنّ ما يمنح هذا الطموح التجاري معناه الفعلي هو جذر الشخصية نفسها. فـ"Doraemon"، كما تذكّر سوميدا، "وُلد كقصّة مصوّرة مانغا مخصّصة للأطفال، ونحن فخورون بأن يُقبَل العمل المتحرّك باعتباره محتوى للأطفال والعائلات"، وهي الصفة التي تجعل انتقاله جيلياً لا تسويقياً: "سيُنقَل من الأطفال الذين يشاهدون 'Doraemon' إلى من كبروا وهم يشاهدونه، ثم إلى أطفال هؤلاء. إنه يتجاوز الأجيال".
حكاية عمرها أكثر من أربعين عاماً، بعيون جديدة
الفيلم الذي يُعرض في الهند ليس قصّة جديدة، بل إعادة صياغةٍ لحكايةٍ وصلت أول مرّة إلى صالات السينما اليابانية عام 1983، وصدرت أيضاً كمسلسل مانغا قبل أكثر من أربعين عاماً. وفي اليابان، حيث يصدر فيلم "Doraemon" جديد كلّ عام تقريباً، يعمل استوديو Shin-Ei Animation بانتظامٍ على إعادة إنتاج قصصٍ سابقة، وهذه واحدة منها.
يصف ناكاجيما سوسومو، المنتج الرئيسي للفيلم في Shin-Ei Animation، هذه الحكاية بأنها "من الأعمال المبكرة طويلة المدة، وواحدة من الأعمال الأثيرة لدى الجمهور العريض"، مازحاً حول اختياره لها: "أردت أن أفعل ذلك لأنّ العمل الأصلي يماثلني في العمر تماماً. أمزح فقط". لكنّ جدّية مقاربته تظهر حين يتحدّث عن سرّ بقاء أعمال فوجيموتو حيّة: "هذا ينطبق على جميع إعادات إنتاجنا، لكنّني مقتنعٌ تماماً بأنّ أعمال الأستاذ فوجيموتو تظلّ ممتعة مهما مرّت السنون". ويضيف: "هذا العمل صدر أيضاً كمانغا مسلسلة وأُنتج قبل أكثر من أربعين عاماً، لكنّني أعتقد أنّ الأطفال اليوم حين يشاهدونه سيشعرون بالإحساس نفسه والمتعة نفسها التي عاشها أطفال ذلك الزمن".
ما يحرص عليه ناكاجيما ليس تجديد القصّة بقدر ما هو الحفاظ على أثرها: "بما أنّ العمل الأصلي مانغا، فإننا نترجم 'شعور ما بعد القراءة' إلى 'شعور ما بعد المشاهدة' بالنسبة للفيلم، ونولي أهمية كبرى لما إذا كان هذا الشعور يبقى كما هو، وما إذا كنّا ننجح في التعبير عن المتعة الكامنة في العمل الأصلي". ويوضح أنّ كونه إعادة إنتاج لا يعني تغييراً متعمّداً: "لأنّه إعادة إنتاج، لا نفكّر عمداً: 'لنغيّر أشياء عن الأصل'". ومع ذلك، تستخدم الفرق تقنيات الصور المولّدة حاسوبياً (CG) والتركيب الرقمي، من دون التخلّي عن قيمة الرسم اليدوي: "قد يبدو الأمر متناقضاً، لكننا نُقدّر أيضاً سحر الرسوم المتحرّكة المرسومة يدوياً - ذلك النوع من 'التذبذب' أو الدفء التناظري".
في صلب الحكاية، يتحوّل نوبيتا وهو إنسانٌ في الأصل إلى كائنٍ قادرٍ على العيش تحت الماء بعد تعرّضه لـ"شعاع التكيّف" (Adaptation Ray)، وهو ما دفع الفريق إلى السعي لصُنع هويةٍ بصرية مميّزة: "لذلك سعينا إلى خلق مرئياتٍ تُميّز عملنا بوعي، خصوصاً في شكل العالم تحت الماء والألوان المستخدمة منذ لحظة انغماسه في الشعاع وما بعدها". لكنّ الثابت وسط كلّ هذا التحوّل البصري هو شخصيات الفيلم الخمس الأساسية، التي تتصرّف كعادتها رغم تغيّر ظروفها، وهو ما يجعل كلام نوبيتا أكثر قابلية للتماهي وأفعال جيان أكثر موثوقية، بحسب ناكاجيما: "'طابع Doraemon' أمرٌ مهمّ جداً، أليس كذلك؟ حتى لو كان فيلماً، فإنّ جعل نوبيتا ورفاقه يتصرّفون على سجيّتهم المعتادة، وتصويرهم على هذا النحو، هو بالضبط ما يقود إلى ذلك الإحساس بالألفة".
ويبقى التحدّي الدائم، كما يصفه ناكاجيما، في موازنة البهرجة البصرية مع روح المغامرة: "جانب الإبهار والمغامرة هو شيءٌ نُعاني معه في كلّ مرّة، ونتساءل: 'إلى أين نذهب بعد ذلك؟' فمع آلة الزمن (Time Machine)، وباب أي مكان (Anywhere Door)، والأدوات السرّية الأخرى، يمكن لأيّ حلمٍ أن يتحقّق، لذا نصنع القصّة مع إيلاء اهتمامٍ دقيقٍ بالتوازن العام".
تفاصيل لا تُرى على الشاشة: أسماء الأدوات بلغة الجمهور
خلف هذه الحكاية البصرية تجري عملية ترجمةٍ أكثر دقّة ممّا يبدو للوهلة الأولى. فاستوديو Shin-Ei يتحقّق من أنّ أسماء الأدوات السرّية وغيرها من الأسماء الخاصّة تلائم السياقات المحلّية الهندية، وذلك عبر فريقه الدولي الذي يتولّى تنسيق عملية التوطين، نظراً لأنّ طاقم الإنتاج نفسه لا يملك بالضرورة الإلمام بدقائق اللغة المحلّية ونُطقها. إنها تفاصيل صغيرة اسم أداةٍ هنا، تعبيرٌ هناك لكنّها الفارق بين فيلمٍ يُعرض على جمهورٍ هندي وفيلمٍ يُترجَم إليه فحسب.
حدود "التطوير": ما الذي لا يُسمح بتغييره؟
إذا كان Shin-Ei مسؤولاً عن صناعة الفيلم، فإنّ Fujiko Pro - المكتب الذي يمثّل إرث فوجيموتو هيروشي، المعروف بقلمه الفنّي فوجيكو إف فوجيو - يقف حارساً على روح العمل. يوضّح يوشيدا كينجي، المسؤول في الشركة، أنّ المكتب لا ينوي "تطوير" عمل فوجيموتو، مفضّلاً التمسّك بثابتٍ واحد: "أياً كان ما نفعله، نريد أن نُبقي هدف 'أن يكون للأطفال' حاضراً من دون إخفاق. وفي الوقت نفسه، ننتجه مع مراعاة 'قلب الطفل' الموجود داخل الكبار أيضاً. وبهذا المعنى، نعتبره عملاً محبوباً من كلّ الأجيال".
يربط يوشيدا هذا الثبات بشخصية المؤلّف نفسه: "حتى لو تغيّرت الأزمنة، يبقى جوهر الأطفال كما هو. لهذا واجه الأستاذ فوجيموتو قلب الطفل بداخله، وأدخل ذلك الطفل في أعماله". ويرى أنّ القيمة العالمية لهذا العالم هي ما يفسّر بقاءه: "ذلك لأننا نؤمن بأنّ العالم الذي خلقه له قيمة كونية - عالمٌ محبوبٌ عبر العصور والحدود".
أما عن الأدوات السرّية التي بدت يوماً خيالاً محضاً، فيلاحظ يوشيدا أنّ بعضها صار واقعاً مع تقدّم الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأجهزة الذكية، لكنّه يرفض قراءة ذلك كنبوءةٍ مقصودة: "لا أعتقد أنّ الأستاذ فوجيكو إف فوجيو كان يحاول التنبّؤ بالمستقبل حين رسم تلك الأفكار. أعتقد أنّه كان ببساطة يعبّر عن فضوله وأمنياته الطفولية الخاصّة من خلال الأدوات السرّية، وكنتيجة لذلك، صادف أن أصبح بعض تلك الأدوات واقعاً اليوم. لهذا أؤمن بأنّه مهما تغيّرت الأزمنة، سيستمرّ عالم 'Doraemon' إلى الأمام تماماً كما كان دائماً".
بين استراتيجية TV Asahi التي تحسب بالعقود، ودقّة Shin-Ei التي تحسب بالتفاصيل، وحراسة Fujiko Pro التي تحسب بالقيم، يصل "Doraemon" إلى الصالات الهندية في 2 أكتوبر - ليس كفيلمٍ عابر، بل كاختبارٍ لفكرةٍ واحدة: أنّ حكايةً رُسمت لأطفال اليابان قبل أكثر من أربعين عاماً قادرةٌ على أن تجد لنفسها بيتاً جديداً، بلغاتٍ لم تكن موجودة حين وُلدت، وأمام أطفالٍ لم يكونوا قد وُلدوا بعد.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
