مفارقات ديزني في تسويق أغلى إعلانات السوبر بول
ديزني تعلن نفاد مخزون إعلانات Super Bowl رغم غياب طلب حقيقي وتلجأ لمعلنين احتياطيين وسط رفع أسعار قياسي وتوتر مع الرعاة. تعرف على تفاصيل الصفقات والتحديات التي تواجه عملاق الإعلام في وورلد برس عربي.

يُعلن عن نفاد كامل مخزونه الإعلاني لمباراة Super Bowl 2027 منذ يوليو الماضي، ثم يعود بعد أشهر ليبحث سرّاً عن معلنين احتياطيّين يشترون ما قد يتخلّى عنه الرعاة الحاليّون. هذا هو التناقض الذي تواجهه Disney اليوم، وهو تناقضٌ يكشف أكثر ممّا تريد الشركة كشفه عن حقيقة الطلب على أغلى دقيقة إعلانية في العالم.
وفق ما ذكره شخصان مطّلعان على محادثات الشركة مع المعلنين، تطلب Disney مبلغاً يتراوح بين 10 و12 مليون دولار للمرة (30) ثانية، إضافة إلى طلب "مقابلة" هذا المبلغ بحزمة إنفاق أخرى على مساحات إعلانية إضافية. والمفارقة أنّ الشركة لم تحصل بعد على إذن من رابطة NFL لإضافة أيّ وقتٍ تجاري جديد إلى البثّ، ما يعني أنّها تسوّق مخزوناً نظرياً مرهوناً بموافقةٍ لم تُمنح بعد، في وقتٍ لا يبدو أنّ أحداً من الرعاة الحاليّين يستعدّ فعلياً للانسحاب.
هل الطلب حقيقي أم ورقة مساومة؟
أحد المشترين الإعلاميّين قال بوضوح: "سمعتُ أنّه لا يوجد فعلياً من يطلب ذلك"، في إشارة إلى غياب أيّ راعٍ معلن عن رغبته في التخلّي عن مساحته. والأكثر دلالة أنّ هذا المشتري نفسه أضاف: "لو قلت لهم اليوم إنّني سأدفع 12 مليون دولار، لن يكون لديهم مكان لي. من الواضح أنّهم لا يحصلون على ذلك الطلب". بمعنى آخر، حتى عرضٌ يلامس السقف الذي تطلبه Disney لا يضمن حجز مساحة، وهو ما يضع علامة استفهام حول مدى جدّية "النفاد الكامل" الذي أعلنته الشركة في يوليو وهي نقطة اكتمالٍ مبكرة جدّاً في دورة بيع إعلانات Super Bowl عادةً.
تنفي Disney إتاحة أيّ من تنفيذيّيها للتعليق، لكنّ شخصاً آخر مطّلعاً على المحادثات الأخيرة قال إنّ الشركة تشهد اهتماماً قوياً بصفقاتٍ محتملة، فيما أوضح تنفيذيٌّ ثانٍ أنّ ما تفعله الشركة هو تجميع "قائمة من المعلنين الراغبين في الدخول في حال انسحب أحدهم"، وهو إجراء احترازي لا دليل قاطع على طلبٍ فعلي.
كيف وصلت الأسعار إلى هذا الحدّ؟
القصّة لم تبدأ بالرقم الحالي. في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، اصطدمت Disney بالمعلنين حول طلبها 10 ملايين دولار للمرة الواحدة وهو سعرٌ فاق بكثير ما كانت تطلبه NBC في مفاوضاتها المبكرة لمباراة هذا العام، إذ لم يتجاوز 7 ملايين دولار. ولتثبيت سعرها، باعت Disney بعض المساحات بـ9 ملايين دولار أو أكثر لعملاء من خارج وكالات الشراء الإعلامي الكبرى، ثم استخدمت هذه الصفقات كورقة ضغطٍ على عملاقَين من كبار المعلنين التقليديّين، هما Anheuser-Busch InBev وPepsiCo، لدفعهما لقبول أسعارٍ أعلى. بل إنّ الشركة ذهبت أبعد من ذلك، محذّرةً الرعاة الكبار من احتمال خسارتهم المواقع المميّزة التي اعتادوا الحصول عليها خلال البث وهو تكتيكٌ واجه معارضةً واسعة من المعلنين الكبار. في النهاية، باعت Disney معظم وقتها الإعلاني بـ8 ملايين دولار أو أكثر، أي أقلّ من طموحها الأوّلي لكن أعلى بكثير ممّا عرضته NBC.
نتيجة هذه التكتيكات، كما يصفها أحد المشترين، "هناك نوعٌ من الشعور الاستياء" تجاه الشركة، ويذهب الشخص نفسه، الذي كان قد علّق سابقاً، إلى القول: "هم بالتأكيد لم يكسبوا ودّ المعلنين". ومن المتوقّع أن تخضع أماكن عرض الإعلانات خلال البثّ لتدقيقٍ أكثر صرامة هذه المرّة، بعدما شعر كثيرٌ من المعلنين بأنّهم دُفعوا إلى زاويةٍ ضيّقة.
ضغط على المعلنين في وقتٍ تُسرّح فيه الشركة موظّفيها
ما يجعل هذه القصة أكثر من مجرّد مساومة تجارية هو توقيتها. تولّى Josh D’Amaro رئاسة Disney التنفيذية خلفاً لـBob Iger في مارس، وسرعان ما أطلق جولاتٍ جديدة من التسريحات الوظيفية وأعاد النظر في هيكل التكاليف. الشهر الماضي، أعلنت الشركة رفع أسعار كثيرٍ من خدمات البث لديها. وفي الأسبوع الماضي، تحدّثت Dana Walden، الرئيسة الإبداعية في الشركة، في مؤتمرٍ عن التحديات التي تواجه الإبقاء على Jimmy Kimmel على الهواء، في ظلّ تحوّل مشاهدي برنامجه عن المشاهدة التلفزيونية التقليدية؛ وعقد Kimmel الحالي يمتدّ لعامٍ واحدٍ فقط وينتهي بعد الموسم التلفزيوني الحالي في 2027.
هذا السياق يضع الضغط على المعلنين في إطاره الحقيقي: شركةٌ تُقلّص قوّتها العاملة وتُعيد تسعير منتجاتها للمستهلك في آنٍ واحد، بينما تسعى في الوقت نفسه لانتزاع أعلى سعرٍ ممكن من سوق إعلانات Super Bowl — وهو السوق الوحيد المتبقّي القادر على تجميع جمهورٍ ضخمٍ يشاهد في اللحظة نفسها، وهي قدرةٌ يصعب تكرارها في عصر البث المتدفّق. من يدفع ثمن هذه المعادلة في النهاية؟ ليس فقط المعلن الذي يُساوم على السعر، بل أيضاً الموظّف في القطاع الإعلاني الذي يعمل في ظلّ شركةٍ تُخفّض كلفتها الداخلية بينما تُشدّد قبضتها على عملائها الخارجيّين.
ما الذي يميّز نسخة 2027؟
بالنسبة إلى Disney، ليست هذه مجرّد صفقة إعلانية عابرة. بثّ مباراة Super Bowl لعام 2027 سيكون الأول لإحدى منصّاتها منذ ما يقارب عقدَين من الزمن. تخطّط الشركة لعرضٍ تقليدي للمباراة عبر ABC وESPN، إلى جانب عرضٍ ثانٍ مُميَّز يستضيفه Peyton وEli Manning. كما قد تبحث Disney وNFL في برمجةٍ إضافية تستهدف شرائح جمهورٍ محدّدة. وتعوّل الشركة أيضاً على الترويج لتوقيت المباراة الذي يقع في عطلة نهاية أسبوعٍ من ثلاثة أيام وقرب موعد عيد الحب، في محاولةٍ لتحويل التوقيت نفسه إلى ميزةٍ تسويقية تبرّر السعر المرتفع.
سابقة State Farm ودرس وارنر بروذرز
ليست هذه المرّة الأولى التي يطلب فيها معلنٌ التحلّل من التزامٍ إعلاني لمباراة Super Bowl. في الموسم الماضي، طلبت State Farm من Fox إعفاءها من التزاماتها الإعلانية لمباراة Super Bowl LIX، مستندةً إلى عقباتٍ تجارية ناجمة عن حرائق الغابات في كاليفورنيا. عادةً ما تكتسب طلبات التخلّي عن المساحات الإعلانية زخماً قرب نهاية الربع الرابع من العام، فيما تفضّل الشبكات التلفزيونية عادةً عدم الإعلان عن اكتمال البيع إلّا قبل أيامٍ قليلة من المباراة وهذا ما يجعل إعلان Disign المبكر في يوليو استثناءً لافتاً يستحقّ المساءلة بحدّ ذاته.
وثمّة سابقةٌ أخرى تُلقي ضوءاً على أسلوب Disney الحالي: في عام 2022، ضغطت Warner Bros. Discovery على المعلنين لزيادة إنفاقهم في سوق "الأب فرونت"، في وقتٍ كانت تحمل فيه الشركة ديوناً ضخمة وتسعى لخفضها لدعم سعر سهمها. حينها اختار بعض المشترين نقل أموال عملائهم إلى جهاتٍ أخرى، فخسرت Warner ملايين الدولارات في السوق ذلك العام. الدرس الذي يبدو أنّ المعلنين تعلّموه: الضغط المفرط على العميل قد يرتدّ خسارةً على المعلِن نفسه.
يبقى السؤال المفتوح: هل ستحصل Disney على إذن NFL لإضافة فواصل إعلانية جديدة، على غرار ما فعلته Fox سابقاً بموافقة الرابطة التي تحصل عادةً على نصف عائدات تلك الفواصل الإضافية؟ وهل سيكون "النفاد الكامل" الذي أُعلن في يوليو حقيقة سوقية أم مجرّد أداة تفاوضية تنتظر من يختبرها؟ الإجابة ستتّضح تدريجياً مع اقتراب نهاية الربع الرابع، حين تميل طلبات التخلّي عن المساحات الإعلانية، إن وُجدت فعلاً، إلى الظهور على السطح.
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
