ديغر بين الكارثة والمسرح في رحلة ساخرة ومأساوية
في فيلم Digger يتقاطع الكوميدي مع الكارثي في سرد مزدوج بين مسرحية وكارثة بيئية حقيقية. توم كروز يجسد الصراع بين السخرية والجدية في عالم النفط والبيئة وسط تحولات درامية تجذب محبي الأفلام الساخرة والدراما المعاصرة وورلد برس عربي.

تبدو اللقطة الأولى وكأنها مفارقة بصرية متعمّدة؛ فرجل النفط النافذ يرتدي أطرافاً تنكرية مقززة، وتتدلّى من رأسه خصلة شعر مصفّفة بطريقة هزلية، بينما يأكل السردين مباشرةً من علبة طعام قطّته. هذا هو ديغر روكويل، البطل الذي يجسّده توم كروز في فيلم "Digger"، الذي يُعرض حالياً في دور السينما من إنتاج وتوزيع Warner Bros. وفي قصر روكويل، تحيط به شخصيات كاريكاتورية لا تقلّ عنه غرابة، حتى تباغته الأنباء الصادمة: شركته النفطية قد تكون تسبّبت، دون قصد، في كارثة مناخية عالمية.
كل هذا يبدو كبداية فيلم كوارث تقليدي، إلى أن يكشف "Digger" عن ورقته الأولى: ما شاهدناه ليس الفيلم نفسه، بل بروفة تقنية لمسرحية بعنوان "Fossil Fools"، تُجرى قبل ساعات من عرضها الأول أمام الجمهور. في تلك اللحظة، يتخلّى كروز عن لكنته الجنوبية الصاخبة التي كان يؤدّي بها ديغر، ليظهر بوصفه كيرتس ماركسون، الممثل المسرحي الذي يؤدّي دور ديغر على الخشبة ويصارع لإيجاد إيقاعها الساخر الصحيح.
متى تصبح الكارثة مسرحية؟
هذا الانقلاب السردي هو ما يمنح الفيلم، رغم تفاوته الواضح، ثراءً فكرياً غير معتاد حول السخرية والأداء والكارثة البيئية. المخرج أليخاندرو ج. إيناريتو، بعدسة مدير التصوير إيمانويل لوبيزكي، لا يكتفي بسرد حكاية رجل نفط فاسد، بل يسائل كيف يمكن لمسرحية أن تحوّل كارثة حقيقية إلى مادة للضحك دون أن تفقد جدّيتها.
في أثناء البروفة، تدور مواجهة بين كيرتس والمخرجة هانا، التي تؤدّي دورها سوفي وايلد، حول حدود السخرية وعلاقتها بالأحداث الواقعية. هذا النقاش ليس تفصيلاً عابراً؛ فالمراجعة تضعه في سياق أوسع، إذ يتساءل النقّاد في عام 2026، في ظلّ "عصر ترامب"، عمّا إذا كانت الأفلام الساخرة لا تزال قادرة على أداء وظيفتها. أداء كروز في الدورَين ديغر وكيرتس معاً استحضر عند المراجع صدى فيلمَي "Magnolia" و"Eyes Wide Shut"، وهو تذكيرٌ بأن كروز، حين يُمنح مساحة، يستطيع أن يتجاوز صورة نجم الأكشن.
المشهد الذي يجمع ديغر في الأمم المتحدة، وهو يواجه مجتمعاً دولياً غاضباً من استمرار أفعاله المسيئة، يختصر المسرحية داخل المسرحية: شخصية تُحاكم علناً فيما يراقبها جمهورٌ يعرف أنها مجرّد تمثيل، لكنه تمثيلٌ مبني على أذى حقيقي.
مال العائلة وراء الخشبة
من يقف خلف تمويل "Fossil Fools"؟ الإجابة تأتي عبر شخصية كيني، ابن أخ ديغر، الذي يؤدّي دوره جيسي بليمونز. كيني هو من اشترى حقوق المسرحية ومَوّل إنتاجها بثروته الخاصة، وتصف المراجعة دوافعه بأنها مزيج من التكفير عن الذنب وجلد الذات وتكريم العائلة، وتُصنّفه بوصفه راعياً للفنون أكثر منه مجرّد وريث مرتبك. هذا الخيط الفرعي يضيف طبقة ساخرة إضافية: الكارثة البيئية تتحوّل إلى مشروع فني يموّله أحد ورثة النفط نفسه.
وفي خطٍّ فرعيٍّ آخر لم يُمنح التطوير الكافي بحسب المراجعة، يقضي كيرتس جزءاً من البروفة باحثاً عن رحلة طيران ابنته المفقودة، وهو خيط يبقى معلّقاً دون أن يجد طريقه إلى العقدة الكبرى للفيلم.
هذه البنية المزدوجة الواقع والتمثيل، الكارثة والمسرح تستدعي بالضرورة مقارنة مع فيلم تشارلي كوفمان "Synecdoche, New York" لعام 2008، حيث يؤدّي فيليب سيمور هوفمان دور مخرج مسرحي يعيد بناء مدينة نيويورك بالحجم الطبيعي داخل مستودع. المراجعة تعتبر فيلم كوفمان أكثر ذكاءً وصدقاً، وكأن "Digger" يحاول أن يسير على الطريق نفسه دون أن يصل إلى العمق ذاته.
نهاية تشبه نذيراً
في المشهد الختامي، يضع مرتادو المسرح أقنعة غاز ويغادرون الصالة إلى عالمٍ مدمَّر: شوارع غارقة، سيارات مهجورة، وشرطة عسكرية تملأ الإطار، بينما يبتلع صوت الحيوانات البرية الموسيقى التصويرية والكاميرا تميل نحو السماء. إنها نهاية لا تترك مجالاً للطمأنينة.
على الملصق الدعائي، تصف العبارة الترويجية الفيلم بأنه "كوميديا بأبعادٍ كارثية" "a comedy of catastrophic proportions" وعي عبارة تبدو، بحسب المراجعة، مزدوجة: فالفيلم يتّجه بالفعل نحو أن يكون كارثة في شباك التذاكر. وتلفت المراجعة إلى أن "Digger" يبدو وكأنه آخر فيلم يصدر عن Warner Bros، في وقتٍ وصف فيه مالك الاستوديو الجديد ديفيد إليسون استحواذه على الشركة بأنه جاء "للأسباب الصحيحة" "all the right reasons".
المراجعة تتخيّل أيضاً صرخة كروز نفسه وهو يسأل الجمهور: "هل فهمتم؟!" "DO YOU GET IT?!?". سؤالٌ يلخّص التوتر بين طموح الفيلم الفكري وقدرته الفعلية على إيصال فكرته. فالنتيجة، كما يخلص المراجع، لا ترقى إلى مرتبة العمل الذي لا يُفوَّت، بل تبقى عرضاً موجّهاً لفئة محدّدة: مُحبّو كروز المتابعون لكل أعماله، وهواة الأفلام الفاشلة، والفضوليّون إزاء الكوارث السينمائية.
وربما هذا بالضبط ما يستحق التوقّف عنده: فيلمٌ يسأل عمّا يبقى من المعنى حين تتحوّل كارثة حقيقية إلى مسرحية، ثم إلى فيلمٍ عن تلك المسرحية، في استوديو قد لا يُصدر بعده شيئاً آخر.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
