تجارة المخدرات والخسائر الصامتة في شوارع كوبنهاغن
في مسلسل Side Effects قصة جريمة تفتح على مأساة المخدرات التي تقتل الشباب وتدمر العائلات في كوبنهاغن. محققة تواجه واقع قاتل غير مرئي يغير حياة الجميع. اكتشف كيف يروي المسلسل هذه الأزمة الإنسانية بواقعية مؤثرة على وورلد برس عربي.

-على رصيف ميناء كوبنهاغن، حيث تختلط رائحة الملح بصدأ الحاويات، يُعثر على حارس أمن قتيلاً، وتختفي معه شحنة كبيرة من حبوب تحتوي على مادة أفيونية (Opioid) قاتلة. هذا هو الكادر الأول الذي يفتح عليه المسلسل البوليسي الدنماركي "Side Effects"، قبل أن تدخل إلى المشهد المحقّقة نورا سوبي، التي تقودها الممثلة جوزفين بارك (Josephine Park) على رأس أرفع وحدة جرائم في الدنمارك.
لكن القصة هنا لا تُروى كلغزٍ بوليسي تقليدي ينتهي بكشف القاتل. فالعدو هذه المرة ليس وجهاً واحداً يختبئ في الظلال، بل شبكة من الحبوب المميتة التي تنتقل من يدٍ إلى يد، تاركة خلفها أسراً مُنهكة ومجتمعاً يتعايش مع خسارته اليومية بصمت.
من قاتلٍ متسلسل إلى قاتلٍ حقيقي في الشوارع
يقول لاسه كايد راسموسن (Lasse Kyed Rasmussen)، مبتكر المسلسل وكاتبه الرئيسي، إنّ فكرة العمل بدأت من سؤال مباشر: "ما الذي يقتل الناس فعلاً في عام 2026؟ والإجابة الواضحة والمقلقة كانت: المخدرات التي تُباع في الشارع."
لم تكن هذه هي الفكرة الأولى التي طرحها فريق العمل. يروي راسموسن أنّ شركة Miso Film "قتلت الكثير من الشخصيات عبر إنتاجاتها على مرّ السنين، وأنا مذنب ببعض تلك الجرائم بنفسي. حين بدأنا العمل على هذا المسلسل، تحدّثنا عن صنع مسلسل جديد عن قاتل متسلسل. لكن كل اجتماع كان ينتهي برغبة في فعل شيء مختلف وأقرب إلى الواقع."
ويصف راسموسن اللحظة التي تحوّل فيها اتجاه الكتابة: "خلال تلك الاجتماعات، كنا ننظر من نوافذ مكتبنا في كوبنهاغن، لنكتشف أنه لحسن الحظ لا يوجد قتلة متسلسلون يتجوّلون في الشوارع. لكن، كما هو الحال في مدن أوروبية كبرى أخرى، لدينا قاتل حقيقي طليق في صورة المخدرات التي تودي بحياة الكثير من الشباب كل عام."
ثم يضيف جملة تبدو أقرب إلى اعتراف شخصي منها إلى تصريح صحفي: "لكن الحقيقة قد تكون أبسط من ذلك." ويشرح: "لا أستطيع عبور الحديقة المجاورة لشقتي دون أن أرى تجّاراً يبيعون المخدرات أو أشخاصاً يدخّنون لفافات. المخدرات في كل مكان. والكثيرون يعرفون طفلاً أو قريباً أو صديقاً له علاقة بالمخدرات. لا توجد أبداً ضحية واحدة فقط حين يبدأ شخص بتعاطي المخدرات."
هذا الأثر المتسلسل الذي يبدأ بفردٍ وينتهي بشبكة من الخسارات هو ما يصفه راسموسن بأنه يمتد "داخل الأسر وعبر المجتمع ككل"، مضيفاً: "هذه الشبكة من الآثار الجانبية وتبعات تعاطي المخدرات هي إحدى المآسي الكبرى في المجتمع الحديث، لكنها أيضاً ما يجعل القصة ذات صلة وقريبة من جمهور أوسع."
ولم يُبنَ هذا التصوّر من الخيال وحده. فقد خصّص الفريق وقتاً للبحث عبر نقاشات مع الشرطة، وقراءة كتب، والاستماع إلى بودكاستات، قبل أن تتبلور القصة في صيغتها النهائية.
كاميرا تعيش في الشارع لا تراقبه من بعيد
يتولّى الإخراج جوناس ألكسندر أرنبي (Jonas Alexander Arnby)، الذي أراد أن يُظهر "كيف تدخل الجريمة إلى حياة الأفراد، وتُغيّر العلاقات، وتُعيد تشكيل مستقبل الناس." ويضيف: "كل جريمة تحمل كلفة إنسانية، وأردنا أن تُشعَر تلك الكلفة من خلال الخوف والحزن والتنازلات والخيارات التي لا رجعة فيها والتي تخلّفها وراءها."
على المستوى البصري، اختار أرنبي مزجاً غير تقليدي: "أسلوب سينمائي معاصر مع فورية الحبيبات الوثائقية المستلهمة من السبعينيات، وتوتّر الزوم الوثائقي." ويصف تجربة التصوير في كوبنهاغن قائلاً: "صوّرنا المدينة بحميمية وكثافة، واضعين المشاهد إلى جانب الناس المُجبرين على العيش مع العنف وعدم اليقين. والنتيجة عالم لا يكون فيه الخطر مجرّداً أبداً، وحيث تحمل كل خسارة شخصية وزنها العاطفي."
يُقرّ راسموسن بفضل هذه الهوية البصرية لفريق الإخراج، قائلاً: "الكثير من الفضل في ذلك يعود إلى جوناس أرنبي وفريقه الموهوب، الذي منحت رؤيته المسلسل هويةً بصرية خاصة به."
أما المنتج جوناس ألن (Jonas Allen)، فيوضح الخيار الجغرافي للتصوير: "تحدّثنا أنا وأرنبي كثيراً عن استخدام كوبنهاغن كخلفية حضرية خام لخلق أصالة تعكس واقعية تجارة المخدرات دون الدخول في أراضي العصابات التقليدية التي صُوّرت كثيراً في مسلسلات أخرى."
خلال التطوير، ناقش الفريق مراجع سينمائية متعددة "Pusher 2″، و"Irréversible"، و"Succession"، و"Mobland"، و"Dopesick" لكن راسموسن يقول إنّ "Side Effects" لا يملك مقارنة دقيقة واضحة بأيٍّ منها.
محقّقة، أمّ، وامرأة غير مثالية
تُقدّم جوزفين بارك شخصية «نورا» بصفتها أماً بها عيوب، وشرطية طموحة، وإنسانة لديها بعض الصفات السيئة، على حدّ وصف فريق العمل. فعلى الرغم من أنها تقود الحرب على المخدرات، لا تُستثنى ابنتها من ملامسة هذا العالم. يرى راسموسن أنّ هذا التناقض هو جوهر الشخصية؛ إذ يكاد صنف الجريمة يفرض شخصية رئيسية تفتقر إلى التوازن الصحي بين العمل والحياة. ويمكن القول إنّ نورا تعمل أكثر من اللازم، لكن كان لدينا دائماً طموح قوي لصنع شخصية تجمع بين صفتي الشرطية والأم في آن واحد. ويضيف موضحاً أن إخفاق نورا في حماية ابنتها لا يُدان: وليس ذلك لأن نورا أمّ سيئة أو سيئة في عملها، بل لأنها ببساطة أمّ لأحد الشباب العاديين الكثر الذين يستسلمون للإغراء، وينتهي بهم الأمر بمشكلة إدمان خطيرة؛ لأن المخدرات وعواقبها تمسّ الجميع.
تُقدّم جوزفين بارك شخصية نورا كـ"أم مُعيبة، وشرطية طموحة، وإنسانة لديها رذائلها"، على حدّ وصف فريق العمل. فعلى الرغم من أنها تقود الحرب على المخدرات، لا تُستثنى ابنتها من ملامستها لهذا العالم.
يرى راسموسن أنّ هذا التناقض هو جوهر الشخصية: "صنف الجريمة يكاد يفرض شخصية رئيسية ذات توازن غير صحي بين العمل والحياة. يمكن القول إنّ نورا تعمل أكثر من اللازم. لكننا كانت لدينا دائماً طموح قوي لصنع شخصية هي شرطية وأم في آن واحد." ويضيف موضحاً أن إخفاق نورا في حماية ابنتها لا يُدان: "ذلك ليس لأن نورا أمّ سيئة أو سيئة في عملها. هي ببساطة أمّ واحدة من الشباب العاديين الكثر الذين يستسلمون للإغراء وينتهي بهم الأمر بمشكلة إدمان خطيرة. لأن المخدرات وعواقبها تمسّ الجميع."
ويُثني راسموسن على أداء بارك: "تصوير جوزفين لنورا يمنحها المزيد من الإنسانية، إلى جانب ألمٍ مألوف نأمل أن يجعل نورا تبدو إنساناً كاملاً، لا مجرد محقّقة جرائم أخرى."
إنتاج يحمل بصمة متكررة
يُنتَج "Side Effects" لصالح TV 2 الدنماركية بإشراف جوناس ألن وبيتر بوس (Peter Bose)، وتتولّى شركة Miso Film الإنتاج، فيما تتكفّل Fremantle بالمبيعات الدولية. وMiso Film نفسها شركة تابعة لـFremantle، ولها سجلّ حافل من الإنتاجات التي عُرضت على Netflix، من بينها "The Rain"، و"The Investigation"، و"Those Who Kill"، إلى جانب مسلسل "The Uniform".
ليست هذه المرة الأولى التي يجتمع فيها ألن وأرنبي؛ فقد سبق أن تعاونا في "The Uniform"، الذي صُوّر بشكل رئيسي في أكاديمية الشرطة وأطراف كوبنهاغن. أما المحطة القادمة لـMiso Film، فتشمل مشاريع جديدة بعنوان "The Cold Song"، و"The Traitor Within"، و"Royal Blood".
يبقى السؤال الذي يطرحه "Side Effects" أكبر من حبكته البوليسية: هل يمكن لمسلسلٍ تلفزيوني أن يُحوّل أزمة اجتماعية صامتة تلك التي تحدث في حدائق الأحياء وغرف النوم المغلقة إلى حكاية يراها الجميع ولا يستطيع أحد تجاهلها؟ فريق العمل يراهن على أنّ الإجابة تكمن في التفاصيل الصغيرة التي لا تُغادر الشاشة بسهولة: نظرة أمّ، وصمت ابنة، وشحنة حبوب لن تتوقف عن الدوران.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
