اكتشافات مذهلة في المادة المظلمة وبناء منازل المريخ
في مختبر عميق بأمريكا إشارة غامضة قد تكون أول دليل مباشر على المادة المظلمة أو مجرد تذبذب إحصائي في انتظار التأكيد. مع تقدم فيزياء التشابك الكمّي واقتراح هندسي لبناء منازل على المريخ اكتشف المزيد في وورلد برس عربي.

-في مختبرٍ منجميٍّ على عمقٍ كبير تحت أرض ولاية ساوث داكوتا الأمريكية، سجّل كاشف LUX-ZEPLIN حدثاً لم يستطع فريقه تفسيره إشارة باهتة قد تكون أول دليلٍ مباشر على جسيمات المادة المظلمة التي يُقدَّر أنها تشكّل نحو 85% من مادة الكون، أو قد تكون مجرّد تذبذبٍ إحصائي عابر. هذا التردّد بين الاحتمالين هو ما يستحقّ التوقّف عنده، في جولةٍ علمية شهدها شهر سبتمبر جمعت، إلى جانب لغز المادة المظلمة، تقدّماً في فيزياء التشابك الكمّي، ومقترحاً هندسياً لبناء منازل على المريخ، وإعادة قراءة أركيولوجية وتاريخية لعادات بشرية قديمة.
إشارة مادة مظلمة أم وهمٌ إحصائي؟
جسيمات WIMPs (الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل) تبقى المرشّح الأبرز، وإن لم يكن الوحيد، لتفسير طبيعة المادة المظلمة، لكنّ الكشف المباشر عنها أو عن بدائلها ظلّ يراوغ الفيزيائيين لعقود. الحدث الذي رصده LUX-ZEPLIN عُرض في مؤتمر فيزياء الجسيمات الفلكية للتيرا-إلكترون-فولت (TeV) المنعقد في اليابان عام 2026، وهو دون عتبة «الاكتشاف» العلمي المعتمدة، ما يعني أنه قد يتبخّر كما تبخّرت شذوذاتٌ مشابهة في الماضي كلّما تراكمت بيانات إضافية.
المشكلة التقنية التي يواجهها الفريق مزدوجة: فطاقة الارتداد النووي الناتجة عن اصطدام جسيم WIMP بنواة الزينون كانت أعلى من المتوقَّع، وفي الوقت ذاته، كان من المفترض أن تُسجَّل عدة جسيمات أخرى أقلّ طاقة إلى جانب هذا الحدث، لكن لم يظهر أيٌّ منها. أمام هذا التناقض، طرح الباحثون في ورقتهم العلمية الأولية المُرسلة للمراجعة في مجلة Physical Review Letters ثلاثة تفسيرات محتملة: معدّلات تفاعل تعتمد على الطاقة، أو جسيمات WIMP ذات بنية داخلية، أو اقتران يعتمد على الزخم مع المادة العادية. مجلة Nature خصّصت تغطية لهذه الفرضيات المتنافسة.
الفريق واصل جمع البيانات، وكذلك يفعل كاشف XENONnT في مختبر Gran Sasso الوطني بإيطاليا، فيما لا يزال كاشف PandaX الصيني قيد الإنشاء. أي حسمٍ علمي سيتطلّب على الأرجح تقاطع نتائج هذه التجارب الثلاث قبل أن يتحدّث الفيزيائيون عن اكتشافٍ فعلي.
تشابكٌ كمّي عند أعلى طاقة رُصدت
في مكانٍ آخر من فيزياء الجسيمات، أعلن فريق تجربة ATLAS التابعة لمصادم الهادرونات الكبير في CERN عن رصد تشابك كمّي بين أزواج من بوزونات Z، في ورقة نُشرت بمجلة Physical Review Letters. وتأتي هذه النتيجة بعد سنتين من إعلانٍ مشابه عام 2023 حول تشابك أزواج الكوارك العلوي في التجربة ذاتها.
بوزونات Z تتشكّل عندما يتحلّل بوزون هيغز، وتتحلّل بدورها بسرعة إلى أزواج من الإلكترونات والميونات. اعتمد الباحثون على قياسات كاشف ATLAS لتتبّع أنماط هذا التحلّل، وأعادوا بناء الزوايا التي انبعثت عندها الإلكترونات والميونات، واستخدموا تلك الزوايا لاستنتاج حالات اللّف (spin) الخاصة ببوزونات Z الأصلية. وصف الباحثون هذه النتيجة بأنها أعلى طاقة يُرصد عندها التشابك حتى الآن.
التشابك الكمّي وصفه الفيزيائي ن. ديفيد ميرمين من جامعة كورنيل بأنه «أقرب شيء نملكه إلى السحر»، بينما سبق لألبرت أينشتاين أن أطلق عليه عبارة «فعل شبحي عن بُعد» معبّراً عن تشكّكه فيه. هذه الظاهرة، التي يمكن أن تتعطّل بفعل التداخل فتفقد الجسيمات تماسكها الكمّي، تقوم عليها تقنيات الحوسبة الكمّية وأجهزة الاستشعار من الجيل القادم، ويرى بعض الباحثين في المصادمات الكبرى أداةً واعدة لدراستها عند طاقاتٍ لم تكن متاحة من قبل.
جيلاتين وخميرة لبناء منازل المريخ
بعيداً عن فيزياء الجسيمات، يقترح فريق هندسي من جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا حلاً عملياً لمشكلة قديمة: كيف نبني على المريخ دون نقل مواد بناء من الأرض؟ الإجابة التي نُشرت في مجلة Chem Circularity تجمع بين صخور مريخية ومادة الجيلاتين الأرضية والخميرة إذ تُغلَّف الخميرة ببروتينات لاصقة شبيهة بتلك التي تستخدمها بلح البحر (المحار) للالتصاق بالصخور، فيما يعمل الجيلاتين كسقالة لنمو الخلايا، بينما توفّر الرمال المريخية الكتلة والبنية الهيكلية.
اختبر الفريق هذا المزيج تحت ظروف محاكية للمريخ، وطبع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد قبباً صغيرة بحجم سدادة النبيذ تقريباً. المزيج يتجمّد بالتجفيف بالتبريد بعد خروجه من فوهة الطباعة مباشرة، مكوّناً رغوة خفيفة الوزن ومسامية بقوة ضغط تتراوح بين 10 و12 ميغاباسكال وهي قوة كافية، بحسب الباحثين، لدعم مبانٍ من طابق أو طابقين على الأرض. وبما أن جاذبية الأرض أقوى بثلاث مرات من جاذبية المريخ، يرى الفريق أن المادة نفسها قادرة على دعم هياكل أطول بكثير هناك.
تكمن الميزة الأهم في استهلاك الطاقة: فالطريقة المقترحة تحتاج طاقة أقلّ مقارنةً بتسخين وصهر الصخور المريخية أو غبار القمر لتحويلها إلى طوب، كما يمكن استرجاع الخميرة من الهياكل المُفكَّكة وإعادة تدويرها في بناءٍ جديد — وهي فكرة دائرية تناسب بيئةً تفتقر لموارد متجدّدة بسهولة.
أسنانٌ قديمة تكشف عادة تخدير ذاتي
انتقالاً من فيزياء المستقبل إلى علم آثار الماضي البعيد، فحص باحثون من جامعة Griffith الأسترالية هيكلين عظميين لصيّادين-لاقطين بشريين قدامى من جزيرة سولاويزي الإندونيسية، يعود أحدهما إلى ما بين 25,000 و16,000 سنة مضت، والآخر إلى ما بين 7,600 و6,300 سنة. وجد الباحثون في كلا الهيكلين أخاديد أسنان عميقة ومستديرة ناتجة على الأرجح عن مصّ متكرّر لثمار فول البيتل كاملة.
فول البيتل، المعروف استهلاكه حتى اليوم في الهند ومنطقة جنوب المحيط الهادئ، يُمزج عادةً مع الجير المطفأ ومكوّنات أخرى، إذ يُطلق الجير مركّبات نفسية تُنتج شعوراً خفيفاً بالنشوة ويقظة ذهنية متزايدة. أظهرت تجارب باللعاب الاصطناعي أن فول البيتل قادر وحده على إطلاق كمية كافية من مادة الأريكولين لتغيير وظيفة الدماغ، وإن كان التأثير النفسي على الأرجح أخفّ بكثير من الاستخدام الحديث للتنبول الممضوغ.
لكنّ الباحثين لم يكتفوا بالتفسير الترفيهي؛ إذ اقترحوا أن مصّ ثمار البيتل ربما كان وسيلة لتخفيف آلام الأسنان، كون الأريكولين مسكّناً طبيعياً، وهذه الجماعات معروفة بسوء حالتها السنّية. كما أن بذور البيتل الكاشطة كانت تُبلي الأسنان تدريجياً حتى تنكشف لبّة السنّ الداخلية. يقول آدم بروم، أحد مؤلفي الدراسة المنشورة في Science Advances: «فبينما قد تكون هذه العادة علاجاً لألم الأسنان، فإن سنوات من مصّ الثمار المطوّل تسبّبت في النهاية بمشاكل صحية سنّية أسوأ، ما خلق دائرة من الاستخدام المعتاد المستمر».
هذا النمط يضاف إلى سجلّ طويل من استخدام البشر للمؤثرات النفسية في طقوسهم، موثّق منذ العصر الحجري الحديث على الأقل، وشمل ثقافات مصر القديمة واليونان والفيدا والمايا والإنكا والأزتيك، فضلاً عن اكتشافات حديثة مثل آثار مركّبات نباتية مهلوسة في إناء مصري على هيئة الإله بيس عام 2024، وأدلة على استخدام مهلوسات في جعة بيرة شعبٍ بيروفي قديم عام 2022.
تلسكوب غاليليو المفقود في مخطوطة إسبانية
في سياقٍ تاريخي مختلف تماماً، يُنسب إلى هانس ليبرشاي صانع النظارات الهولندي-الألماني المولد اختراع أول تلسكوب حقيقي في تسعينيات القرن السادس عشر، و وصلت أجهزة التجسّس هذه إلى محلات باريس عام 1609 قبل أن تنتقل الظاهرة إلى إيطاليا خلال أشهر. لكن من بين التلسكوبات الثمانية المنسوبة لغاليليو غاليلي والتي ما زالت باقية، لا يمكن إثبات نسبة أيٍّ منها إليه بشكلٍ قاطع، إذ لم يوثّق غاليليو تحليلات تقنية لأجهزته، وأقسم ألا يبيعها أبداً.
هنا تأتي أهمية اكتشاف خوسيه ماريا مورينو مدريد، المؤرّخ في جامعة ليمريك الأيرلندية، لمخطوطةٍ كُتبت عام 1666 بعنوان De Tellescopiis Stellarum، وضعها الراهب الدومينيكاني الإسباني إغناسيو مونيوز، وتتضمّن تحليلاً فنياً ورسوماً تخطيطية لتلسكوب رباعي العدسات يُنسب إلى غاليليو. طلب نائب ملك إسبانيا الجديدة من مونيوز إجراء هذا التحليل كاختبارٍ لخبرته العلمية، فيما كان مونيوز يأمل، عبر اقتراحه تحسيناتٍ للأسطول الإسباني إلى الملك فيليب الرابع، أن ينهي منفاه إلى الهند البرتغالية. كتب مونيوز أن التلسكوب يعود للملك فيليب الرابع وأنه من صنع غاليليو.
يرى مدريد أن غاليليو، الذي كان يعمل على مسألة خطوط الطول، أهدى فيليب الرابع وزوجته تلسكوباً كبيراً وتلسكوبين أصغر، وأن وصف مونيوز قد يشير إلى أحد هذه الأجهزة الثلاثة. والأهم أن التلسكوبات الرباعية العدسات ظهرت لأول مرة حوالى عام 1643، بينما يضع تفسير مدريد هذا الابتكار بيد غاليليو في موعدٍ أقصاه عام 1630 أي أسبق بأكثر من عقد مما كان معروفاً. يصف مدريد اكتشافه، في دراسته المنشورة في مجلة Annals of Science، بأنه «أكثر تحليل تقني تفصيلي لتلسكوب مثبت صنعه» غاليليو، في سياقٍ تاريخي ساعدت فيه أرصاد الأخير الفلكية على ترسيخ النموذج الكوبرنيكي بديلاً للرؤية البطلمية للكون.
حين كانت صناديق الرؤية أداة تسويق عقاري
يختم الشهر العلمي بإعادة قراءة لظاهرة ترفيهية بريطانية تحوّلت إلى أداة تجارية. كانت «عروض التلصّص» (Peep Shows) شائعة في أوروبا القرنين السابع عشر والثامن عشر، تعرض صوراً أو أجساماً داخل صناديق تُشاهَد من ثقوبٍ صغيرة أو عبر عدسات مكبّرة، وأحياناً بإضاءة شموع تخلق وهماً بالعمق. مع القرن التاسع عشر، تطوّرت هذه العروض إلى «الكوزموراما» (Cosmoramas) المعروضة في قاعاتٍ داخل أسواق المدن عبر بريطانيا وأيرلندا.
بحث جون بلانكيت، المؤرّخ في جامعة إكستر، في أرشيفات الصحف منذ عشرينيات القرن التاسع عشر فصاعداً، ووجد إعلانات لشركة Brooks and Hedger، وهي شركة سمسرة ومسح عقاري لندنية استخدمت الكوزموراما في ثلاثينيات القرن ذاته لتسويق عقارات تعرض المنازل وأراضيها بما في ذلك مناظر جوية، من مكاتبها في شارع أولد بوند القريب من قاعات Cosmorama Rooms في شارع ريجنت. وبحسب دراسة بلانكيت المنشورة في مجلة Early Popular Visual Culture، كان إنتاج هذه العروض مكلفاً لأنه يستلزم زيارات فنانين ولوحات أو رسوماً من زوايا متعددة، ما يفسّر، في تقدير بلانكيت، اقتصار هذا الأسلوب التسويقي على العقارات الفاخرة والضيعات الكبرى. يبدو أن الممارسة توقّفت بحلول عام 1860، قبل أن يُعيد بلانكيت ربطها بالجولات الافتراضية الحديثة على منصّات مثل Redfin وZillow وRightmove.
بين إشارة فيزيائية مؤجّلة التأكيد ومنازل مريخية افتراضية وأسنانٍ تحكي قصة ألمٍ قديم، يبقى القاسم المشترك لهذه الاكتشافات أنها جميعاً في طور الاختبار بعضها ينتظر مزيداً من البيانات، وبعضها ينتظر مراجعة الأقران، وبعضها ببساطة ينتظر من يُعيد قراءة مخطوطةٍ منسية بعين جديدة.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
